عمان 17/4/2008

 

حفل تكريم المناضل بهجت أبو غربية نادي خريجي الجامعات والمعاهد العراقية

 

ذاكرة الأمة ملكية اجتماعية قومية ولا يجب إخضاعها لسلطة الدولة ولا فتحها لمشاركة أجنبية ولا تركها لآلية السوق ولا التصرف فيها بالخصخصة (هيكل مقدمة عواصف الحرب والسلام المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل الكتاب الثاني).

 

أول مرة سمعت بها بإسم المناضل بهجت أبو غربية كان عام 1960 حيث كنت في القاهرة وكان رفيقي في الحديث المرحوم فيصل الحسيني الذي حدثني عن والده واستشهاده في معركة القسطل وذكر في ما ذكر إسم الأستاذ بهجت كواحد من القادة الفلسطينيين والذي كان المرحوم عبدالقادر الحسيني يضعه في مصاف الرجال الأوفياء المجاهدين المخلصين للقضية الفلسطينية. وسمعت به ثانية من أساتذتي في النجاح في نابلس سنة 1961 ثم في كلية بيرزيت من أساتذتي أيضاً بين عامي 1962 1964 ولكن أول مرة التقيته في أحد اجتماعات اللجنة المركزية للمقاومة في عام 1968.

 

وفي التسعينات كنت قريباً منه إلى درجة كبيرة خاصة أنه كان رئيسنا في لجنة حماية الوطن ومقاومة التطبيع. ولقد قدمت ورقة عن كتابه الأول في خضم النضال العربي في 16/8/1993 في رابطة الكتاب الأردنيين وقدمت ورقة أخرى عن كتابه الثاني (من النكبة حتى الانتفاضة) في حفل إشهار مذكراته برابطة الكتاب في الأول من نيسان 2005 .

 

ولقد تعلمت من أستاذنا الجليل حرصه الدائم على الدقة في القول والعمل، فلم يكن يقبل أي معلومة بدون سند موثق، وكان حذراً في قبول أي معلومة ليس لها سند. وفي نفس الوقت كان هو يقوم بالتحضير لهذه الاجتماعات بشكل منظم ويقدم الاقتراحات الدقيقة لإعطاء اللجنة مصداقية في العمل على كافة المستويات. وكنا نشعر أنه قائد حقيقي في كل ما يقول وما يعمل.

 

ودائماً كنا نشعر أن له ثوابت لا يقبل التنازل عنها: وحدة الأمة العربية والنضال بكافة الأشكال ضد العدو الصهيوني واعتبار الامبريالية الأميريكة ومن حالفها أعداء لأمتنا العربية وكان يعتقد أن الجماهير العربية في الأردن مصلحتها في النضال ضد العدو الصهيوني ومن أجل الوحدة العربية وكان يعتبر أن الخطر الصهيوني خطر على الأردن وفلسطين بنفس المقدار، وكان يعتبر المعاهدة الأردنية الإسرائيلية الموقعة عام 1994 خطر حقيقي على الأردن وأنها تشرع للاستيطان في الضفة الشرقية وهو بطبيعته من أشد المحاربين للإقليمية والطائفية والجهوية، وبنفس الوقت كان حميمياً مع المناضلين سواء من الكرك أو الخليل أو إربد أو القدس أو السلط أو من نابلس وعلى المستوى العربي كان لديه نفس الشعور في وحدة المناضلين العرب، وكنا نلمس ذلك من كافة الاقترحات التي يقدمها في لجنة حماية الوطن ومقاومة التطبيع. وكان مؤمناً وممارساً أنه لا عمل بدون الالتحام بالجماهير والصدق معها والإيمان بطاقاتها وحقها في ثروتها مؤكداً أن سياسات الحكومات العربية التي تعتبر علاقاتها استراتيجية مع الغرب الرأسمالي الذي ساعد الحركة الصهيونية وإيجاد السبل لتنفيذ وعد بلفور وقيام دولة الاغتصاب الصهيوني هذه السياسات متناقضة مع مصالح الجماهير العربية التي ترى في العدو الصهيوني ومن حالفه عدواً حقيقياً.

 

ترك المناضل بهجت أبو غربية المدرسة عام 1931-1932 لضيق ذات اليد حيث وصل إلى قناعة كاملة لا تعايش مع الصهيونية إما نحن أو هم وأن العدو الأساسي هو الانجليز والصهاينة، ويؤكد في ثنايا كتابه في خضم النضال العربي أن الانجليز منذ أول يوم دخلوا فلسطين يعملون على تنفيذ مخطط لقيام دولة يهودية في فلسطين.

 

وبعد استشهاد القسام تحرك شيخنا الأستاذ بهجت مع آخرين حيث شكلوا تنظيماً خاصاً وبدأ التعاون مع عبدالقادر الحسيني منذ 1937 وحتى 1948 .

 

وكان يؤكد في كتابه أن المخطط المعادي للثورة كان العمل على عزل الثورة عن محيطها العربي وجعل شرق الأردن منطقة عازلة لحصر الثورة ومنع شبان الأردن من الالتحاق بالثورة.

