العام التسعون لصمود ومقاومة شعب فلسطين
عوني فرسخ
في الخامس عشر من آيار / مايو 1948 انتهى الانتداب على فلسطين ، وفي الليلة السابقة
اعلن بن غوريون قيام اسرائيل ، وبعد احدى عشرة دقيقة اعترف بها الرئيس ترومان كأمر
واقع . وبهذا يكون الاستعمار البريطاني القديم قد سلم وريثه الامريكي الوديعة
الصهيونية ، باعتبارها رصيدا استراتيجيا لقوى الرأسمالية العالمية واداتها في تأصيل
واقع التجزئة والتخلف والتبعية العربي . كي يتواصل استغلال الوطن العربي موقعا
وموارد واسواقا وقدرات بشرية . وفي استعراض مسرحي متعمد يجري الاحتقال بالذكرى
الستين لاقامة اسرائيل بحضور الرئيس بوش واثنين وعشرين زعيما اوروبيا . في تظاهرة
غايتها رفع معنويات التجمع الاستيطاني الصهيوني . فضلا عن أن فيها رسالة واضحة
للقوى العربية الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا بأنها ليست في مواجهة اسرائيل
فقط وانما أيضا حماتها على جانبي الاطلسي .
والذي لا يفطن اليه الرئيس بوش واقطاب اوروبا في استعراضهم المسرحي للقوة ، أن
الشعب العربي الفلسطيني يبدأ عامه التسعين بصموده ومقاومته دون ان يفتر عزمه أو تهن
ارادته ، بل ويزداد رجاله ونساؤه اصرارا على مواصلة الكفاح لتحرير ترابه المحتل
واستعادة كامل حقوقه المشروعة . وذلك في وقت تتضح فيه بجلاء مؤشرات شيخوخة المشروع
الصهيوني ، وتزايد تساؤل مفكريه حول مستقبله ، في حين تتجلى مؤشرات تنامي الوعي لدى
شباب فلسطين وصباياها . وفي الاحتفال الذي شهدته كوبنهاجن في الاسبوع قبل الأخير
برهان ساطع . إذ احتشد عشرة آلاف فلسطيني من جنسيات أوروبية متعددة ليؤكدوا
التزامهم بحق العودة وتفاعلهم مع قوى الممانعة والمقاومة الفلسطينية في الوطن
المحتل والشتات . وعندما تعقد المقارنة بين هذا الحضور المبهر لفلسطينيي اوروبا .
وبين غياب ذكر زمرة كونبهاجن المطبعة ، تتضح صحة القول بأن الزمن إنما يسير في صالح
شعب الصمود التاريخي والمقاومة الاسطورية ، ليس فقط في مواجهة الصهاينة ، ولا
رعاتهم على جانبي الاطلسي فحسب ، وانما ايضا سلبيات الواقع العربي .
ويذكر انه في نيسان / ابريل 1918 جاء الى فلسطين حاييم وايزمان يصحبه الضابط اورسي
غور ، وزير المستعمرات البريطاني فيما بعد ، واقام له حاكم القدس العسكري الجنرال
سبيرز حفل استقبال حضره بعض اعيان القدس ، حيث القى كلمة مدعيا بان غاية الصهاينة
رفع مستوى عيش المواطنين العرب والأخذ بيدهم للتقدم . وكذلك فعل في لقائه أعيان
يافا الذي رتبه حاكمها العسكري . وفي القدس كما في يافا قيل له ان العرب عبر
تاريخهم يسالمون من يسالمهم ويعادون من يعاديهم ، والموقف من الحركة الصهيونية رهن
بسلوكيات الصهاينة وموقفهم من حقوق العرب أصحاب الارض الشرعيين . فما كان منه إلا
أن طالب بريطانيا استغلال علاقاتها العربية في التأثير على الحراك الوطني الفلسطيني
. ومنذ ذلك اليوم بات على القوى الفلسطينية الوطنية مواجهة التحالف الاستعماري –
الصهيوني و"أصدقائه " العرب ، وما للاطراف الثلاثة من عمق وسعة مداخلاتهم في ادق
شؤون الشعب العربي الفلسطيني .
