ليلى الاطرش تحاكي الفن بالحياة
'نساء على المفارق' كتابة نادرة تجمع الحقائق ومشكلات المرأة المعيشية في عمل
أدبي فني ينبض بالدفء والتوتر.
ميدل ايست اونلاين
بيروت ـ من جورج جحا
قراءة كتاب "نساء على المفارق" لليلى الاطرش - وخاصة بعد ان تسمع من المؤلفة وصفه
في حديث هاتفي بانه عمل ليس قصصياً خيالياً - تشكل نوعاً من المفاجأة غير المتوقعة.
أما السبب فهو ان القارئ يتوقع من خلال وصف من هذا النوع عملاً يكون اجمالاً اقرب
الى البحث والتحليل او التوثيق اي يغلب عليه نوع من البرودة والهدوء.
لكنه بعد قراءة الكتاب يجد نفسه امام كتابة نادرة نوعا ما اذ تجمع بين الحقائق
التاريخية والجغرافية والاجتماعية والمشكلات الانسانية خاصة مشكلات المرأة وقد
تحولت الى عمل ادبي فني ينبض بالدفء والتوتر.
مرة اخرى يجد القارئ نفسه - كما في حالات قليلة مماثلة - يعود الى ما نسب الى
اوسكار وايلد من انه قلب نظرية ارسطو من ان الفن محاكاة للطبيعة او الحياة وتحويلها
الى ان الحياة تحاكي الفن.
وقد يكون عمل الروائية الاردنية الفلسطينية من الأعمال القليلة التي تقدم المعلومات
التاريخية والجغرافية الطبيعية والسياسية في شكل يكاد كثير من الاعمال الادبية
القصصية وحتى الشعرية يعجز عن الوصول الى ما يشبهه من تلك النسمة الشعورية الدافئة
والصور النافذة الى النفس والايقاع الموسيقي دون ان يؤدي ذلك الى اي شطط او غفلة عن
الحقائق او تلاعب بها.
وهناك قوة اضافية لعمل ليلى الاطرش هي ان كتابها قد يكون وسيلة من الوسائل الفضلى
للتعليم والتثقيف بسهولة فهي تقدم المعلومة ترافقها لذة ومتعة نادرتان.
وورد الكتاب في 192 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف للروسي فلاديمير كوش وصدر عن
المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
اما محتويات الكتاب فقد جاءت تحت سبعة عناوين.
شملت الموضوعات مناطق مختلفة من العالم..امكنة وبشراً وتاريخاً وسياسة وغيرها منها
مثلاً الولايات المتحدة والاردن ولبنان والمغرب.
وفي ما يشبه المقدمة وتحت عنوان "شكر" قالت ليلى الاطرش قولا تسبر فيه عمق النفس
الانسانية من خلال الغوص في نفسها هي ويتناول طبيعة العمل الفني "تحتفظ بما تعرف
وتعتقد ان تجاربك لك وحدك وانها لن تهم سواك حتى يطالبك بها غيرك.
وصوت يؤمن ان في ذاكرتك ما قد يختلف..يفجر فيك رغبة الاستعادة والبوح ويقنعك ان ما
في عمرك قد يعني آخرين.
و"يهتف بك صوت من لم تلتق..يحرضك ان تنبش ذاتك ويلح ان توقظ لحظات التصادم مع بشر
وامكنة حين فردت لك الحياة شراع الترحال والتماس فتصير شاعر ربابة على درب".
وفي العنوان الاول "الماسة السوداء" قصص مؤثرة دافئة تتناول المدن والناس وقضية
المرأة المظلومة في الشرق وما يشبهه من امكنة منها مثلاً الكاميرون في افريقيا.
ونقرأ الكاتبة تورد لنا المعلومات حية متحركة بحرارة تنبع من سمات ترافق اسلوبها
دائماً.
