في الذكرى الثالثة لإعلان وثيقة الأسرى ..لا زالت الحل الأمثل لحالة الانقسام ... فدوى البرغوثي

في التاسع من أيار عام 2006 تسلمت عصراً وثيقة الأسرى من المحامي خضر شقيرات، الذي كان في زيارة للمناضل القائد مروان البرغوثي في ذلك اليوم حيث أملى عليه مروان الوثيقة من وراء حاجز زجاجي لأنه لا يوجد اتصال مباشر بين المحامي والأسرى، وقد تمكن مروان من أخراج نص الوثيقة خفية وبإخلاص من المحامي، وعندما تسلمتها قمت على الفور بطباعتها وإرسالها للسيد الرئيس أبو مازن ولرئيس حركة حماس خالد مشعل وللأستاذ إسماعيل هنية ثم لجميع ممثلي الفصائل ولقادتها ولممثلي التشريعي، وعندما قرأت الوثيقة أدركت أننا أمام نص  غير مسبوق في تاريخ الحركة الفلسطينية وبمناسبة مرور ثلاث سنوات على صدور الوثيقة وفي الذكرى السابعة لاختطاف المناضل مروان البرغوثي فقد صدر كتاب للأسير المحرر محمد الشويكي بالتعاون مع الحملة الشعبية تحت عنوان "الرواية الكاملة لوثيقة الأسرى" ، علماً أنه تواجد في سجن هداريم وشارك في النقاش الذي دار للوصول إلى الوثيقة وقد بدأت الوثيقة بمبادرة من كافة الفصائل في السجون حيث بادر أبو القسام بدعوة القادة عبد الرحيم ملوح وعبد الناصر عيسى وبسام السعدي إلى زنزانته رقم (28) في قسم (3) من سجن هداريم، وعرض الفكرة ثم عقدت سلسلة اجتماعات على مدار أسبوعين إلى ثلاثة بشكل يومي ووضع المسودة، وكان من أبرز من شارك في النقاش والصياغة النهائية وفي إقرار الوثيقة كل من المناضلين مروان البرغوثي، عبد الرحيم ملوح، عبد الناصر عيسى، عبد الخالق النتشة، وروحي مشتهى، وجمال أبو محسن، وبسام السعدي، وخالد الزواوي، وبسام أبو عكر، ومصطفى بدارنة، ومحمد الشويكي، وغيرهم من القادة والكوادر، ورغم ضغط الوقت فقد حرص أبو القسام على التشاور مع قيادات فتح في السجون وأطلعهم على النص.


لقد جاءت الوثيقة في أعقاب الانتخابات التشريعية التي أسفرت عن فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد التشريعي، وفي أعقاب تشكيل حماس حكومة بمفردها، وتعرض السلطة بعد ذلك بأكملها للحصار وقطع المساعدات المالية ووقف الرواتب، وظهور بوادر صراع فلسطيني على السلطة، الأمر الذي دفع بقادة الفصائل في السجون والمعروفين بمواقفهم الوحدوية والحريصين على التجربة الديمقراطية إلى تقديم وثيقة وطنية شاملة تحدد هدف النضال الفلسطيني في هذه المرحلة التاريخية ممثلا بإنهاء الاحتلال عن الأراضي المحتلة عام (1967) وإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية وتحقيق حق اللاجئين بالعودة طبقا للقرار (194) وتحرير جميع الأسرى والمعتقلين، وهذا الهدف بات اليوم محل إجماع  عربي وفلسطيني ودولي إلى حد كبير، كما حددت الوثيقة الأسلوب والوسائل اللازمة لتحقيق هذا الهدف واعتبرت أن الجمع بين المقاومة والعمل السياسي والتفاوضي كفيل بانجاز هذا الهدف الوطني الكبير، ونصت الوثيقة على تركيز المقاومة في الأراضي  المحتلة عام (1967) كما أنها دعت لإصلاح وتطوير (م.ت.ف) وانتخاب مجلس وطني جديد والى دخول حماس والجهاد فيها، كما منحت تفويضاً لـ(م.ت.ف) ورئيسها رئيس السلطة الوطنية للتفاوض شريطة أن يتم عرض أي اتفاق للحل النهائي أو الدائم للاستفتاء الشعبي أو إقراره من المجلس الوطني الجديد والموحد، كما دعت الوثيقة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وكذلك إلى تشكيل جبهة موحدة للمقاومة، إضافة إلى العديد من القضايا الهامة.


