'فرقة العاشقين' من لندن: الفينيق الفلسطيني
محمد مشارقة
01/05/2009
ذات يوم تساءل الشاعر الفلسطيني احمد دحبور بأمل وألم عما اذا كان النهر يسير في
مجراه مرتين، في إشارة إلى فرقة العاشقين التي أنهتها الخلافات الصغيرة وعقلية
الانشقاق. قد يكون دحبور محقا فقد توفرت لتلك الفرقة في منتصف السبعينات كل مقومات
النجاح، كيف لا وقد اجتمعت فيها عبقرية الموسيقي حسين نازك وشاعرية مرهفة لفلسطيني
أصيل هو احمد دحبور وصوت جبلي قوي لأبو علي الفلسطيني اللبناني السوري، وفوق ذلك
رعاية سياسي مثقف هو عبدالله الحوراني رئيس دائرة الثقافة في منظمة التحرير، ترافق
ذلك مع صعود مكانة المنظمة كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.
أراد المؤسسون الأوائل لفرقة العاشقين التأكيد على أن مسيرة تحرير الوطن لا يمكن
اختصارها بالعمل المسلح باعتباره أرقى أشكال النضال، بل بعملية شاملة تتطلب استنهاض
الروح الجماعية لشعب نثره التشرد على بقاع الأرض، واستعادة الذاكرة الجمعية بتراثها
الموسيقي والثقافي، ولهذا يقول الدارسون إن الهوية الفلسطينية بمكوناتها المعاصرة
تعززت بأسبقية الثقافي على المسلح، حين قدم لها بعدها الوطني الحضاري والتحرري
الأصيل، وحين ننظر إلى الوراء قليلا لإمعان النظر في التراكم الذي حققته الثورة
الفلسطينية المعاصرة، تنتصب قامات ثقافية كبيرة رافقت هذه المسيرة أمثال محمود
درويش والفنان التشكيلي إسماعيل شموط والروائي أميل حبيبي والمفكر ادوارد سعيد
وغيرهم من القادة التاريخيين الذي شيدوا مبنى الوطنية الفلسطينية العظيم. ولا غرابة
في هذا السياق أن ترافق فرقة العاشقين حالة الاستنهاض للهوية الوطنية، ولا غرابة
أيضا أن كل محاولات إحياء هذه الفرقة خارج فضاء الوطنية الفلسطينية باءت بالفشل،
تماما كما محاولات إلغاء وشق منظمة التحرير رغم كل الخراب الذي لحق بها، وهي حقيقة
ستظل ترافق القضية الفلسطينية التي لا تحتمل الفُرقة إلى يومنا هذا، فالمنظمة هي
الإطار الوطني العريض لكل التيارات السياسية والفكرية وهي تنسجم موضوعيا مع ابرز
سمات حركات التحرر التي تناضل ضد احتلال استعماري.
اليوم بعد أن ضاقت الرؤى والبصائر وتعمق شرخ الانقسام في الجسد الفلسطيني، وتغول
الاحتلال على الأرض والبشر، يجيء الرد على الحالة المرضية من مختلف بقاع الشتات في
صورة جدل سياسي وفكري وثقافي وتنظيمي، يلعب المثقفون دورا أساسيا في تطويره.
في هذا الإطار يمكن وضع إعادة إحياء فرقة العاشقين، فالحوارات الأولى كانت محاولة
للرد على حالة التردي والسلبية والخراب بصورة ثقافية، بعيدا عن الضجيج السياسي
وخطاب التكفير والإقصاء والتخوين الذي احتل المشهد كاملا، رد ثقافي وفني، بإحياء
الروح الفلسطينية الأصيلة، إحياء لتراث الأغاني الملتزمة بتراب وزيتون وسرو وياسمين
فلسطين، ترافق مع مصادفة زيارة عابرة لشاب قادم من المنفى الهولندي اقترن بفلسطينية
منفية شاءت الأقدار أن تكون في لندن، فنان موهوب أشعل نار الذاكرة الأولى بصوته
الذي يختصر كل تاريخ فرقة العاشقين، كيف لا وهو الذي نشأ وترعرع في بيت الفرقة
الدافئ منذ تشييده. انه محمد دياب اللاجئ المنفي، الذي لا يتقن لغة ولا مهنة سوى
الشدو بأغاني العاشقين، لا هاجس له غير إحياء الفرقة وتراثها.
هل كان لانطلاقة العاشقين من الشتات الأوروبي من رسالة، وهل من ترابط بين هذا
الإحياء وجدل الفلسطينيين في الوطن والمنافي حول مستقبل قضيتهم وما آلت إليه ثورتهم
المعاصرة. يقينا أن لا اتفاق بين المبادرين لحالة الاستنهاض الجارية في الناصرة
وعين الحلوة ومخيم بلاطة وشيكاغو ولندن وبرلين ومخيم اليرموك، انه الحس الوطني
العميق، ومخزون التجربة التاريخية بكل ما فيها من الم وتضحيات وبطولات، إنها
التجسيد الفذ لروح الفلسطيني المتقدة، تلك الروح التي تنهض من الرماد مثل طائر
الفينيق الأسطوري.
هكذا كانت بداية العاشقين في المنفى الجديد، سرعان ما التف حولها السوري والعراقي
والمصري والجزائري وعرب آخرون، جمعتهم فلسطين ووجعها، تماما كما الأيام الأولى
لانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. أعادوا توزيع بعضا من أغاني العاشقين القديم
وأضافوا عليه جديدهم في بوصلة جامعها الوحيد، فلسطين ورمزها الشهيد ياسر عرفات.
تجربة البدايات التي ستتوج قريبا في حفل خاص بمناسبة 'القدس عاصمة للثقافة العربية'،
حملت مشاهد مؤثرة، فالفرقة التي يتجاوز عددها الخمسة عشر فردا بين موسيقي ومغن
تعززت بكفاءات شابة نشأت وترعرعت في المنافي، وبعضهم تعلم العربية كلغة ثانية، لكن
لديهم شغف واعتزاز بهويتهم الوطنية والقومية، في صورة تقول برسالة عميقة، قوامها إن
الفلسطينيين شعب عصي على التصفية والتذويب وانه جدير بالحياة، والرد يأتي من أبناء
وأحفاد الفلسطينيين في المنافي والشتات.
ما يحسب لانطلاقة العاشقين الجديدة، أنها فعل ذاتي لا علاقة له بالأطراف السياسية،
فالفرقة مبادرة مستقلة تماما بلا أب هذه المرة، فهي التجسيد البارز لنهاية عصر 'الابوات'،
فالدعم جاء من أشقاء المنافي في القارة الأوروبية، للجميع حصة في العاشقين ،حصة في
الوطن، حصة في الأمل، وفي بعث الروح المتوقدة والتواقة للحرية والاستقلال..
صحيح إن النهر لا يجري في النهر مرتين كما قال شاعر العاشقين الكبير احمد دحبور،
لكن الفكرة الأولى هي المحرض على الإحياء، ليس إعادة ترديد للأغاني الأولى، ولا
اجترار الماضي، بل إحياء لتراث المقاومة والعناد، واقتراح الحياة نقيض اقتراح الموت..