 

وفي كتابه الثاني (من النكبة حتى الانتفاضة) يتحدث عن النضال في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي والاعتقال والنفي والسجن في مختلف السجون الأردنية والاختفاء ورفضه للاتجاه الذي كان سائداً للنقد العلني لتجربة الوحدة المصرية السورية خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى ضرب عرى الوحدة ومع الأسف هذا الذي حصل عام 1961، ويستمر في النضال من أجل مصلحة الجماهير العربية في خط قومي صاعد في الأردن رغم السجون والمنافي في الأزرق والشوبك والعمل السري والاختفاء عن عيون أجهزة الأمن. ويشارك في تجربة إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وبالرغم أنه لم يحضر المؤتمر الفلسطيني الأول شارك في اللجنة التنفيذية التي شكلها أحمد الشقيري وكان مسؤولاً للجنة العسكرية ثم حدثت هزيمة 1967 واحتلت الضفة الغربية وسيناء والجولان ولكنه لم يلق السلاح فكان من خلال قوات التحرير الشعبية واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وجبهة النضال الشعبي يدعم الكفاح المسلح والانفتاح على أوسع الجماهير العربية لإسقاط كافة المشاريع الاستسلامية المطروحة.

 

والآن وهو يحمل على كتفيه إثنان وتسعون عاماً وله العمر الطويل ما زال يشارك في كل عمل جماهيري وسياسي يخدم قضية الجماهير العربية في الأردن وفلسطين خاصة والوطن العربي عامة.

 

هذا النضال الطويل والسيرة الشخصية الصادقة خلقت لمناضلنا المحبة من قبل كل الناس المناضلين والناس البسطاء. فما هي شهادة الذين عاصروه: كان يقول الأستاذ ابراهيم بكر الشخصية المعروفة عن الأستاذ بهجت (إن هذا الرجل يملك من القدرة والحكمة والاتزان والحكم على الأمور ما يجعلني أمشي وراءه دون سؤال) وقال لي أكثر من مرة يا ليتني استقلت من المجلس الوطني الفلسطيني كما فعل الأستاذ بهجت الذي استقال عام 1991 احتجاجاً على الخط الرسمي للمنظمة السائرة في الحلول الاستسلامية. ويقول الأستاذ ضافي الجمعاني المناضل العربي الأردني الكبير: (إن المناضل بهجت أبو غربية شخصية متفردة في نضالها فعلاً ومضموناً ولقد كان شاهداً على مظلمة القرن العشرين منذ وعد بلفور وحتى يومنا هذا).

 

أما الأستاذ حسين مجلي فيقول: (هذا القائد التاريخي الرمز لم يستمد فرادته من سلطة رسمية ومع ذلك فإن سلطته ومهابته ومكانته عندنا تعلو كل السلطات وهو مسكون بالمستقبل).

 

أما الأستاذ المناضل بسام الشكعة فيقول: (إن بهجت أبو غربية له ذاكرة قوية وأن تواضعه شديد وله رؤية قومية مؤمنة بأهداف أمتها بدون تردد وجرأة وشجاعة مشهودة مهما بلغت المخاطر، لم ينحن، لم يبتعد عن الحدث الجماهيري وبقي في مستوى الحدث، تحمل بقوة وإصرار الرصاص والشظايا ولا يزال جسمه يحوي الكثير منها، وكان أثناء التحقيق في المعتقل يقلب الدور فيصبح هو المحقق وثقافته واسعة جداًُ، وعاش من طفولته العمل النضالي ودوره دائماً ميداني، هو خليلي جبالي عاش في القدس وكان لنا قائداً وكانت غرفته في المدرسة الإبراهيمية ملتقى للوطنيين ويخرج الشباب من عنده راضين عن حكمته وكان يكتب زاوية بذور البعث. كان يهتم بالجانب الثقافي والتربوي) لقاء مع بسام الشكعة في عمان 11/4/2008

 

ويحدثني المناضل مسلم بسيسو وهو مواليد 1926 في لقاء معه في 12/4/2008 حيث يقول: (كان لي الشرف أن أكون على علاقة قرابة مع المناضل النموذج والصلب الأخ الكبير بهجت أبو غربية الإنسان الهادئ الذي يجيد التعامل حتى مع الأطفال، كنا نسمع عن بطولاته سنة 1936 وكفاحه المسلح وممارساته القتالية ضد العدو الصهيوني والانتداب البريطاني، ويقول في 16 ايار 1948 وصلت إلى القدس وذهبت إلى بهجت في غرفته في الإبراهيمية حيث كان نائماً بلباسه العسكري وحذائه العسكري ومعه سلاحه وقلت له جئنا من غزة نفتش على جبهة حامية للقتال فيها فقال بهجت لا ينقصنا الرجال لكن ينقصنا السلاح والتموين، كل واحد منكم يقاتل في موقعه عودوا إلى منطقتكم واثبتوا فيها وقاتلوا العدو من موقعكم. كان واضعاً دمه على يديه إنه رجل عصامي يعتمد على نفسه، تعلمت الكثير من صمود المناضل بهجت وانتمائه وشعوره بالمسؤولية).

