2007-04-08

كوفي أنان رجل سلام في عالم حرب

تأليف: ستانلي مايسلر  - عرض وترجمة: عمر عدس

الخليج الإماراتية

 (2/1) الحلقة الأولى

 

مؤلف كتاب “كوفي أنان: رجل سلام في عالم حرب” هو ستانلي مايسلر، المراسل السابق لصحيفة لوس انجلوس تايمز للشؤون الخارجية والدبلوماسية، وهو مؤلف كتاب “الأمم المتحدة: السنوات الخمسون الأولى”.وقد عرف أنان على مدى سنوات طويلة، حيث تولى تغطية أخباره منذ غدا شخصية عامة.والكتاب يتتبع سيرة حياة كوفي أنان منذ كان طالباً في كلية ماكالستر، في ولاية منيسوتا، الى أن انتهت فترته الثانية كأمين عام لهيئة الأمم المتحدة.وقد اعتمد المؤلف في اعداد كتابه على المقابلات الشخصية مع أنان، وعدد كبير من اصدقائه وزملائه في المنظمة الدولية، والدبلوماسيين والزعماء في العالم. والكتاب صادر عن دار “وايلي للنشر”.في يناير/ كانون الثاني ،1998 أعلن العراق انه لن يسمح لمفتشي الاسلحة التابعين للأمم المتحدة بتفتيش القصور الرئاسية، فهددت الولايات المتحدة بقصف العراق، وفي 20 فبراير من ذلك العام، وصل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان بغداد لمناقشة قضايا التفتيش عن الاسلحة مع صدام حسين، وبعد اللقاء مع صدام، وقع أنان اتفاقية مع طارق عزيز تسمح بإجراء عمليات التفتيش، فصرفت الولايات المتحدة النظر عن قصف العراق، ولكن الاتفاقية التي أبرمها أنان مع العراق انهارت في شهر اكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام، حيث أعلن العراق انه لن يسمح بعد ذلك باجراء أي عمليات تفتيش، من قبل مفتشي الأمم المتحدة.. وفي السادس عشر من شهر ديسمبر/ كانون الأول، قامت الطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية بقصف المنشآت العسكرية العراقية.

 

أنان لم يفوت أي فرصة لحضور كل حفل تذكاري يهودي

 

وبعد أن اعتبرت مهمة أنان تلك في العراق فاشلة، اتجه الساسة، وخاصة في الولايات المتحدة الى التقليل من أهمية الأمم المتحدة، وكانت الأمم المتحدة، على مدى معظم تسعينات القرن الماضي، طرفاً مؤثراً في القضايا والأزمات الرئيسية في تلك الحقبة، مثل الصراع في العراق، والصومال والبوسنة ورواندا، ولكن، مع اقتراب الألفية الجديدة، وجدت الأمم المتحدة نفسها على هامش الأحداث، فقد نحّت وزيرة الخارجية الأمريكية، مادلين أولبرايت كلا من الأمين العام للأمم المتحدة، ومجلس الأمن جانباً أثناء أزمة كوسوفو.يقول مؤلف الكتاب انه مع فقدان صورة الأمم المتحدة تألقها، كانت مكانة أمينها العام تتنامى باضطراد، وكانت تلك ظاهرة غريبة يصعب تفسيرها، ولكن كوفي أنان، صقل سمعته باعتباره رجل دولة ذا قوة اخلاقية خلال سنواته القليلة في ادارة المنظمة الدولية، بحيث طغى ذلك على سمعة المنظمة ذاتها.وقد ابدى التزامه في الشهرين الاخيرين من سنة 1999 بأن يحول الأمم المتحدة الى منظمة منفتحة. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني، نشر تقريره الخاص بسقوط سريبرينيتشا والمذبحة المروعة التي حدثت هناك خلال حرب البوسنة، وبعد ذلك بشهر أقرّ تقريراً عن عمليات القتل في رواندا، نشرته لجنة كان قد عينها من قبل، وكانت اللجنة تضم رئيس الوزراء السويدي السابق، انجفار كارلسون، ووزير الخارجية الكوري الجنوبي السابق هان سونج جو، والفريق النيجيري المتقاعد روفوس كوبولاتي.

