حسام الدين محمد
19/05/2009

لندن 'القدس العربي' في اليوم الذي تم فيه اغتيال الفنان الفلسطيني ناجي العلي كان
يحمل رسمين كاريكاتوريين استثنائيين لأنهما كانا يحدسان بالجريمة التي سيكون هو
ضحيتها في ذاك اليوم. يصور الرسم الأول شخصا يقول: 'ان قلت انا من جماعة عرفات بدهم
يقتلوني وان قلت انا مش من جماعة عرفات برضه بدهم يقتلوني... ممكن انفد بجلدي ان
انكرت اني فلسطيني... فشروا!!' اما الثانية فتظهر شخصا اصيب بطلق في صدره وقد كتب
عليه 'الحسن اخو الحسين'، في اشارة الى سبطي الرسول الذين قتلتهما السلطة الأموية،
وفي استعادة لمشهد القتل الذي زلزل الأمة الاسلامية منذ 14 قرنا وما زال احد اكثر
المشاهد ايلاما في تاريخها.
الناظر لأعمال ناجي والمحلل لها سيعلم ان معنى الفلسطينية عنده التي قتل من اجلها
هي ان يقف كحد السيف ضد كل ما يراه خطأ وظلما وبغيا وان يتحمل نتائج موقفه دون تردد،
ولذلك لم يكن غريبا ان يتنبأ بالمصير الذي ينتظره والحدث القادم: ان مقتله صار
قريبا.
لا توفر اعمال ناجي التي انجزها في السنتين الاخيرتين من حياته لا الاسرائيليين ولا
الامريكيين ولا العرب ولا المتهاونين بالقضية من الفلسطينيين، وحتى انتماؤه العاطفي
المعروف للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والذي يتبدى في كثير من اعماله لا يمنعه من
نقدها مع كل الفصائل الاخرى عندما دخلت في صراع بين بعضها البعض، وكذلك فان دفاعه
عن فتح في اكثر من موقع عندما كان الوجود الفلسطيني كله مهددا لا يتناقض مع موقفه
الحاد من هذا التنظيم الفلسطيني الاكبر ونقده الشرس لممارساته السياسية والثقافية.
يختزل ناجي العلي في شخصه وفنه وحياته وموته الكثير من تفاصيل الشخصية الفلسطينية
المبدعة، فهناك هذه الرغبة الهائلة في التحدي لكل المنظومة التي يسير عليها العالم
وهو امر مرتبط بشعور هائل بالغبن والظلم الذي لا يمكن الخروج من دائرته الا بالعنف
وصولا الى التضحية بالنفس.
بوصلة العلي لا تتغير فهي تشير دائما باتجاهين: فلسطين والفقراء، وعلى اساس هذه
البوصلة تسير رسوماته.
يعتبر العلي اشهر فناني الكاريكاتير العرب على الاطلاق واكثرهم تأثيرا على اجيال من
الفنانين. منذ ولادته وحتى موته اغتيالا كان فنه يرشح بتفاصيل الواقع الفلسطيني
والعربي بأشد الطرق انتقادا وسخرية والما وحزنا ولكن... بمستوى يرفع الموضوع المحلي
الى ذرى فنية عالمية.
'ناجي العلي 1985-1987 ' كتاب يؤرخ للفترة التي شهدت اقامته ومقتله في لندن وقد كتب
الروائي والناقد الفلسطيني محمد الأسعد مقدمة للكتاب بعنوان 'دائما يأتي من
المستقبل'.
يقول الاسعد ان ناجي العلي 'ما زال يأتينا من المستقبل، مثلما تأتينا معه اللحظة
الفلسطينية' ويعتبر مع ذلك ان 'اسراره ما زالت شبه مغلقة حتى امام الفنانين الذين
جايلوه، او الذين جاءوا بعده، لأنها ببساطة لم تكن مما يمكن التقاطه من فن
الكاريكاتير وحرفياته فقط، بل هي مما يمكن ان يعاش كتجربة حياة وفكر في وقت واحد
معا'.
ويشير الأسعد الى ان 'فن ناجي العلي يعيدنا الى وجودنا، الى معاشنا اليومي وحياتنا'.