وتكلمنا عن مؤتمر ادبي دعيت اليه تتحدث قصصياً وشعرياً عن الناس والامكنة فتقول "التقيت
مريم عبد الدايم في مدينة الجسور بتسبرغ الاميركية خريف 2008. مدينة يقطع سكانها
الفاً وسبعمائة جسر اذا خرجوا منها و720 اذا تجولوا فيها. عينا مريم حجرا زفير
افريقي حملتهما موجتان الى شاطىء غريب...شعرها قلائد من مئات الجدائل الرفيعة
ضفرتها امها على شرفة تطل على المحيط الاطلسي...تحدد مئات من الجدائل الرفيعة وجه
شابة افريقية امتزجت فيه دقة ملامح اهل الشرق من القارة السمراء -الصومال واثيوبيا-
مع اللون الداكن للقبائل الزنجية في وسطها..".
وتتحدث عن وضع هذه الفتاة المسلمة الجميلة الراقية الخلوقة التي تعاني من صعوبة
التكيف اذا عادت الى بلدها الذي ازداد تزمتا بازدياد التطرف الديني.
وتصف بتسبرغ فتقول عنها "تأسست بتسبرغ عام 1758 وقتلوها في عصر الصناعة وحاولوا
انقاذها في عام 1972".
وتقول "يشهق زائر بتسبرغ حين يتوقف القطار عند القمة ويدرك لماذا خر السكان
الاصليون سجودا لقدرة الخلق يوم تكحلت عيونهم بما رأوه اول مرة تمثلوا "الروح
العظيمة" تختار المكان الاجمل في طبيعتهم البكر لتسكنه...امتهن الباحثون عن الثروة
هدوء المكان وجلال الصمت. بنوا مدينة بتسبرغ ثم جعلوها فاسقة بشهواتهم..قذرة
بافرازاتهم..فشاخت وتلوثت...
"ضجت المنطقة بهدير الاتهم واقتلعوا خضرة الجبال وغيروا تضاريسها ونبشوا ترابها
بحثا عن ثروة لا تنضب فهجرت الطيور اوكار الازل سرابا وارتخلت قطعان الجاموس البري
رمز القوة عند السكان الاصليين وانقرضت حيوانات نادرة استوطنت غاباتها قبل البشر
وما تبقى اسروه في حدائق. رحلة موازية مشاها السكان الاصليون كحيوانات ارضهم طريق
الدموع درب القهر والظلم سيق فيه من تبقى من قبائلهم الى محميات خاصة. كانوا يبكون
وطناً سليباً..".
وتنقل صوراً مؤثرة من قصيدة "طريق الدموع" القصيدة الاكثر شهرة في حياة الهنود
الحمر ومنها "انظر خلفي الى الطريق الطويل/ وقلبي مثقل باحزان شعبي/ ابكي دموع حزني/
على كل ما فقدنا/ اذ نجر من الارض التي ولدنا فيها/ الى طريق الدموع..".
وتختم ليلى الاطرش كتابها الممتع بموضوع ذي شكل قصصي بعنوان "قتيلة الشرف..لا اسم
ولا عنوان" وفيها تتناول بين امور مختلفة تتناولها "جريمة الشرف" حيث تقتل المرأة
غسلاً للعار وكثيرا ما تكون بريئة من تهمة المس بالشرف.
وللقاتل هنا امام المحاكم اسباب "تخفيفية" اما الناس فيبدو انه ليس ثمة من يهتم بل
كثير منهم يبارك العمل.
وتختم مستندة الى ذاكرتها عن قتل الاخ الاصغر القاصر شقيقته بتحريض من اهله وتصف
عدم اهتمام الناس بالقتيلة الملقاة على قارعة الطريق "اذكر قتيلة بيت لحم كلما قرأت
عن جرائم الشرف..تاييرها الازرق ينحسر عن ساق شديدة البياض تختلج ويهتز جسدها
بالموت في استسلام..تنزف دمها وروحها عند ابواب صدت دونها..يمشي فوق جثتها "طفل"
قتلها ويتركها سائق عابر رغم نبض الحياة فيها".