 

وكان كلا التقريرين وثيقتين متميزتين لمنظمة كثيراً ما تفاخر بسريتها، ويعتقد دبلوماسيوها بأن الدبلوماسية تحتاج الى الظلام، لكي تنتعش وتزدهر، وكان التقريران حافلين بالبرقيات السرية، والمداولات خلف الأبواب المغلقة، والرسائل الهاتفية، وغير ذلك من الأسرار. كما أنحى التقريران باللائمة على الموظفين المدنيين في الأمانة العامة للأمم المتحدة، وعلى الحكومات التي تهيمن على مجلس الأمن، وكان كوفي أنان، بكتابته احد التقريرين، وتبنيه التقرير الثاني، يحاول فتح عهد جديد من شفافية الأمم المتحدة.

 

ثماني عشرة مهمة

 

انصب اهتمام أنان على تطوير عمليات حفظ السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة، فعندما بدأ سنته الأخيرة ،2006 كأمين عام للأمم المتحدة، كانت أعداد الجنود وأفراد الشرطة في عمليات حفظ السلام قد ارتفعت الى 70 ألفاً، أي تكاد تعادل الارقام القياسية التي بلغتها في أوائل تسعينات القرن الماضي، وكانت هنالك ثماني عشرة مهمة حفظ سلام.ويستدرك المؤلف هنا، مذكراً بأن النمو في عمليات حفظ السلام، كان مصحوبا بتفجر الفضائح الجنسية، واتهام ذوي القبعات الزرقاء بالاغتصاب، ومعاشرة طفلات قاصرات لم تتجاوز أعمار بعضهن الثانية عشرة، ومزاولة الرذيلة مع مومسات، وكانت الفضائح في الكونجو وغيرها، دليلاً على ضعف التأهيل الاخلاقي بين جنود الأمم المتحدة.ويتابع المؤلف قائلا: أن أنان قد حاول تغيير صورة الأمم المتحدة بطريقة شخصية أخرى، حيث سمح لنفسه بأن يصبح من مشاهير مدينة نيويورك، وكان الشائع عن سلفه بطرس غالي انهماكه الشديد في العمل، وندرة مشاركته في حياة نيويورك الليلية، ولكن كوفي أنان وزوجته ناني اعتادا  تلبية الدعوات الى الحفلات والمآدب ربما ثلاث مرات في الأسبوع  على الأقل حين يكون في المدينة. وقد وصف الرئيس السابق لمتحف متروبوليتان للفنون، كوفي أنان بأنه “النجم الاجتماعي الحالي في مجتمع نيويورك. وقال الأمين العام انه كان يلبي الدعوات لأن المدينة كانت تنبض بالحياة الى درجة أنك واجد في كل موضوع شخصاً تناقشه معه وتحصل منه على معلومات”. ولكن كوفي وناني كانا يعتذران عن تلبية الدعوات في عطل نهاية الأسبوع، حيث كانا يخصصان ذلك الوقت لجولات المشي الطويلة معا، والخروج لمشاهدة المسرح والسينما أو العروض الموسيقية.ويذكر المؤلف تصريحات لأشخاص ومسؤولين امريكيين، كانت تسهم في تلميع صورة أنان، فينقل عن أحد السفراء الأمريكيين في المنظمة الدولية، قوله ان كوفي أنان هو أحد أمهر الكائنات السياسية في العالم.. فقدرته على المناورة لا تُحدّ. وهو يجعلك دائماً تغادر اجتماعك به وأنت تعتقد بأنك قد حققت مبتغاك.كما وصف ريتشارد هولبروك، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في عهد كلينتون، أنان بأنه أفضل امين عام في تاريخ الأمم المتحدة.