ولا أدل على فعالية الصمود والممانعة في مواجهة التحالف الثلاثي من الوقوف مع ما
ورد في مذكرات حاييم وايزمان حيث يقول : وعدتنا بريطانيا ان تكون فلسطين سنة 1935
يهودية كما هي انجلترا انجليزية . وفي العام المذكور وبرغم كل الدعم البريطاني
للصهاينة والضغوط على الشعب العربي الفلسطيني لم تجاوز نسبة الصهاينة 28 % من
السكان ولا تعدت حيازتهم 4 % من مساحة فلسطين . فضلا عن أن نسبة ما باعه صغار
الملاك من عرب فلسطين لم تجاوز 9.25 % بما حازه الصهاينة سنة 1948 . فيما تذكر
الرواية الاسرائيلية الرسمية لحرب 1947 – 1948 انه حتى مطلع نيسان / ابريل كان زمام
المبادرة بيد قوات المقاومة بقيادة "الجهاد المقدس . ومعروفة هي الظروف الدولية
والاقليمية والرسمية العربية التي جعلت الحرب محسومة والنكبة محتومة سنة 1948 .
وكان مقدرا أن تكون النكبة قد أوهنت ارادة الشعب العربي الفلسطيني واسلست قياده ،
بحيث يخضع لاحكام الامر الواقع . وذلك ما يستدل عليه من كون اللاجئين الفلسطينيين
لم يدرجوا ضمن من تعنى بهم "لجنة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين " ، التي ترعى شؤون
اللاجئين لحين عودتهم لاوطانهم ، وانما شكلت لهم لجنة خاصة باسم "هيئة غوث وتشغيل
اللاجئين الفلسطينيين" (الاونروا) . مما يعني استبعاد فكرة العودة واعتماد فكرة
التوطين خارج الارض المحلتة . وتوالى عرض مشروعات الاسكان والتوطين الامر الذي اجمع
اللاجئون على رفضها برغم شظف العيش في مخيمات اللجوء واشكاليات الاقامة والسفر
والهويات . وبحيث تحطمت جميعها على الرغم مما انطوت عليه من اغراءات لجماعة جرى
تدمير مجتمعها وفرضت عليها اقسى الظروف .
ومن منطلق الايمان بأن الوحدة العربية طريق العودة انخرط شباب وصبايا فلسطين في
أحزاب المشرق العربي ومنظماته السياسية خلال سنوات ما بعد النكبة حتى صدموا بجريمة
الانفصال في 28 سبتمبر / أيلول 1961 والصراعات التي تفجرت في أوساط الحركة القومية
العربية ، فاتجهت العناصر الشابة نحو المنظمات الفدائية التي برزت في النصف الاول
من ستينات القرن الماضي ، وكانت المخيمات المعين الذي لا ينضب الذي رفد العمل
الفدائي بالنصيب الاكبر من عناصره باعتباره أداة التحرير والعودة .
ولقد تواترت في الشهور الاخيرة التسريبات عن لقاءات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية
بالتنازل عن حق العودة لقاء مسخ دولة في معازل الضفة والقطاع . غير أن ما لا يفطن
اليه المخططون بليل ، والذين ادمنوا تقديم التنازلات على مذبح تأمين مصالحهم
الذاتية ، أن ما لم تنجح بفرضه القوى الدولية والرسمية العربية السائرة في ركابها
عندما كان الشعب العربي الفلسطيني حطام مجتمع تكاد تتخطف لاجئيه الطير ، وتداعيات
النكبة فاعلة في النفوس المحبطة ، مستحيل تمريره في الزمن الراهن ، ليس فقط لأن
مفاعيل النكبة غدت وراء ظهر جيل الصمود التاريخي والمقاومة الاسطورية ، وانما ايضا
لان المقاومة غدت صاحبة المبادرة الاستراتيجية في التعاطي العربي مع التحالف
الاستعماري الصهيوني . فضلا عن أن مرحلة التغول الامريكي والعربدة الصهيونية في
الاقليم العربي في أفول متسارع . والشعب الذي قدم اروع آيات الصمود والمقاومة خلال
السنوات التسعين الماضية مؤهل لأن يمضي بالشوط الى آخره بحيث يحقق العودة والتحرير
ويطهر الارض العربية من دنس الاحتلال ، وفي فشل حصار الجوع والمحرقة الصهيونية
التأثير في ارادة الصامدين في قطاع غزة برهان ذلك .