 أن الوثيقة بهذه الصيغة قدمت نصاً شجاعاً وحكيماً وعميقاً وشاملاً، وشكلت رؤية وطنية وبرنامجاً وطنياً وقاسماً مشتركاً لكافة فصائل وأحزاب العمل الوطني والإسلامي لأول مرة في تاريخ الحركة الفلسطينية.


 وبغض النظر عن النقاش الذي واكب صدور وإعلان الوثيقة، والذي لا يتعلق بالنص، وإنما بمسائل إدارية وتنظيمية وصلاحيات، ومناكفات بين الفصائل فان الشعب الفلسطيني وعبر ثلاث استطلاعات متتالية، عبر عن تأييده المطلق لهذه الوثيقة ووصل هذا التأييد لأكثر من 91%، الأمر الذي لم تحظ به أية وثيقة أو موقف أو إعلان في تاريخ الشعب الفلسطيني، قد اتضح بعد نقاش لم يخلو من المناكفات أن هنالك إجماع بين الفصائل عليها، الأمر الذي أدى إلى توقيعها بتاريخ 28\6\2006، من جميع الفصائل الوطنية والإسلامية، وبالمناسبة فإن نص الوثيقة ظل كما كان دون أي تغيير يذكر، حيث صدرت من السجون بثمانية عشر بنداً، وما جرى من تعديل لبعض الكلمات هنا وهناك لم تتعدى كونها ملاحظات شكلية لتبرير الاعتراض على بعض الفقرات عند صدورها.


 أن هذه الوثيقة التاريخية "وثيقة الأسرى" كما سميت في الخارج وكما اسماها الأسرى أنفسهم بـ(وثيقة الوفاق الوطني)، لا زالت تشكل الحل الأمثل لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني المخزي والمخجل والمعيب، وأن الوفاء للشهداء والأسرى يستدعي من كافة الفصائل  الإسراع في وضع الوثيقة موضع التنفيذ الأمين والدقيق، والتحضير للعودة إلى صناديق الاقتراع ليحسم الشعب الفلسطيني الخلاف، وليعبر عن إرادته الحرة على قاعدة احترام نتائج الانتخابات والعمل بموجبها، وإذا فشلت التجربة السابقة فهذا لا يعني أن نتخلى عن الخيار الديمقراطي، وعن سيادة القانون، والعودة للدستور المؤقت، أن الشراكة مسألة حتمية لا مفر منها، ومن يعتقد أنه يستطيع لوحده قيادة الشعب الفلسطيني بمعزل عن الاطراف الأخرى والشركاء في الساحة الفلسطينية فأنه مخطئ، وكما قال المناضل مروان البرغوثي في مقابلته الصحفية الأخيرة، بمناسبة الذكرى السابعة لاختطافه، أن الوحدة الوطنية هي قانون الانتصار للشعوب المقهورة ولحركات التحرر الوطني، ان الوثيقة تعد برنامجاً متكاملاً لحكومة الوحدة الوطنية و لـ(م.ت.ف)، خاصة أننا نتحدث عن حكومة انتقالية لبضعة أشهر حتى انجازالانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإطلاق العمل بإعمار قطاع غزة ورفع الحصار عن هذا القطاع الصامد الذي وصلت مستويات الفقر والجوع والبطالة فيه إلى مستوى غير مسبوق، ومن يدفع الثمن هي آلاف الأسر الذين دمرت منازلهما ولا يزالون في الخيام أو العراء، والذي يدفع الثمن الآن هو مدينة القدس وأهلها الذين يتعرضون لواحدة من أبشع الهجمات التي تمت منذ الاحتلال عام (1967)، والذي يدفع ثمن الانقسام هو احد عشر ألف أسير وأسيرة ويدفع الثمن شعبنا في المنافي والشتات، وشعبنا الذي يتعرض للاجتياح والحصار والاعتقال والاغتيال والإذلال على الحواجز في الضفة الغربية.


 وبهذه المناسبة نتوجه بالتحية والتقدير للأسرى جميعاً، وندعوهم إلى مواصلة دورهم الوطني في توحيد الصفوف وفي طرح المبادرات الوطنية، والى الحفاظ على وحدتهم وأن يقدموا نموذجاً للقيادة تليق بتضحياتهم وكبريائهم الوطني ونتمنى على قيادة الفصائل في السجون أن لا تغرق في وحل الانقسام وان يسموا فوق الخلافات وان يتقدموا برؤية موحدة لحل الأزمة وإنهاء الانقسام وسيصطف معهم وخلفهم الشعب الفلسطيني بأسره، وليكن إعلان الوثيقة في التاسع من أيار يوماً للوحدة الوطنية، ورفضاً للانقسام ويوماً للتضامن مع الأسرى