 

وقد عكر فوز الجمهوريين المثير للجدل في انتخابات سنة ،2000 صفو العلاقات بين واشنطن وأنان. وصحيح ان تلك العلاقات لم تكن كالسمن والعسل في عهد الادارة الديمقراطية، حيث استغل كلينتون ومعاونوه الأمم المتحدة، وجعلوها كبش فداء في الجدل الذي دار حول الصومال، وفي العجز في البوسنة... كما ان وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت عاملت أنان بازدراء أثناء أزمة كوسوفو، وأوضحت انها كانت تعتبره غضاً جداً للتفاوض مع “الأولاد الكبار”. ولكن أولبرايت وغيرها من الموظفين في ادارة كلينتون كانوا يؤمنون بالأمم المتحدة ويريدونها ان تعمل  على الأقل بطريقة تساعدهم. ولكن الرئيس الأمريكي الجديد، جورج دبليو بوش، كان محاطاً بعقائديين من المحافظين الجدد لا يؤمنون بالأمم المتحدة. وكانوا يعتبرونها انتقاصاً من السيادة الوطنية الأمريكية، ويعاملونها بازدراء.

 

غير انه عندما تولى بوش مهام منصبه في البيت الابيض، في يناير/كانون الثاني ،2001 كان وزير خارجيته هو كولن باول، الداعم للأمم المتحدة والذي يعرف أنان جيداً. كما رشح بوش جون نجروبونتي سفيراً لدى الأمم المتحدة. ولم يكن للأمين العام مشاكل مع اي من الرجلين، كما ساندت الولايات المتحدة أنان لاعادة انتخابه سنة 2001. ولم يواجه أنان اي معارضة هذه المرة. واحتج بعض السفراء الآسيويين بأنه بعد عشر سنوات من رئاسة الأمم المتحدة من قبل أفارقة، فإنه قد حان دور الآسيويين لتولي تلك المهمة. ولكن ايا من المرشحين الآسيويين لم يتقدم لشغل المنصب، وقرر الآسيويون ان بإمكانهم الانتظار حتى سنة 2007. وكانت شعبية أنان عظيمة بحيث ان القرار بالإجماع، الذي اتخذه مجلس الأمن بمكافأته بولاية ثانية، جاء قبل انتهاء فترته الاولى بستة أشهر.

 

خطاب الإرهاب

 

يصف المؤلف الانسجام التام بين كوفي أنان والولايات المتحدة، في الفترة التي رافقت أحداث 11 سبتمبر/أيلول ،2001 حيث سارع الى مكتبه في مبنى الأمانة العامة في صباح ذلك اليوم، وعكف مع معاونيه على صياغة بيان يدين تلك الاحداث. وظل على مدى الشهور القليلة اللاحقة وهو يتحرك على وقع خطى الولايات المتحدة.وقد قال في تصريح في ذلك اليوم: “ما من شك في ان هذه الهجمات، أعمال ارهاب مدروسة، ومخططة ومنسقة بعناية فائقة  ولذلك فأنا أدينها على نحو مطلق. ويجب محاربة الارهاب بعزم وثبات كلما ظهر”. وفي عصر اليوم التالي، قال في اجتماع طارئ لمجلس الأمن “ان اي هجوم ارهابي على أي دولة من الدول، هو هجوم على البشرية جمعاء. ويجب على جميع الدول العمل معاً على تحديد هوية الجناة وتقديمهم للعدالة”.ورداً على ذلك، أصدر مجلس الأمن قراراً يدين الهجمات على نحو جازم، وتعهد بأن يكون على أهبة الاستعداد لاتخاذ جميع الخطوات اللازمة على الهجمات الارهابية.. ومحاربة جميع أشكال الإرهاب”. وخلافاً لما جرت عليه العادة، نهض السفراء الخمسة عشر في مجلس الأمن واقفين في أماكنهم وهم يصوتون لصالح القرار.وأهم ما في الأمر، كما يقول مؤلف الكتاب، ان أنان صادق على الموقف الأمريكي، الذي يقول ان الولايات المتحدة تستطيع بموجب ميثاق الأمم المتحدة ان تضع موضع التنفيذ “حقها الأصيل في ... الدفاع عن النفس” من أجل مطاردة اسامة بن لادن والارهابيين التابعين له في حركة القاعدة، وان تُسقط حكومة طالبان التي تحميهم في افغانستان. والدفاع عن النفس لا يتطلب موافقة من مجلس الأمن. فما على الولايات المتحدة، عندما تتعرض لهجوم، إلا ان تبلغ مجلس الأمن، بموجب الميثاق، انها ستستخدم حقها. وعندما بدأت الولايات المتحدة دك افغانستان بالقنابل، لم يعترض أنان على حقها في ذلك، ولكنه دعا الى زيادة في مساعدة المدنيين الأفغان، “الذين لا يمكن اعتبارهم مسؤولين عن اعمال نظام طالبان”.وفي 24 سبتمبر/ايلول خاطب الأمين العام الجمعية العمومية، وقد لفت الخطاب الأنظار، لأنه اختار الإرهاب موضوعاً له، فقال: “قبل ثلاثة عشر يوما  وفي يوم لا يتوقع لأحد منا ان ينساه  تم دك بلدنا المضيف، ومدينتنا المضيفة الحبيبة، بضربة مدروسة، بالغة القسوة، خالية من الرحمة، وخبيثة ومدمرة، الى درجة لا نزال نحاول معها ادراك مدى فداحتها. وفي حقيقة الأمر، لم تكن تلك ضربة موجهة ضد بلد واحد أو مدينة واحدة، بل هي ضدنا كلنا”. وقال ان الارهابيين قد سددوا ضربتهم نحو كل ما تمثله الأمم المتحدة: “وهو السلام، الحرية، التسامح، حقوق الانسان، وكل فكرة تعبر عن وحدة الأسرة البشرية”.