الكتاب يضم مجموعة مختارة من اعمال ناجي العلي التي رسمت خلال هذه الفترة الاخيرة
من حياة الفنان منذ وصوله الى لندن في تشرين الاول/اكتوبر 1985 حتى اغتياله في 22
تموز/يوليو 1987.
ويقول خالد ناجي العلي في المقدمة ان هذا باكورة لسلسلة كتب ستصدر تباعا وستضم
مختارات من اعماله الكاملة. واضافة الى الرسوم التي نشرت فهناك عدد من الرسوم التي
يضمها الكتاب دون تاريخ وهي رسوم تنشر للمرة الاولى.
ويشير خالد الى ان الرسمين اللذين ذكرنا في بداية هذه المقالة منبها لأنهما آخر
ابداعاته التي كان يحملها اثناء توجهه الى عمله يوم اغتياله.
الكتاب مقسم الى عناوين تميز كل مجموعة من الرسوم وهي '... مش ممكن أنسى فلسطين'، 'هدايا
الأبوات'، 'جواز سفر دبلوماشي'، 'اخوات الشليتة'، 'ادفنوه حي'، 'وكلوا القرد'، 'I
love الفلافل'، 'مصالح امريكية ممنوع التدخين'، 'دي ويلات'، 'لا تورطونا'، 'نسأله
قبل ما نذبحه او بعد'، 'فشروا'، 'يا راكعين لأمريكا'، 'ارسم شجرة'.
هذه العناوين تلخص مراحل تاريخية او احداث قام ناجي العلي بالتأمل فيها والرسم عنها
بطريقته المليئة بالألم الحزين والسخرية التي تصل لحدود القسوة ضد من يعتبرهم اعداء
فلسطين او المشاركين في المزاد على بيعها او التفريط بحقوق شعبها.
ولعل احد اقواله التي وضعها مصمم الكتاب على الغلاف يلخص هذه الفكرة فهو يقول: 'شخصية
حنظلة كالبوصلة بالنسبة لي وهذه البوصل تشير دائما الى فلسطين'.
ولد ناجي العلي في قرية الشجرة بفلسطين عام 1936 ولجأ مع عائلته الى لبنان عام 1948
الى مخيم الحلوة بالقرب من مدينة صيدا.
انتسب الى حركة القوميين العرب والتقى بالكاتب غسان كنفاني عام 1961 الذي نشر له
عددا من الرسومات في مجلة 'الحرية' التي كانت تصدر في بيروت مع مقال يبشر بموهبته.
سافر الى الكويت عام 1963 للعمل في مجلة 'الطليعة' الكويتية والتي كانت منبر حركة
القوميين العرب في الكويت.
انتقل للعمل في صحيفة 'السفير' اللبنانية عند صدورها عام 1974.
فاز بالجائزة الاولى في معرض الكاريكاتيريين العرب عام 1979 وانتخب امينا عاما
لرابطة الكاريكاتيريين العرب في العام نفسه.
انتخب عضوا في الامانة العامة لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين عام 1979 لكنه
استقال منها لاحقا.
التحق بصحيفة 'القبس' الكويتية عام 1983 كما رسم لعدد من الصحف والمجلات العربية
كصحيفتي 'الخليج' و'الوطن' ومجلات 'الازمنة العربية'، 'الموقف العربي' و'الشراع'.
اختارته صحيفة 'اساهي' اليابانية كواحد من بين اشهر 10 رسامي كاريكاتير في العالم
كما منحه الاتحاد الدولي لناشري الصحف جائزة 'القلم الذهبي' منوها بأنه 'واحد من
اعظم رسامي الكاريكاتير'. صدرت عن الفنان عشرات الكتب والمقالات والدراسات وكتبت
رسائل جامعية عنه وعن فنه كما انتجت عدة افلام سينمائية وتلفزيونية تناولت حياته
وفنه ولا يزال العديد من المجلات والصحف تعيد نشر اعماله الكاريكاتيرية.
من الاقوال التي اشتهرت عن ناجي العلي قوله 'كلما ذكروا الخطوط الحمراء طار صوابي'
ولعل اغتياله هو دليل على صدقية هذا القول وتطبيق ناجي له.
اطلقت النار على ناجي العلي في لندن في 22 تموز/يوليو عام 1987 .