نضال حمد*

لنتعلم من بولندا *

 اثناء الحرب العالمية الثانية في غابة كاتين الروسية قتلت قوات ستالين ما يزيد عن عشرين الفاً من نخبة القوات المسلحة البولندية. ومنذ ذلك الوقت تم حذر الحديث أو النشر عن هذا الموضوع ، لكن مع انهيار المعسكر الاشتراكي قبل  أكثر من عشرين سنة أعيد فتح ملفات الحقبة الشيوعية بقوة. و عادت مأساة كاتين لتحتل سلم أولويات الحكومات البولندية الجديدة ، التي ربطتها ومازالت تربطها علاقات قوية ومتينة جداً مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع دول الغرب عموماً.

 كان الرئيس البولندي الراحل ليخ كاتشينيسكي من أكثر القادة البولنديين المطالبين بمعرفة كل شيء عن مذبحة كاتين التي قام بها ستالين وأودت بحياة نخبة من ضباط وجنود الجيش البولندي.

 عقب انهيار المعسكرالاشتراكي وصعود الحركات المؤيدة للغرب والمعادية للشيوعية  اصبح الرئيس كاتشينيسكي الى جانب ليخ فاليسا وشقيقه التوأم ياروسلاف كاتشينيسكي وآخرين معروفاً لدى الشعب البولندي كأحد أبرز قادة المواجهة البولندية الطويلة ضد الحكم الشيوعي وضد الاتحاد السوفيتي والمنظمومة الاشتراكية.. لذا عندما أصبح رئيساً لبولندا أصرعلى فتح ملف كاتين على مصراعيه. وأصر ايضاً على أن علاقات بلاده مع جرانهم الروس لن تتحسن ولن تتطور إلا في حال قامت روسيا بفتح أرشيف كاتين السري.  ظل الرجل وفياً لقناعاته حتى آخر لحظة من حياته. ولعلها صدفة سوداء جداً أن يلقى هذا الرئيس مصرعه مع زوجته  ومعظم أركان حكمه وجيشه بتحطم طائرته الرئاسية في سمولينسك ، غير بعيد عن النصب التذكاري والمقبرة التي توجد فيها قبور ضحايا كاتين ، الذين حمل لواء قضيتهم حتى وفاته.

 يقول الذي عرفوه وعملوا معه وحتى الذين اختلفوا معه سياسياً أنه كان صاحب فكاهة ونكتة وطيب المعشر.. لكنه بنفس الوقت كان صاحب مواقف غير مهادنة ، ورجل دولة قوي . مما خلق له خصوما سياسيين من كل الاتجاهات..بقي هؤلاء يطعنون فيه ويشككون بصدقه ومنطقية سياساته طوال الوقت. لكنهم جميعاً توحدوا في الحداد عليه وعلى الذين قضوا معه. ونسوا كل الخلافات ووضعوها جانباً. فرأيناهم وشاهدناهم يتحدثون بمودة واعجاب عن الراحل. ورأينا غالبيتهم تذرف الدموع وتنحني امام نعشه في القصر الرئاسي. فالمصيبة عظيمة بالنسبة للشعب البولندي ، وكارثة بالنسبة للحياة السياسية والثقافية البولندية. لأن الذين قضوا في الحادثة كلهم من النخبة ، صفوة ابناء البلاد.

