أنا من هناك ولي ذكريات..بقلم:- جينا بينفينتو، مع عصام ناصر

15/04/2008   

arabs48
 

إن إشرافي على مكتب الإعلام في الأونروا، وكالة الأمم المتحدة التي تقدم المساعدات الإنسانية للاجئي فلسطين منذ العام 1950، يعني أن مكتبي هو بوابة الاتصال لأي شخص يبحث عن صور للاجئين الفلسطينيين. وبما أنه لم تعد تفصلنا سوى أسابيع عن يوم الخامس عشر من أيار/مايو 2008، والذي يصادف الذكرى الستين للنكبة، فيبدو أنه لا توجد نهاية للطلبات على صور تمثل نزوح اللاجئين عام 1948. لقد جاء في هذا الصباح طلب كهذا من صحيفتين أوروبيتين. وجاء الطلب في الأمس من الجزيرة ومن إحدى كبريات شبكات البث التلفزيوني الأمريكية.

أثناء نظري إلى الصور التي اختارتها موظفة الأرشيف المخلصة أماني شلتوت، أعنت النظر في الوجوه. ترى ما الذي حل بهذا الرجل المسن الذي كان يتلقى المساعدة ليصعد إلى متن سفينة مغادرة؟ وأين أصبحت هذه المرأة الشابة التي تحدّق فينا من خلف شاحنة الهاغاناه؟ ثمة شيء موحد يكاد يجمع بين كل هذه الصور. وجوه لا شك تعبر عن الخوف والارتباك والحزن. أجساد في حالة فرار سائرة أو راكضة أو محمولة بمساعدة من شاحنات أو سفن. وهناك دائماً خيام خيام مفردة، ثم في صفوف، لتتكشف عن حقول من الخيام تمتد إلى أبعد ما تستطيع أن تلتقطه عدسة الكاميرا والعين.

ولكن هناك صورة واحدة جعلتني أتوقف. وهي صورة لفتاتين صغيرتين تدفعان عربة معبأة بالبطانيات والملاءات. لقد رأيت مثل هذه الوجوه الخائفة والحزينة من قبل. ولكن ما كان موجوداً وراء الفتاتين الصغيرتين هو الذي استوقفني: بنايتان ضخمتان مبنيتان من الحجر بأسلوب أوروبي شائع. إن الصورة النمطية للاجئين الفلسطينيين تركز على كل ما هو زائل خيام، وشاحنات، وفرشات متدلية من فوق الأكتاف، وكلها أمور ترمز إلى التشتت. ولكن هذين المبنيين ثابتان منازل ومتاجر جزء مما كان في يوم من الأيام مجتمعاً فلسطينياً مستقراً ومزدهراً. قبل هذه الصورة بعدة دقائق، لم تكن هاتان الفتاتان الصغيرتان لاجئتين. وكان منزلهما ومدرستهما وملعبهما وكل شيء مألوف لهما وعزيز عليهما كان كل ذلك لا يزال على مسافة قريبة منهما.

عدت لأنظر من جديد إلى الصور الأخرى. من كان هؤلاء الناس قبل أن يتحولوا ما بين ليلة وضحاها إلى لاجئين؟ وتذكرت كلمات من قصيدة للشاعر محمود درويش:

أنا من هناك. ولي ذكريات
ولدت كما يولد الناس. لي والدة
وبيت كثير النوافذ

هذا المسن والمسنة اللذان يحدّقان بنا بصبر شديد من مدخل خيمتهما: هل كان بيتهما كثير النوافذ؟ هل كانت حياتهما سعيدة؟ والمائة وعشرين ألف فلسطيني الذين نزحوا عن حيفا: من أحبوا وتزوجوا؟ والمائة وثلاثة وعشرين ألفاً الذين نزحوا عن يافا: ما الذي علموه لأطفالهم؟ كيف كانت حياتهم قبل عام، أو قبل أسبوع، أو قبل لحظة؟ كم من العوالم قد انمحى؟

وهكذا بدأ العمل على "أنا من هناك ولي ذكريات" معرض الصور الذي يسترجع معالم الحياة في فلسطين قبل العام 1948، والذي من خلاله تحيي الأونروا الذكرى الستين للنكبة. سيفتتح المعرض في ستة مواقع في آن واحد القدس ورام الله وغزة وعمان وبيروت ودمشق، وذلك في يوم 14 أيار/مايو 2008. وسيتم تنظيم عروض موسيقية ومحاضرات حول موضوعة المعرض عن الحياة الفلسطينية قبل العام 1948، ويخطط أن تقوم المعارض الستة جميعها بجولات لاحقة في الجامعات والبلديات ومخيمات اللاجئين. كما سيكون من الممكن استضافة المعرض وتنظيم جولات له في مواقع أخرى إقليمياً ودولياً.

الجهات الرعاية لمعرض "أنا من هناك ولي ذكريات" هي الوكالة السويسرية للتعاون التنموي، والقنصلية البريطانية العامة، والصندوق العربي للثقافة والفنون، ومؤسسة قطان، ومؤسسة البيت العربي

.
جينا بينفينتو (مشرفة مشاركة)، مقيمة في القدس، رئيسة مكتب الإعلام في وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا).


عصام ناصر (مشرف مشارك)، مؤرخ مختص في الصور ومحاضر جامعي.


أحمد مروات باحث متخصص بتاريخ فلسطين المعاصر ومدير الأرشيف الفلسطيني ومركز التوثيق"