اختتم مؤخرا في تونس مهرجان
الفيلم الوثائقي الذي نظمته جمعية 'ناس الفن' في دورته الرابعة 'دوك في
تونس'(الوثائقي في تونس). وشاركت العديد من الدول في هذه التظاهرة مثل تونس
ومصر وفلسطين والمغرب والجزائر وسورية وموريتانيا وقطر والأردن ولبنان وفرنسا
وألمانيا واليونان واسبانيا والنرويج وبلجيكا وسويسرا وكندا والولايات
المتحدة والنمسا وإيران والصين.
يتناول هذا المقال بعض النقاط التي خلفها المهرجان.
دارت محاور الأفلام المشاركة حول الأزمة الاقتصادية العالمية والعولمة
والإرهاب والهجرة ومكانة المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية ومخلفات
الحروب.
أعاد المهرجان الحياة لقاعات السينما التي باتت تهجر لعدة أسباب. لكن مثل هذه
التظاهرات ساهمت في إحياء النشاط الثقافي في الساحة الثقافية التونسية التي
تعاني من ' قصر النفس'مشكّلةً جسر ربط بين التظاهرات القديمة (أيام قرطاج
السينمائية التي ساهمت إلى حد ما في إنجاح هذه التظاهرة) .
للفيلم الوثائقي خصائص تميزه عن أفلام الفيكشين نظرا لبعده التثقيفي. ورغم
بداهة هذا الأمر فإن أفلام هذه الدورة جسدت هذا البعد وأخذت المشاهد إلى درجة
جديدة من الوعي وبالتالي فقد رسمت علامات الاستغراب على وجوه الحضور في عدة
مناسبات. كما (في انتظار الرجال لـ 'كاتي لينا') حيث يكتشف المشاهد نساء في
صحراء موريتانيا يتحدثن بكل أريحية عن علاقتهن الحميمة وكيف أن للمرأة الحق
في الطلاق من زوجها (إذا لم يتمكـن من توفير هذا الشرط) فرصد الشــريط
الحيـــاة اليومية لهؤلاء النساء وهن يتحدثن بطــــلاقة عن علاقاتهنّ
بالأزواج، وبالرجال عموما وعن الفرح والخيبــة، ويفاجأ المشاهد أحيانا بهذه
الحرية في مجتمــع يعتبر معاديا للمرأة من منطلق الذكورة... لنستنتج بيسر أنّ
ما يشغل المرأة ليس الرجل بالضرورة.
كذلك فيلم الافتتاح (لنجْنِ المال لـ' أرون فاغنهوفر') الذي كان عبارة عن
صرخة استنكار زعزعت أفكار المشاهدين فموضوع الفيلم يلاحق أثر 'أموالنا' في
النظام المالي العالمي، لنكتشف أسس النظام الليبرالي ونتائجه على الإنسانية
وعلى الديمغرافيا والبيئة وذلك بتحليل وتصوير طريقة اشتغال النظام المالي على
الصعيد العالمي والكيفية التي يسترجع بها الممولون مداخيلهم... مع تعرية
الوجه القبيح للرأسمالية المتوحشة اعتمادا على براهين وحجج دامغة. فيلم 'صوتوا
لي من فضلكم' لـ وايجا شان وتجري أحداثه في إحدى المدن الداخلية بالصين وهي
مدينة ووهان، قام المخرج بتجربة طريفة تتمثل في تصوير المراحل المختلفة
لاختيار رئيس قسم في مدرسة ابتدائية.. ما يدفع المخرج والمشاهد الى التساؤل
بواسطة عين شرهة عن الآفاق الديمقراطية للصين المعاصرة، وهل الديمقراطية قيمة
كونية؟ وأي مناورات يمكن للانتخابات أن تجرنا إليها؟
الحديث عن الأفلام يحتم علينا القاء نظرة ولو سريعة على نوعيتها. وكما ذكرنا
في بداية المقال فان المحاور الأربعة بلا شك قيدت اللجنة التي اختارت الأفلام:
أفلام الافتتاح و الختام كانت من العوامل التي منعت المهرجان من الغرق في
ظلام بحر مبهم... فالعديد من الأفلام لم تستطع الارتقاء إلى مستوى الشاشة
الكبيرة مما خلق نوعا من' عدم الارتياح'... إضافة إلى أن بعض الأفلام كانت
تحمل تواريخ قديمة (رغم أن ذلك لم يؤثر على المحتوى من منطلق الجودة والحرفية).
ومما زاد في استياء الحاضرين طريقة عرض الأفلام التي تم 'تكديسها'، فتم عرض
فيلمين على التوالي بدون استراحة... مما خلق نوعا من الملل والتخمة...
ومما زاد الطين بلة، عدم توفر الآلات والمعدات اللازمة لضمان جودة العرض.
فبالرغم من المجهودات الواضحة للمنظمين كان من شبه المستحيل عدم التعرض لهذه
النقطة. ولعل هذه النقطة بالذات هي التي تمثل البداية و النهاية لأسئلة
دائرية لا نستطيع الإجابة على أحدها بدون طرح سؤال آخر وبالتالي نجد أنفسنا
في وسط دائرة لامنتهية من الأسئلة. من يتحمل مسؤولية هذه الأخطاء؟ ولنفرض أن
أحدا تقدم للإجابة أليس من حقه أن يمتنع عن تمويل مشروع تكون فيه نسبة الربح
ضئيلة إذا لم نقل معدومة...؟
من أبرز الأفلام التي نالت إعجاب المشاهدين نذكر:' امرأة من دمشق' لديانا
الجايرودي، 'لأيدي كلّ العرب' لابتسام صالح مرعانا، 'من فضلكم صوّتوا لي'
لوايجن شان، أماكننا المحظورة' لليلى كيلاني،' فلنكسب النقود' لآرون فاغنهوفر،
'الأجنحة الصغيرة' لرشيد المشهراوي والعديد من الافلام الاخرى...
على العموم النتيجة كانت مرضية، فقد أثبت جمهور تونس ولاءه وحبه للسينما ما
يبشر ببوادر أمل. فلعل هذا الجمهور المتكون في أغلبيته من الشباب، يحمل كلمة
سرية ما... للمستقبل.
سينمائي من تونس