أسرار أمريكا النووية في قبضة إسرائيل   - 1/1 - إميل أمين


03-04-2008

بعد شهر واحد من الاعتراف الرسمي الأمريكي بدولة إسرائيل وفي يونيو/ حزيران من عام 1948 كانت إسرائيل تؤسس لأول شبكة تجسس داخل الولايات المتحدة الأمريكية عندما نشط أول ملحق عسكري افرايم بن ارتزي في تشكيل مجلس يضم أربعة أفراد هم بن ارتزي ذاته إضافة لدبلوماسي في بعثتها للأمم المتحدة، وعميل محترف كان يتنقل بين تل أبيب ونيويورك، إضافة إلى محام أمريكي.

كان هدف الشبكة هو تدريب العملاء المجندين على أساليب التجسس كالمراقبة الالكترونية

والبشرية، واستخدام الأدوات السرية كالحبر والشفرة في المراسلات، ثم التنصت على الوفود العربية في الأمم المتحدة، في حين بقي الهدف الأكبر هو التجسس على الولايات المتحدة ذاتها للحصول على أدق أسرارها العسكرية والتكنولوجية ومقايضة العالم عليها، وقد كان الهدف الأول في ذلك الوقت هو الحصول على نموذج أولي لرادار أمريكي صغير متحرك للإنذار المبكر وشحنه إلى تشيكوسلوفاكيا مقابل أسلحة ترسل إلى عصابات الهاجاناه في فلسطين.

بين يونيو/ حزيران 1948 وما نشرته التايمز البريطانية منذ أيام عن تجسس إسرائيل على برامج أمريكا النووية جرت قصص وأحاديث تدعو المرء للتوقف طويلا عند طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية والسر الذي يدعو الإسرائيليين للتجسس على الأمريكيين.

ما الذي يدعونا ومن جديد لفتح هذا الملف؟ الإجابة عند سيبل ادموندز العميلة الاستخبارية الأمريكية السابقة وثيقة الصلة بما يجري في القنوات الخلفية والسرية وقد جاءت تصريحاتها الأخيرة للتايمز البريطانية مثيرة للجدل بشأن وجود مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية تحت المراقبة المكثفة بعد الشك في أنه يسرق معلومات بالغة الحساسية عن ترسانة الولايات المتحدة الأمريكية النووية وعلاقته بإسرائيل والثاني ومن خلال حديثها كذلك عن شبكة واسعة الامتداد التي زرعها الإسرائيليون في كل موقع نووي بالولايات المتحدة الأمريكية وفي المعاهد العسكرية المسؤولة عن تطوير وصيانة الشبكة النووية الأمريكية.

هذه القضية مرشحة لأن تكون من اكبر فضائح التجسس الإسرائيلية على الداخل الأمريكي إذا تم الكشف عن أبعادها الحقيقية ولم تتدخل الحكومة الأمريكية الخفية الفاعلة في البلاد لطمس معالمها كما جرى في العديد من القضايا المشابهة من قبل والتساؤل.. لماذا؟

بحسب التايمز البريطانية فإن اتهاما وجه لمكتب التحقيقات الاتحادية FBI بإخفاء ملف رئيسي يتضمن أدلة على فساد مسؤولين حكوميين ويميط اللثام عن تعاملهم مع شبكة تجسس تعمل في سرقة أسرار أمريكا النووية.

وبحسب ما أشارت إليه سيبل ادموندز والتي توصف تارة بأنها تركية وتارة أخرى بأنها يهودية تتكون كذلك من أتراك وإسرائيليين قاموا بدفع رشى لمسؤولين أمريكيين كبار لسرقة أسرار أسلحة نووية، وقد أكدت سيبل أن من بين المستندات المتعلقة بهذه القضية وثيقة سجلت تحت رقم 203 IWF 210023، غير أن مكتب ال FBI رد على طلب الحصول على ملف يحمل نفس الرقم بأنه لا وجود له، غير أن صحيفة التايمز كانت قد حصلت على الوثيقة ممهورة بتوقيع مسؤول ال FBI تدل على وجود الملف.. ماذا يعني هذا الحديث؟

باختصار غير مخل يعني أن مكتب التحقيقات الفيدرالية قد تم اختراقه إسرائيليا وأنه يخشى من الفضيحة غير المسبوقة التي تتهدده بزلزال رهيب ولهذا يخفي تلك الملفات والتي ستقود إلى ذلك المسؤول الرفيع في وزارة الخارجية الأمريكية والذي ساعد الأتراك والإسرائيليين من خلال منح جواسيسهم ومعظمهم من طلبة الدكتوراه تصاريح أمنية للعمل في منشآت بحث نووي حساسة من بينها مختبر لوس الاموس النووي في نيومكسيكو المسؤول عن أمن الرادع النووي الأمريكي.