الراحلة ماريا كاتشينيسكا بالشال الفلسطيني  مع أطفال غزة في قصر الرئاسة البولندي

 من هو ليخ كاتشينيسكي؟

 ولد ليخ كاتشينيسكي في العاصمة البولندية وارسو في 19/06/1949 وتعود أصوله لعائلة مثقفة. وكان والداه في عداد الجيش الوطني البولندي (آرميا كرايوفا ) الذي حارب ضد النازية ومن ثم ضد الشيوعية. توفي عن عمر ناهز 61 سنة في حادثة تحطم طائرته الروسية في منطقة سمولنسك الروسية ، هو وزوجته  وحفيدته وكذلك جميع أعضاء الوفد الرسمي المرافق له ، بالإضافة لطاقم الطائرة . بلغ عدد الذين قضوا معه 95  شخصاً ، منهم وزراء وأعضاء برلمان ، وقادة أحزاب ، ونواب لرؤساء مجلس النواب، وجنرالات عسكريون وأمنيون ، ومثقفون وفنانون ، وقادة مؤسسات عامة  ، ومحافظ البنك المركزي البولندي ، وسياسيون ، وبعض أفراد عائلات الضباط البولنديين الذين أعدموا في كاتين. جدير بالذكر أن الوفد البولندي كان متوجهاً الى كاتين حيث مقبرة العسكريين البولنديين ، للمشاركة في الاحتفالات الرسمية بذكراهم.

ليخ كاتشينيسكي كان شقة التوأم لشقيقه ياروسلاف كاتشينيسكي الذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد شقيقه رئيس البلاد ، وهو الآن رئيس حزب القانون والعدالة. وفي صغرهما شارك الشقيقان في فيلم سينمائي بعنوان : " عن الاثنين اللذان سرقا القمر " .. وانهى كاشينسكي دراسته الجامعية بدرجة دكتوراه في القانون واختص بقوانين العمل. وفي سنوات 1977 - 1980 عمل مع لجنة الدفاع عن العمال (كور) في نقابات العمال الحرة في الساحل. شارك في اضراب آب أغسطس 1980 الشهير وكان واحداً من أهم الخبراء القانونيين لنقابة التضامن التي عارضت الحكم الشيوعي في البلاد.في 13 آب أغسطس من نفس العام وعندما اعلنت حالة الطوارئ في البلاد تم اعتقاله من قبل النظام الحاكم. وأطلق سراحه بعد 11 شهراً وبعدها أصبح واحداً من أهم معاوني ليخ فاليسا قائد نقابة (سوليدارنوش شي) التضامن.وجنبا الى جنب مع محامين آخرين عمل لحساب نقابة التضامن تحت الأرض (بشكل سري) وكان يقوم باعداد دراسات قانونية عن القانون في بولندا. وجهز بشكل جيد الدفاع عن المعارضين امام محاكم الدولة. منذ يناير 1986 وبعد اعتقال بوغدان ياروشيفيتش قاد اللجنة التنفيذية الاقليمية لمنطقة غدانسك معقل نقابة التضامن.

شارك سنة 1988 في حملات الاضراب العمالية التي اجتاحت حوض بناء السفن في غدانسك. ثم في مائدة المفاوضات المستديرة التي كانت بداية نهاية الحكم الشيوعي وصعود حكم نقابة التضامن في بولندا بقيادة فاليسا. عمل كاتشينيسكي في عدة مؤسسات دولية وفي سنة 1994 اختارته جريدة الحياة الفرصوفية البولندية شخصية العام. وفي سنة 2000 حصل على الشخصية الثانية الأكثر شعبية في بولندا بعد الرئيس اليساري الكسندر كفاشنيفسكي الذي احتل المرتبة الأولى. اسس لاحقاً حزب القانون والعدالة.وفي سنة 2002 اختير رئيساً لبلدية العاصمة وارسو. في عهده تم بناء متحف انتفاضة وارسو والاحتفال بالذكرى الستون للانتفاضة بحضور ومشاركة رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية وبريطاينا والمانيا.في 23 اكتوبر 2005 فاز كاتشينيسكي بالرئاسة البولندية في الجولة الثانية من الانتخابات ، حيث هزم خصمه القوي دونالد توسك ، رئيس الوزراء الحالي في بولندا. واصبح الرئيس الرابع لبولندا بعد انهيار الشيوعية.