 

وأكد الأمين العام على ان الارهاب، لا يمكن التغلب عليه إلا اذا اتحدت دول العالم لمحاربته. وقال: “ان هذه المنظمة هي المنتدى الطبيعي الذي يُبنى فيه مثل هذا التحالف العالمي  وهو وحده القادر على منح الشرعية للكفاح الطويل ضد الارهاب”.ومضى إلى ما هو أبعد من تكاتف الدول، فقال: يجب على “كل القوى الاجتماعية  الدول، والقطاع الخاص، ومؤسسات التعليم والأبحاث، والمجتمع المدني بكل اشكاله.. ان توحد جهودها في سبيل تحقيق الاهداف التي يمكن تحقيقها، ويجب عليها ان تفعل ذلك تحت قيادة الأمم المتحدة.. ويجب على الأمم المتحدة ان تصغي الى كل هؤلاء الشركاء على اختلافهم، ويجب عليها ان ترشدهم، وان تحثهم على الاستمرار”.ويقول مؤلف الكتاب، ان خطاب الارهاب، كان واحداً في سلسلة من الخطابات التي ألقاها الأمين العام حول القضايا الدولية المهمة، مثل التدخل، وحقوق الانسان، والايدز، والتنمية، ونزع السلاح، والبيئة، خلال الفترتين اللتين قضاهما أميناً عاماً للأمم المتحدة. وكان الذي يكتبها له هو ادوارد مورتايمر، مدير الاتصالات في الأمم المتحدة، وكاتب العمود السابق في الشؤون الخارجية في صحيفة فايننشيال تايمز في لندن.ويعلق المؤلف على محتوى خطابات أنان، فيقول ان صراحة الافكار فيها كانت تبهج المعجبين بها. ولكنها كانت تقلق بعض المنتقدين. ويذكر ان الأكاديمي الدارس لشؤون الأمم المتحدة، ادوارد لاك، مدير مركز التنظيم الدولي في جامعة كولومبيا، يمتدح أنان على مناقشة الموضوعات الرئيسية “بطريقة جادة ورزينة”، ولكنه يعيب على الأمين العام تقاعسه عن متابعة هذه الافكار وربطها بعمل الأمم المتحدة. وفي موضوع الارهاب على سبيل المثال، يؤكد لاك ان انان ادلى “بتصريحات شجاعة، صريحة، وحكيمة على مدى شهر أو نحوه” ولكنه توقف عن دفع القضية. ويصف لاك الخطب بأنها “هبات من الطموح المؤقت” تفتقر الى “الحلول المدروسة جيدا” للمشاكل المطروحة.