والمؤكد أن الحديث عن مختبر لوس الاموس يعود بنا إلى واحدة من اشهر علائق وقصص التجسس الصينية الإسرائيلية على ما يحتويه من أسرار وقد اكتفت أمريكا وقتها باتهام الصينيين وصمتت عن توجيه حتى اللوم لالإسرائيليين في حين روجت بعض دوائر المحافظين الجدد لأقوال تتسق وما ذهب إليه هنتنجتون في نظريته عن صراع الحضارات من خلال قيام تحالف كونفوشيوسي إسلامي بمعنى أن الصين قد باعت تلك الأسرار للعرب والمسلمين مثل إيران والمملكة العربية السعودية وباكستان. والشاهد كذلك أن التعاون العسكري والاستخباري التركي الإسرائيلي لا يخفى على أحد غير أن التساؤل هذه المرة من ستقايض إسرائيل وماذا ستحصل في المقابل؟

في ثمانينات القرن الماضي أقنع إسحق شامير الاتحاد السوفييتي بأن لديه معلومات فائقة الحساسية والسرية عن القدرات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط كان جواسيس إسرائيل في أمريكا قد استطاعوا الحصول عليها عبر محلل مخابرات البحرية الأمريكية الشهير جوناثان بولارد، وبالفعل عقدت تل أبيب صفقة مع موسكو سمحت الأخيرة بموجبها بهجرة الآلاف من اليهود الروس إلى إسرائيل، واليوم يتصاعد التساؤل هل من صفقة خفية بين إسرائيل والصين على سبيل المثال بوصفها القطب الدولي القادم تستبق بها إسرائيل تغيرات وتقلبات الأجواء الدولية وقبل أن يخفق نجم الولايات المتحدة وبخاصة إذا اعتبرنا أن القرن الحادي والعشرين سيضحى قرنا صينيا؟

تساؤل مفتوح تثيره الأحداث غير أن هناك ما هو أخطر منه في واقع الأمر ضمن الأسئلة الحرجة التي تزلزل بناء أمريكا الاستخباري.. ماذا عن ذلك؟

في أعقاب الكشف عن فضيحة جوناثان بولارد تبين أن هناك معلومات ووثائق أكثر حساسية تخص الأمن القومي الأمريكي قد وصلت إلى أيدي السوفييت، هذه المعلومات لم يكن مصدرها جوناثان بولارد ووقتها تأكد الأمريكيون من أن مصدر تلك الوثائق هو شخصية أمريكية مسؤولة رفيعة بات يرمز إليها كثيرا بحرف ال X. ولم يتمكن الأمريكيون من الوصول إليه حتى الآن وإن كان جورج تينت مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA السابق قد رفع شكوى بشأنه إلى جورج بوش وأثار الحديث عنه في حضور ارييل شارون الذي أنكر وجود علاقة إسرائيلية بهذا العميل، غير أن القبض على لاري فرانكلين منذ أكثر من عام والكشف عن علاقته بالايباك يبدو أنه بدأ يمهد الطريق للكشف عن ذلك المسؤول الذي تعرف التايمز البريطانية اسمه والذي فاق في منصبه ومهارته كل جواسيس إسرائيل داخل أمريكا من قبل. والحاصل أنه منذ الستينات استطاعت إسرائيل وعبر رجل مخابراتها الشهير رفائيل ايتان الذي جند لاحقا جوناثان بولارد اختراق مؤسسة المواد والطاقة الذرية NUMEC في بلدة ابولو بولاية بنسلفانيا والحصول على وثائق وأسرار نووية غاية في الأهمية وهو ما تكرر لاحقا في السبعينات والثمانينات وهاهو يطل من جديد.

لماذا تتجسس إسرائيل على أمريكا؟ عند أرنست رينان لان اليهود لا يهمهم مصير البلد الذي يقيمون فيه وعند اليهودي برنارد لازار في كتابه اللاسامية يحتقر اليهود روح القوميات التي يعيشون في ظلها في حين تبقى الإجابة الأقرب للدقة وبحسب النص الأصلي لإعلان الرئاسة السرية للحكومة اليهودية العالمية العليا كما أعلنها أدولف كريميو الصدر الأعظم لمحفل الشرق العظيم في فرنسا سنة 1860 فلننتفع من كل الظروف، قدرتنا عظيمة فتعلموا استخدامها من أجل أهدافنا، مم تخافون؟ اليوم الذي يمتلك فيه أبناء إسرائيل كل ثروات العالم وموارده ليس ببعيد.


emileamen@yahoo.com