عندما أصبح رئيساً للبلاد قام بزيارته الخارجية الأولى الى ايطاليا والفاتيكان حيث التقى بالبابا بنديكت ودعاه لزيارة بولندا وتم ذلك في مايو / ايار 2006 . وحين تعرض حاجام يهود بولندا ميخائيل شودريخ لاعتداء من قبل مجهولين وسط العاصمة وارسو قام كاتشينيسكي بدعوته للقصر الرئاسي والتضامن معه. وفي مايو / ايار سنة 2009 ارسل الرئيس البولندي كاتشينيسكي السيدة ماوغوشاتا غوشيفسكا المستشارة في مكتبه ومعها النائب في البرلمان السيدة يولنطا شيبينسكا ، نائب رئيس حزبه ، على متن طائرته الخاصة - وهي للاسف نفس الطائرة التي تحطمت ولقي مصرعه فيها مع زوجته -، الى مطار العريش المصري ، حيث احضرت أكثر من 80 طفلاً فلسطينيا للعلاج من آثار العاهات النفسية والجراح الجسدية التي اصيبوا بها جراء العدوان الصهيوني على قطاع غزة. وقامت عقيلته باستقبال الأطفال والوفد المرافق لهم في القصر الرئاسي في وارسو. بالرغم من العلاقات المتينة التي ربطت بولندا بالولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ، إلا أن هناك داخل الأحزاب البولندية والبرلمان البولندي حركة تضامنية مع الشعب الفلسطيني تقودها النائب شيبينسكا ونواب آخرون. هؤلاء هم الذين احضروا الأطفال من غزة الى بولندا بالتنسيق مع اللجنة الاجتماعية الثقافية لفلسطينيي بولندا. و هؤلاء هم الذين أسسوا لجنة التضامن البرلمانية البولندية مع الشعب الفلسطيني ، وقاموا مؤخراً بزيارة غزة ضمن الحملة الدولية لفك الحصار عنها. يوجد بينهم اليميني واليساري والوسطي ..الخ .. ويجب أن لا ننسى أن معرض صور أطفال غزة الذي أقيم في البرلمان البولندي مؤخراً تم افتتاحه من قبل عدد من القادة والسياسيين البولنديين الرسميين والمعارضين من ضحايا الطائرة المنكوبة .

 توحدت بولندا قيادات وبرلمانيين وسياسيين ومثقفين وناس عاديين على الشوارع وفي الميادين .. كل الشعب البولندي توحد في الحداد على صفوته التي قضت بحادث الطائرة. مات الرئيس بشكل مفاجئ فاستلم الرئاسة رئيس البرلمان وفقا للقوانين والدستور. وأعلن هذا الأخير أنه سوف يحدد يوم الاربعاء 14 نيسان / ابريل الجاري موعد الانتخابات الرئاسية. وأنها سوف تجري وفق القانون خلال شهرين من تحديد الموعد. الشعب البولندي يمارس الديمقراطية بشكل جميل وصحيح ، فعلى العرب أن يستفيدوا من تلك التجربة ، لأن بولندا عاشت طوال سنواتها بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية وفي ظل أنظمة حكم قمعية .. لكنها خلال العشرون  سنة الأخيرة تعلمت واستفادت واصبحت بلداً ديمقراطياً يمكننا نحن العرب بالذات أن نغار منه. لكن الأفضل لنا أن نتعلم منه ونستفيد من تجربته.

 * نشرت في صحيفة القدس العربي بصفحة مدارات عدد الأربعاء 14/04/2010

* مدير موقع الصفصاف

www.safsaf.org

على الرابط أدناه تجدون صورة طائرة الرئيس لحظة عودتها من مطار العريش وعلى متنها الأطفال الفلسطينيين من غزة

www.safsaf.org/06-09/nidal/mn.htm

 مقالات سابقة

لنتعلم من بولندا

ألازلت تذكر قصيدة " الشهيد "؟

باريس على خطى فيينا

أرشيف مقالات مدير موقع الصفصاف