بين الوطن والمنفي - رشاد أبوشاور


09/04/2008

هذا الكتاب يقرأ، ولا يلخّص، وهذا شأن الكتب التي تكتّظ بالتفاصيل الغنيّة، والتي تكشف عن جوانب لم تكن معروفة لغير المطّلع الصادق في (شهادته).


كاتبه لبناني الأصّل، فلسطيني الولادة، يافاوي مفتون بمسقط رأسه، ولعلّه بسبب هذه الخلطة نشأ عروبيّا، لا يقنط من الإيمان بحتميّة وحدة الأمّة.


بين الوطن والمنفي: من يافا بدأ المشوار ، الصادر عن منشورات الريّس2007، هو كتاب شفيق الحوت الصحافي والمناضل الكبير، المؤسس لجبهة التحرير الفلسطينيّة (طريق العودة)، الذي بدأ مشواره مع منظمة التحرير الفلسطينيّة منذ البدايات، والذي عاني وهو يري تدمير المنظمة، وتفكيك مؤسساتها، وتحويلها من بيت للشعب الفلسطيني إلي (منهبة) في زمن الارتجال، والفساد، والمحسوبيّة.


هذا الكتاب الضخم حجما، وقيمةً، له مهمّة جليلة، كما يكتب صاحبه في المقدمة: الهدف من هذا الكتاب، كل الهدف، هو نقل تجربة جيل إلي جيل، كي لا نكرّر الخطأ، وكي لا يعيد التاريخ مآسيه. (المقدمةص12).


يبدأ شفيق الحوت كتابه من المكان الأثير علي نفسه، المكان الذي وهبته الجنّة لفلسطين: يافا، مسقط الرأس بتاريخ 13 كانون أوّل (ديسمبر) 1932.
هو من جيل عاش زمن الانتفاضات، والإضرابات، والاشتباكات مع الاحتلال البريطاني، والصهيوني، وعايش فصول النكبة منذ عام 48، وخراب مدينته الأثيرة يافا، واجتياح الصهاينة لها في نيسان (ابريل) 48، وغرق بعض أهلها في البحر وهم يحاولون النجاة إلي (غزّة) و(بيروت). ..


رفض والد شفيق الحوت أن يستعيد جنسيّته اللبنانية، خشيةً من ضياع حقّه في العودة إلي يافا، ورحل الأب، وبقيت الأسرة التي زرعت شهيدا في ثري فلسطين، هو (جمال) شقيق شفيق.

شفيق الحوت


في الجامعة الأمريكيّة ببيروت انخرط شفيق في الحزب الشيوعي: لفت الطلبة الشيوعيون اهتمامي، وذلك لتركيزهم علي مطالب الطلبة المعيشيّة، التي كان الطلبة الفلسطينيون يعانون جرّاءها أكثر من غيرهم، ووجدت نفسي اقرب إليهم من القوميين العرب، والبعثيين، فدخلت حلقاتهم،وقوائم انتخاباتهم، وأصبحت من خطباء منابرهم. (ص48)


دفع الطالب الغاضب، الخطيب المتحمّس، ثمن انتمائه، فطرد من الجامعة، وحوكم، و.. أبعد من لبنان، هو ابن العائلة اللبنانيّة البيروتيّة العريقة، لأنه. .فلسطيني!
النكبة، الهجرة، الإبعاد.. صقلت وعي شفيق الشّاب، وهي دفعته لقطع صلته بالشيوعيين، وتوجهه إلي الخيار القومي، مع ظهور جمال عبد الناصر، وتنامي دور مصر المعادي للاستعمار.


لم يكن شفيق الحوت يبحث عن (عمل) مريح، ولذا عاد من الكويت التي عمل فيها معلّما، ومن جديد استأنف عمله في (الحوادث): في تلك الفترة لم يكن للحوادث من توجّه سياسي محدد، ولم تكن تستند إلي فكر سياسي واضح...


عن الانتقال بالمجلّة من الاهتمام الاجتماعي، والفنّي، والأدبي، إلي السياسة، والانتماء، يكتب الحوت: ووجدت نفسي أتحمّل وحدي مسؤوليّة إصدار المجلّة من الغلاف إلي الغلاف، ولمّا كنت بطبعي أميل إلي الصحافة السياسيّة، فقد كان من الطبيعي أن تتضاعف صفحات السياسة وتطغي علي ما عداها.


مناخ بيروت كان آنذاك موزعا بين: الانقسام الطبقي، مجسدا ما كان يسمّي حزام البؤس حول بيروت، والثاني سياسي يتعلّق بالموقف العام من مسألة العروبة، وما تحمله هذه المسألة من قضايا عربيّة متعددة، بدءا بثورة الجزائر التي كانت بدأت شمسها بالبزوغ منذ أواسط الخمسينات، وصولاً إلي قضيّة فلسطين والطريق لتحريرها. (ص73)


متأثرا بهبوب رياح ثورة الجزائر، بدأ الحوت بتأسيس جبهة التحرير الفلسطينيّة (طريق العودة )، ومن المؤسسين كانت الكاتبة المتألّقة سميرة عزّام. .هنا نستذكر دور المثقفين الفلسطينيين المبادرين الفاعلين ناشري الوعي، المنخرطين فعلاً في أوساط شعبهم في المخيمات، وأماكن اللجوء.
بيروت الخمسينات سياسياّ، صحفيّا، ثقافيّا، اجتماعيّا، و..جامعيّا، تستعاد في الفصول الأولي من الكتاب، وتتجلّي في سهر الليالي، في الفنادق، والمطاعم، فالحياة موّارة صاخبةً...