 

أما المناضل الكبير أحمد اليماني (أبو ماهر) وهو من أقطاب الجبهة الشعبية يقول: (إن الأستاذ بهجت أستاذنا جميعاً وقائدنا وكل بيان يوقع عليه نحن معه دون تردد خاصة وأننا نعرف أن الأستاذ بهجت يرفض الاعتراف بدولة العدو الصهيوني حتى لو بقي وحده، فأنا أحترم بهجت احتراماً كبيراُ ومع مواقفه دوماً).

 

أما الأستاذ طاهر قليوبي فيقول في رسالة أرسلها لي في 14/4/2008 عن الأستاذ بهجت أن صحيفة فلسطين عكفت في الخمسينات الأولى من القرن العشرين على نشر مذكرات حول دوره في حرب 47/49 وذلك تحت عنوان مذكرات مناضل جريح، ثم تعقب بجملة (رجل حمل السلاح فجرح ثم حمل السلاح فجرح ثم حمل السلاح ولا يزال يناضل)

 

أما الدكتور صبحي غوشة حيث طلبت منه رأيه في مناضلنا الحبيب بهجت أبو غربية فيقول: (بدأت معرفتي به في المدرسة الإبراهيمية عام 1935 حيث أننا كنا من تلامذته في الرياضة والكشافة وكان عطوفاً على الجميع ويساعد الجميع ومنذ ذلك اليوم أحببت الأستاذ واستمرت محبتي واحترامي له حتى اليوم، وفي عام 1948 كان جميع سكان القدس يلهجون بالثناء والشكر والدعاء للأستاذ بهجت ورفاقه من أعضاء الجهاد المقدس وفرقة التدمير الذين قادهم الأستاذ المناضل بهجت وأبلوا بلاءً حسناً وأنقذوا باقي القدس من الاحتلال الصهيوني وهذا إنجاز يسجل لهم).

 

أما الشهادة الأخيرة فهي من الأستاذ أنيس الصايغ هذه القامة العلمية والثقافية والنضالية والذي كان أستاذاً في كامبردج والجامعة الأميركية في بيروت والذي أسس مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية وله عدة كتب عن القضية العربية والفلسطينية حيث ولد والقلم بين يديه، يقول: (لم تخلو القيادات السياسية والنضالية الفلسطينية من أفراد غلبت رؤاهم وأفكارهم على عواطفهم وتغذت المشاعر الوطنية بحكمتهم وصواب أحكامهم لكن القليلين بل النادرين من الزعامات الوطنية تميزت سيرتهم العملية بهدا الالتزام المثلث: الحكمة في الرأي والاهتمام بالجماهير والمشاركة الفعلية في القتال ضد عدو صهيوني واستعماري وضد حكم منحرف. بهجت أبو غربية أحد تلك القلة النادرة ولعله هو رائدها وسيدها ورمزها وجدناه في خنادق فلسطين يحمل البندقية ويناضل ويصاب ويجرح ويحمل القلم ويصرخ، يعتقل ويحاكم ويسجن ووجدناه يعبئ الجماهير المبعثرة وينظمها في اتحادات وأحزاب وفصائل، وعرفناه وما نزال نعرفه وقد تجاوز التسعين ذلك الحكيم والمرشد الذي ينظر في خفايا الأمور ونتائجها المرتقبة قبل أن يعطي حكماً والذي يعالج المشاكل والهموم بروية وهدوء وفهم وتفهم فيجنب سائليه ومريديه عواقب تترتب على قرار متسرع ومشورة مضللة. ولا تكتمل مسيرته إلا إذا تتبعنا تجربته العربية القومية، ففلسطينية بهجت عنصر متكامل ومندمج ومنصهر تمام التكامل والاندماج والانصهار مع عروبته فيه وعنده تصبح الفلسطينية ركناً من أركان العروبة وتصبح العروبة سنداً للوطنية الفلسطينية وامتداداُ طبيعياً ويصبح الإثنان توأمي قانون طبيعي لشعب تماهى في الأمة وتماهت الأمة فيه. إن هذا الرجل الشامخ يتجاوز أن يكون مجرد مواطن فلسطيني عربي فهو إنساني حتى العظم وحكمي هذا حكم دارس للتاريخ الفلسطيني والعربي الحديث المعاصر. يبقى شرفاً للمرء ومبعث اعتزاز أن يكون عاصر بهجت أبو غربية، عايشه وعرفه وكان شاهداً على تجربة فريدة تلقي نورها على أجيالنا الطالعة رسالة من أنيس 16/4/2008

 

ولا يزال حتى الآن الأستاذ بهجت يشارك في كل عمل عربي في الأردن مع الجماهير ومع مصالحها بالرغم من الظروف الصحية التي يعاني منها حيث يقول في هذه المرحلة نظراً لوضعه الصحي (السمع والنظر) إنني أشارك ولا أقود. هذا هو مناضلنا الذي نكرمه اليوم فله كل المحبة والتقدير والاحترام

 

 

عبدالله محمود حموده