 

ويعقب المؤلف على ذلك بالقول، إن هنالك الكثير من الجدارة في تحليل لاك. لأن كوفي أنان ليس مثقفا يجد متعة في مقارعة الفكر الاكاديمي. ومع ذلك، فإن من الواضح ان أنان كان يعتبر سلسلة خطاباته نواقيس انذار، لا محاولات لاقتراح حلول عملية لمشاكل عملية، وكان يدرك مدى صعوبة تحويل الأمم المتحدة. ففي حديث عن الارهاب في مؤتمر صحافي عقد في اوسلو في ديسمبر/كانون الاول، اوضح ان دعوته لاستخدام الأمم المتحدة بوتقة للتعاون الدولي، ليست مقترحة لتكون طريقة لوقف الارهاب على الفور. بل هو يتصور محاربة للارهاب على مدى زمني اطول بكثير، حيث قال “اعتقد ان الامم المتحدة ترسي أسس الصراع الطويل ضد الارهاب”. وكان بذلك يقرع ناقوس الانذار، وينبه الى الحاجة الى التعاون الدولي لمكافحة الارهاب، وبصورة مستمرة.

 

جائزة نوبل وكنيس أوسلو

 

كانت الشائعات تدور منذ أوائل شهر اكتوبر/تشرين الاول ،2001 بأن لجنة جائزة نوبل في اوسلو تفكر جديا بكوفي أنان كأحد مرشحيها الرئيسيين لجائزة نوبل للسلام.

 

وفي يوم الجمعة 12 اكتوبر/تشرين الاول، اعلنت اللجنة ان الجائزة قد منحت لكل من الأمم المتحدة وأمينها العام. وقالت اللجنة مستشهدة بقول أنان، “انه قد أوضح ان السيادة لا يمكن ان تكون درعا تخفي الدول الأعضاء انتهاكاتها خلفها”.يتطرق الكاتب الى توصيف نظرة “اسرائيل” واليهود لكوفي أنان. يصف زيارته التي قام بها في 8 ديسمبر/كانون الاول سنة 2001 الى مدينة اوسلو، عاصمة النرويج، ليقضي فيها اربعة ايام من المهرجانات، والاحتفالات، وتأدية بعض المهام للأمم المتحدة، ومن بين ذلك المشاركة في مسيرة للمشاعل، وحفل عشاء في ضيافة الملك هارالد، ملك النرويج، وتسلم جائزة نوبل في مقر الحكومة في اوسلو، وحفلة راقصة، يفتتحها كوفي أنان وقرينته ناني بالرقص منفردين، وحفل موسيقي، ومؤتمر للمتبرعين لتيمور الشرقية. وفي ذلك اليوم، قال كوفي أنان اثناء مؤتمر صحافي “يكاد يكون من المنافي للاحتشام، ان أتسلم جائزة للسلام، بينما تحرم من السلام والأمن جماهير غفيرة في قارتي الافريقية وفي الشرق الأوسط”. ولكنه مضى قائلا: واني اعتقد ان ذلك يمثل خير تمثيل العالم الذي نعيش فيه. فالخير والشر، لسوء الحظ، يعيشان جنبا الى جنب. وستكون الصراعات معنا هنا. ولكن المهم ألا نفقد الأمل، وان نملك الشجاعة للاستمرار في العمل على انهاء الصراعات.

 

ويقول المؤلف ان أنان تصدر العناوين الرئيسية في الاخبار بتعليقه على الشائعات التي كانت تتحدث يومذاك عن نية ادارة بوش غزو العراق بسبب ارتباطه المفترض من دون اثبات بأحداث 11 سبتمبر/ ايلول الارهابية. فقد قال أنان “ان أي محاولة أو قرار يتخذ لمهاجمة العراق اليوم سيكون مجانبا للحكمة، وانه.. يمكن ان يؤدي الى تصعيد كبير في المنطقة.. واني آمل ألا يكون الوضع على تلك الشاكلة.. ان أي مسعى للقيام بعمل عسكري في اماكن أخرى من العالم “غير افغانستان” سيكون شيئا على مجلس الأمن ان يضطلع به. ولم يصدر المجلس تفويضا للقيام بأي من مثل هذه الأعمال”.

