عندما وطأت قدماه تلك البقعة من الأرض

 

إهداء إلى رشاد ابوشاور

 

بقلم نضال حمد

 صورة بعد 25 سنة واثناء زيارة بيروت قبل أيام قليلة

 

بيروت – عين الحلوة- 15 مايو - أيار 2007

 

عندما وطأت قدماه تلك البقعة من الأرض شعر باهتزازها تحته وبتبدل الجو وتغير المناخ. صار قلبه النابض يقفز وينط مثل طير مكسور الجناح، وكاد يقفز خارج صدره راقصاً مذبوحاً من الذكريات. لم يصدق انه سيعود بعد ربع قرن من الغياب والانكسار إلى المكان الذي كان مرشحاً أن يكون قبره.وصل إلى هناك بعدما قطع آلاف الأميال.لم يكن وحده في مشواره التاريخي، رافقه في تلك الرحلة بعض الأصدقاء، الذين عرفوا المدينة كما عرفها هو في سنوات الشموخ والتعالي فوق الشروخ. لم يخطر بباله زيارة حي الفاكهاني. لكنه حبذ الفكرة عندما سمع اقتراحاً من أحد رفاقه يدعو فيه الجميع للخروج في نزهة يمكنهم خلالها زيارة المناطق التي حاربوا لأجل حمايتها قبل سنوات طويلة.

 

وقف وسام أمام مرآة كبيرة في بهو الفندق، أمعن النظر في بؤبؤ عينه فرأى أشياء لا ترى كل يوم، واستحضر شريط حياته مستعرضا إياه في ثواني. بدء من حيث أصيب في الحرب ولم ينته في زيارته التاريخية إلى تونس الخضراء، حيث قرأ الفاتحة على قبر الشابي في توزر، وحيث استراح من عناء الرحلة الطويلة في فندق المأمون بمدينة قفصة. تونس هي قرطاج  وبيروت ترتبط بقرطاج منذ القدم. سأله احدهم عن سر زيارته لتونس. لم يجبه. ولم يقل له انه كان يبحث عن إرادة الحياة على قبر الشاعر التوزري. ولا أنه كان يبحث عن صمت من رحلوا. حيث انه عاد قبور بعض الأصدقاء الذين حاربوا معه ومع رفاقه الأحياء. هؤلاء الزملاء الذين غابوا كشمس السماء في يوم خريفي أمطرت خلاله سماء قرطاج كتلا من اللهب. تذكر صورة فيصل وهو يصلي لله تعالى بكل خشوع وكبرياء في حمام الأنف. ترحم على رفيقه الراحل، الحي تحت تراب حمام الشط. وقبل ان يصعد إلى سيارة توجهت بهم إلى حي الفاكهاني حاول إخفاء دمعة سقطت على خده.

 

 

سارت بهم السيارة من شارع الحمراء باتجاه المنارة فالروشة وشارع المزرعة ومسجد حمال عبد الناصر، فجامعة بيروت العربية وكلية الهندسة. أمكنة عاش فيها حياة لا تتكرر.. قال أكبرهم سناً وكانت العتمة تسود المكان بفعل الظلام وانقطاع التيار الكهربائي. هل هذه هي البناية التي كنت اسكن فيها؟ كأنه وجه السؤال لوسام، الذي أجابه بهزة رأس كانت تعني الموافقة. مضيفاً بعض التوضيحات حول سكان الشارع في القرن الماضي. قال: هنا كان يسكن رفيقنا أبو طارق.. وهناك انفجرت في سنوات الظلام سيارة مفخخة فأوقعت عشرات القتلى والجرحى. كانوا بالقرب من كلية الهندسة حيث بضع بنايات سكنية لازالت على حالها. استعادت ذاكرته صورة دبابة الميركفاه الإسرائيلية التي حاولت التقدم باتجاه الفاكهاني ومخيم صبرا، حيث صدها مع رفاقه. في نفس المكان تقف الآن مجنزرة لجيش الدولة الذي يطلب منه ان يكون الحكم في مباراة طائفية ومذهبية صعبة يشهدها وطن الأرز. توقفت السيارة مقابل الموقع المذكور حيث أشار وسام إلى زاوية جدار وقال لرفاقه: هنا كنت وهنا أصبت وهناك كانت دبابة الميركفاه...

 

صورة بعد الإصابة وأثناء العلاج في بيروت

هنا تحت التراب يوجد دمي وتوجد ذكريات وأسماء وأشلاء لبشر كانوا يحبون الحياة لكنهم فضلوا الشهادة لأجل الحياة. وهناك غير بعيد في البنايات المقابلة كان ابن كنعان يصرخ كل يوم بكلامه البلدي حي على الكفاح حي على المقاومة.. فرحوا بست العواصم وسيدة المدن وهي تعيد الترحيب بهم. فدخلوا إلى ضاحيتها الجنوبية التي صمدت وعلت لتصبح اسماً سيحفظه التاريخ ويسجله بأحرف من ذهب. تجولوا في شوارعها فبدت آثار العدوان، وبدا العنفوان على الوجوه الباسمة، وبانت الهزيمة في آثار الهمجية العدوانية على الأبنية وفي الأماكن المدمرة. دخلوا إلى معرض الكتاب العربي الذي كان يعج بالزوار من كافة الأعمار. تجولوا في قاعاته واشتروا بعض الكتب الجديدة،ثم قفلوا عائدين إلى فندق في شارع الحمراء حيث كان بعض المتسلقين على جماجم الشهداء قبل ربع قرن يختارون الفرار من المعركة أثناء الحصار.

 

انتهت