عن الحرية في الحرية -

 *راسم المدهون  

*راسم المدهون                                                    الحياة     - 01/04/2008

قبـل شهـــر ونيف نشرت مقالة في الحياة عن تجربة الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين في مناسبة مرور تسعة وثلاثين عاما على تأسيسها. المقالة حملت تقييما إيجابيا لتجربة الجبهة ودورها في الساحة الفلسطينية وبالذات في مبادراتها السياسية الشجاعة والواقعية وخصوصا البرنامج المرحلي، والذي صار بعد ذلك البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

مع ايجابية المقالة عموما فقد تضمنت إشارات حول العلاقات التنظيمية داخل الجبهة وما عانت منه من غياب الديموقراطية.

بعد نشر المقالة في الحياة بأيام معدودة فوجئت بها منشورة في الحرية المجلة الناطقة باسم الجبهة الديموقراطية، ولكن للأسف بعد اقتطاع فقرتين، الأولى في المقدمة وتتحدث عن الولادة الأولى للجبهة كانشقاق عن الجبهة الأم الجبهة الشعبية، فيما الفقرة الثانية قبل الختام بقليل وهي التي تشير إلى غياب الديموقراطية من حياة الجبهة الداخلية.

من قرأ المقالة بصورتها في الحرية لن يجد إلا مديحا صافيا لا يقوله سوى عضو ملتزم في الجبهة أو أحد أنصارها. مع ذلك فهيئة تحرير الحرية لم تشر من قريب أو بعيد إلى أن ما نشرته هو بعض المقالة بل تركت الأمر على عواهنه.

هنا تدخــلــت عنـــد رئيـــس تحريـــر الحرية وشرحـــت له حقيقــة ما وقع، فوعد بإمهاله أياما كي يتدارك الأمر، وقد فعلت وانتظرت دون جدوى أن يقوم بالاتصال بي ولكنه لم يفعل فأعدت الاتصال به فما كان منه إلا أن أبلغني أنهم، وبعد جدل مستفيض، قرّروا انتهاج سياسة مختلفة من اليوم فصاعدا وهي إما أن ينشروا المقالات المنشورة كاملة أو لا ينشروها أبدا. هو أمر حسن على كل حال، بل هو منطقي ويتماشى مع تقاليد الصحافة والنشر، ولكن ماذا عن مقالتي أنا؟ وماذا ستفعلون؟

قال: لا شيء. ماذا تنتظر أن نفعل، وأضاف: يمكن بالحد الأقصى أن ننشر تنويها بأن بعض السطور قد سقطت سهوا.

وهل ستنشرون المقالة كاملة؟

قال لا.

قلت: ولكنني في هذه الحالة سأضطر إلى توضيح ما حدث في مقالة جديدة.

قال: افعل ما تستطيع.

شخصيــا لـــم أتوقـــف كثيـــرا أمام سلوك الزميل رئيــس تحــرير الحرية إلا بقدر ما أثار في نفسي من أسئلـــة عـــن معنى الحرية ومعنى احترام آراء الآخرين المنشـــورة وبالـــذات بالنظـــر إلـــى جملـــة من الحقائق:

أولا: لقـــد نشــرت مقالتـــي فـــي الحياة واكتفيــت ولم أكـــــن أفكر في نشرها في أي مكان آخر بعد ذلك سوى موقع أمد للإعلام الذي يشرف عليه الصديق حسن عصفور وزير شؤون المنظمات الأهلية السابق في السلطة الوطنية الفلسطينية والذي دأب مؤخرا على إعادة نشر مقالاتي المنشورة في الحياة والمستقبل باحترام، ما يمنحني فرصة إيصال آرائي ووجهات نظري للجمهور الفلسطيني من الذين لا يقرأون الحياة والمستقبل.

ثانيا: قامت مواقع اليكترونية كثيرة بإعادة نشر المقالة ذاتها بصورة كاملة ودون اقتطاع ما يشكل فضيحة لهيئة تحرير الحرية ويكشف ضيق الأفق الذي يدفع هيئة تحريرها إلى القيام بعمل مونتاج على مقالات الآخرين ويجعلها من فئة لا تقربوا الصلاة على ما في تلك الطريقة من تشويه وإجحاف بحق كتاب زملاء.

ثالثا: أذا كنت قد أشرت في ختام مقالتي إلى غياب الديموقراطية من حياة الجبهة الديموقراطية الداخلية فقد جاء تصرّف هيئة تحرير مجلة الجبهة المركزية ليؤكد على ما قلت وليبرهنه عمليا وواقعيا.

ذلك كله يحيل بالتأكيد إلى السؤال الأهم: هل يمكن للأحزاب السياسية العربية ومنها الجبهة الديموقراطية أن تتطور وهي تتمسك بهذه الدرجة بالمركزية وتأبى النقد؟

أعتقد أن الأمر يكمن هنا بالذات وليس في رغبتي أن تقدم لي الحرية اعتذارا عن فعلتها مع أنه من حقي أدبيا وقانونيا.

هي صورة أخرى من صور التعسف السياسي والصحافي تمارسها أحزابنا السياسية وفي بالها أن الكاتب مجرد حيطة واطية ليس إلا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 *كاتب فلسطيني.