 

ويصف الكاتب زيارة لكوفي أنان، لكنيس يهودي في أوسلو خلال تلك المناسبة، يقول ان أنان، وعلى رأسه طاقية يهودية مزخرفة، انضم مع قرينته ناني، الى وزير خارجية النرويج يان بترسون وقرينته في كنيس أوسلو في احتفال لإضاءة الشمعة الاولى في عيد التدشين أو عيد الشموع اليهودي. وكان حاضرا ذلك الاحتفال، عائلات ثلاثة جنود “اسرائيليين” ورجل أعمال “اسرائيلي”، وكان قد اختطفهم (...) رجال حزب الله على الحدود اللبنانية “الاسرائيلية”. والقى والد احد الجنود كلمة غاضبة، وطالب بأن تضغط الأمم المتحدة على حزب الله لكي يعيد الجنود  “الاسرائيليين”، أو يعيد رفاتهم، اذا كانوا ميتين، وهذا هو ما يظنه.وبعد الاحتفال، التقى أنان مع العائلات، لكي يطمئنها على انه سيفعل كل ما بوسعه للمساعدة. ويبدو ان اسلوبه الذي تشيع فيه نبرة الاخلاص، وكلماته المطمئنة، نجحت في نزع فتيل غضب تلك العائلات، كما يقول المؤلف. وفي نهاية الأمر شكرته العائلات على ما يبدو من مساعدة، وأمطرته بوابل من عبارات التهنئة بفوزه بجائزة نوبل.ويضيف المؤلف ان زيارة أنان للكنيس اليهودي تعكس واحدة من أهم المشاكل المربكة التي واجهها اثناء ادارته. فقد كان العديد من “الاسرائيليين” واليهود الامريكيين يعتبرونه مناهضا ل “اسرائيل” بسبب سياسات الأمم المتحدة. وكانوا مستائين مما يعتبرونه ولعاً لدى الأمم المتحدة بأن تلعب دور المراقب المحايد حتى حين يقتل الفلسطينيون مدنيين “اسرائيليين”، كما يقول المؤلف. وكانوا لا يزالون يشعرون بالضغينة بسبب قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة سنة ،1975 الذي ساوت فيه الصهيونية بالعنصرية. وعلى الرغم من ان هذا القرار قد الغي رسميا في ديسمبر/كانون الأول سنة ،1991 إلا ان المنتقدين أشاروا الى مناسبات عديدة اخرى، زعموا ان دول افريقيا والشرق الأوسط تواطأت ضد “اسرائيل”.

 

كوفي أنان رجل سلام في عالم حرب ... (2/2) الحلقة الثانية

“إسرائيل” عززت مكانتها في الأمم المتحدة بوجود أنان

يتابع المؤلف قائلاً، ان “اسرائيل” عززت مكانتها في الأمم المتحدة خلال عهد أنان. فقد ظلت الدول العربية على مدى عقود من الزمن، تحول بين “اسرائيل” وبين مجلس الأمن، وغيره من هيئات الأمم المتحدة، برفض عضويتها في التصنيف الاقليمي لتلك الدول. ولكن “اسرائيل” أصبحت عضواً في مجموعة “الدول الغربية الأوروبية وغيرها”، مثل الولايات المتحدة واستراليا، سنة ،2000 ووضعت نفسها على مسار احتمال انضمامها لعضوية مجلس الأمن في المستقبل. وفي سنة ،2004 نظم كوفي أنان ندوة حول معاداة السامية، واعترف بأن “سجل الأمم المتحدة بشأن معاداة السامية يقصّر في بعض الأحيان عن بلوغ ما نصبوا إليه من مُثل”. وقد أحيت الأمم المتحدة ذكرى الهولوكوست في 27 يناير/كانون الثاني ،2006 في ذكرى تحرير اوشفتز من قبل قوات الحلفاء اثناء الحرب العالمية الثانية. ولم يتردد كوفي أنان، الذي قال ان هذا الاحتفال، سوف يتحول الى مناسبة سنوية لدى هيئة الأمم المتحدة، في تفنيد انكار الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد لحدوث الهولوكوست. وقد قال أنان في خطاب مسجل على شريط فيديو أذيع في الجمعية العمومية للأمم المتحدة “ان انكار حدوث الهولوكوست هو فعل المتعصبين.. ويجب علينا ان نرفض ادعاءاتهم الزائفة، كلما رددوها، واينما فعلوا ذلك، كائنين من كانوا”.