المنظمة التي بناها الشقيري، المنظمة التي استحوذت عليها التنظيمات، وأتلفت مؤسساتها، عايش الحوت فصولها، عضو مجلس وطني، ولجنة تنفيذيّة، وممثّلاً للمنظمة في لبنان حتي استقالته احتجاجا علي اتفاقات ( أوسلو) التي رأي فيها إضاعة للقضيّة الفلسطينيّة.


إنصافا للشقيري، يكتب : التوصية التي خرج بها مؤتمر القمّة العربيّة الأوّل عام 64، بصدد القضيّة الفلسطينيّة كانت: يستمّر السيّد أحمد الشقيري، ممثّل فلسطين لدي جامعة الدول، في اتصالاته بالدول الأعضاء، والشعب الفلسطيني، بغية الوصول إلي إقامة القواعد السليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني، وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه، وتقرير مصيره.


الحوت يصف التوصية بـ: توصية عّامة لا ذكر فيها ولا إشارة إلي كلمة (كيان) أو(منظمة) أو(شخصيّة وطنيّة)، أو أي شيء من هذا القبيل. توصية عّامة غامضة، ومن دون آلية، وتعطي الدول العربيّة أولويّة علي الشعب صاحب القضيّة في تقرير مصيره. (ص96)...


هذه الحقيقة تكشف زور الادعّاء بأن تشكيل المنظمة كان قرارا رسميّا، وتبيّن عظمة ما أنجزه الأستاذ الشقيري، الذي حوّل التوصية العموميّة إلي حقيقة واقعة، هي منظمة التحرير الفلسطينيّة، بميثاق، ومجلس وطني، وجيش، ومركز أبحاث، ولجنة تنفيذيّة، واتحادات ومنظمات شعبيّة، وصندوق قومي. . وبدعم مصر الناصريّة، رغم تآمر،ورفض كثير من الدول العربيّة!


عن علاقته بعبد الناصر، يكتب في فصل بعنوان: عبد الناصر كما عرفته : إذا كان للمخضرمين من أبناء هذه الأمّة من حقبة تاريخيّة يعتّزون بها ويفاخرون، طوال القرن العشرين، فهي ـ في قناعتي ـ الحقبة الناصريّة.


الحوت التقي بالرئيس ناصر سبع مرّات، وأهمها في بيت الرئيس لإجراء حوار معه ( للحوادث)، وهو حوار غني يكشف عن جوانب في شخصيّة ناصر الإنسان.
يروي الحوت في الكتاب أسرار الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وخلفياتها، وأدوار الرجال الذين أججوا نارها خدمةً للكيان الصهيوني، وبعض التفاصيل تثير الذهول، فهناك في لبنان من ادّعوا حبّهم، وتعصبهم له، وهان عليهم أن يحرقوه وأهله!


شفيق الحوت رجل الديبلوماسيّة، يتوقّف مطولاً عند منجزات ( المنظمة) في عامي 74 و75، عندما منحت المنظمة عضوية مراقب، واستصدار الجمعيّة العموميّة لأمم المتحدة قرارا يعتبر الصهيونيّة عقيدةً عنصريّةً، شكلاً ومضمونا!.


بعد ( أوسلو) تمّ التخلّي عن هذا القرار التاريخي الأممي!


لم يغادر الحوت بيروت عندما رحلت المقاومة، ولذا طارده المحتلّون الصهاينة، وداهموا بيته مرارا، وصادروا جواز سفره الفلسطيني الصادر أيّام الانتداب!
من أعمق الفصول إنسانيّة تلك الفصول التي كتبها عن تشرّده في بيروت، ضائعا في شوارعها، وحيدا، بأنفة وكبرياء المؤمن...


تخطر بباله زوجته ورفيقة عمره الدكتورة بيان نويهض الحوت، فيردّد: ليس أروع من الحّب!. ..


هذا كتاب حّب، وإيمان، وصدق، لا يهادن فيه الفساد، والفرديّة المريضة، يفضح فيه أسباب ما نراه من خراب، تدفع قضيتنا وشعبنا ثمنه.


لقد استشري النفاق في دوائر المنظمة، وتناهب الوصوليون أماكن ليست لهم، داعبوا غرور الفرد فمنحهم السلطة والمال، وكانوا دون المهمات والمسؤوليّات الوطنيّة. هؤلاء هم من يصفهم الحوت، برهط المنافقين، الذين تركهم لأبي عمّار ليبنوا له (هونغ كونغ) و( سنغافوره) فوق رمال القطاع، وهضاب الضفّة ! (ص471)


كتاب كبير لرجل لم ينسحب من الميدان، ولكنه أبي أن يشارك في إضاعة القضيّة. كتاب مفعم بالأمل واليقين بالعودة...
 

*