ويضيف المؤلف، ان انتقاد اليهود لكوفي أنان استمر رغم كل ذلك، ففي فيلم سينمائي وثائقي، أنتج سنة 2005 بعنوان: “وعود منكوث بها: الأمم المتحدة في الستين”، والذي تولى السرد فيه، الممثل رون سيلفر، وُصفت معاملة الأمم المتحدة ل “إسرائيل” بأنها أحد أهم الوعود التي نكثت بها تلك المنظمة. غير ان أياً من الأمناء العامين للأمم المتحدة، كما يقول المؤلف، لم يبذل ما بذله كوفي أنان من جهود كبيرة، في  سبيل سبر غور أهوال المحرقة اليهودية. وكان أنان، الواعي تماماً لعلاقة قرينته ناني براؤول والنبيرج، كما يقول مؤلف الكتاب، لا يفوت اي فرصة لحضور كل حفل تذكاري يهودي يدعى اليه برفقة قرينته. وراؤول والنبيرج، هو خال زوجته ناني، التي يروي لنا المؤلف حكاية زواجه بها في مكان آخر من الكتاب.يقول مؤلف الكتاب، في سنة ،1980 عندما كان أنان في الثانية والأربعين من العمر، تم تعيينه رئيساً لموظفي مكتب المفوضية العليا للاجئين التابع للأمم المتحدة، في جنيف. وكان المفوض الأعلى يومئذ بول هارتينج، وهو رئيس وزراء سابق للدنمارك.. ولكن تيتي، زوجة أنان الاولى لم تذهب معه الى جنيف، لأنهما كانا قد انفصل أحدهما عن الآخر. ورافقت ابنتهما (آما)، ذات الأحد عشر عاماً، والدتها الى لندن، بينما بقي ابنهما “كوجو” ذو السبعة أعوام، مع والده في جنيف. وكانت الخطة ان أنان سوف يرعى طفله الى ان يصبح قادراً على الالتحاق بمدرسة داخلية بريطانية.

ويمضي المؤلف في سرد قصة زواج أنان الثاني، فيقول: انه كان أباً مجداً في العناية بابنه. فكان يستأذن من عمله عصر كل يوم ليأخذ كوجو من المدرسة الانجليزية الفرنسية التي يدرس فيها، والتي تبعد عن جنيف مسافة نصف ساعة بالسيارة. قال لكوجو ذات مرة انه لن يتمكن من حضور اجتماع أولياء الأمور في المدرسة، فغضب الطفل وقال محتجاً: “ان كل الامهات الأخريات سيحضرن، فكيف لن تحضُر؟”.

في سنة ،1981 التقى أنان مع ناني لاجيرجرين في حفل اقامه أحد الاصدقاء في جنيف. وكانت ناني محامية سويدية، وتعمل لدى مكتب المفوض الأعلى للاجئين كذلك. ولم تستطع صرف انتباهها عن أنان في ذلك الحفل وقد وصفت رؤيتها له للمرة الاولى في تلك الليلة بأنها تشبه الصاعقة. فقد كان “فاتناً ومغرياً.. وله حضور طاغٍ”. وقد راق لتلك السويدية الشقراء النحيفة الفارعة الطول.

وكانت ناني أيضاً أُماً مطلقة في السابعة والثلاثين، ترعى ابنة في العاشرة من العمر، اسمها نينا. وكان والد ناني، وهو جونار لاجيرجرين، رجل قانون سويدياً ضليعاً، كان قد ساعد على تسوية النزاع الحدودي بين الهند وباكستان. وكانت والدتها، نينا فون دارديل، الأخت غير الشقيقة لراؤول والنبيرج، وهو الدبلوماسي السويدي الذي أنقذ حياة عشرات الألوف من يهود هنجاريا في الحرب العالمية الثانية، ثم قُتل على أيدي عملاء الاتحاد السوفييتي، كما يقول مؤلف الكتاب. ولم تلتق ناني مع خالها والنبيرج، ولكنه في آخر رسالة بعث بها الى أمها بعيد مولد ناني، كتب يقول: “قبّلي لي الحلوة الصغيرة”.

وقد قالت ناني لوكالة انباء “رويترز” سنة ،1997 ان والنبيرج، كان “بين الفقد بالنسبة اليها، كما ان طيفه لم يكن يغادر مخيلتها”.

... وهكذا، لم يكن أنان غريباً تماماً عن اليهود وعن “اسرائيل”.. ولذلك، لم يكن من قبيل المصادفة، كما يقول المؤلف، ان أنان، كان رجل الدولة الاجنبي الوحيد، الذي دُعي للتحدث في افتتاح الجناح الجديد في متحف “ياد فَشيم”، لتخليد ذكرى المحرقة اليهودية وضحاياها في القدس.

وقد قال أنان، ضمن شريط وثائقي سنة ،2002 “لقد حاولت الدفع من أجل التوصل الى حل سلمي في الشرق الأوسط. وحاولت ان أكون عادلاً جداً، بالاحتجاج والحديث علناً كلما كان هنالك خطأ ما، بصرف النظر عن هوية مرتكبه، واعتقد اننا جميعا يمكن ان نتفق على ان أياً من الطرفين، ليست يداه نظيفتين تماما. وبطبيعة الحال، عندما يقول المرء ذلك، يجلب لنفسه المتاعب”.

ويقول المؤلف، ان أنان كان اقل تذرعاً بالصبر اثناء لقاء أجراه معه في تلك الفترة، إزاء الانتقاد الموجه اليه.

وأشار الى انه، باعتباره أميناً عاماً للأمم المتحدة، يتحمل مسؤولية الاحتجاج من أجل الفلسطينيين، وللوفاء بالالتزامات بموجب قرارات مجلس الأمن. ومضى يقول: انه على الرغم من ذلك، “ذهبت الى عقر دار الجامعة العربية، وأدنت التفجيرات الانتحارية. لقد قلت، وأنا اتفهم، ان ل “اسرائيل” الحق في الدفاع عن نفسها. ولكن هنالك مسألة التناسب. اني لأعرب عن دعم “اسرائيل” مائة مرة، فإذا انتقدتها مرة واحدة، هاجمتني “اسرائيل” والمنظمات اليهودية الأمريكية”.

ألقى أنان محاضرة جائزة نوبل في دار الحكومة بمدينة اوسلو، عصر يوم الاثنين، العاشر من ديسمبر/كانون الأول سنة 2001. وقد استهلها بوصف تدمير مركز التجارة العالمي بأنه بوابة للجحيم، ومما قاله فيها: “عندما تقوض الدول حكم القانون وتنتهك حقوق مواطنيها، تصبح خطرا لا على شعوبها وحسب، بل على جيرانها ايضا، وعلى العالم بطبيعة الحال”.

وبحضور ملك النرويج، هارالد الخامس، ودزينتين من الحائزين السابقين على جائزة نوبل، تسلم الأمين العام “السابق” للأمم المتحدة، كوفي أنان جائزة نوبل للسلام، يوم 19 ديسمبر/كانون الاول سنة 2001 في دار الحكومة بمدينة أوسلو. ولم يكن ثمة شك في مكانة أنان يومئذ. فكان يسير شامخ القامة