عبر يجب أن تتعظ بها حماس - شاكر الجوهري



مقالة الدكتور مصطفى اللداوي بعنوان "حماس وانتخاباتها الداخلية" في "المستقبل العربي" لا يجب ولا يجوز أن تمر مرور الكرام، وذلك لأكثر من سبب وسبب؛



فهو ابتداء يستخدم مفردات مستفزة، من قبيل اعتباره جميع ما نشر في وسائل الإعلام عن نتائج الإنتخابات الداخلية في حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين "تنبؤات وتخرصات تفتقر إلى الحقيقة الكاملة"..!



هكذا تكون الديمقراطية الحقة..



"المستقبل العربي" يكون أول من ينشر شيئا من نتائج هذه الإنتخابات، ثم ينشر ـ بكل رحابة صدر ـ وصف الدكتور اللداوي لجميع حالات النشر بأنه "تخرصات تفتقر إلى الحقيقة الكاملة"، دون أن يرف له جفن جراء تجنيه الصارخ على الحقيقة؛ إذ كيف يكون كل ما نشر تخرصات، وكيف يكون في ذات الوقت يفتقر إلى الحقيقة الكاملة..؟



النص الذي استخدم في المقال يؤكد وجود جانب من الحقيقة. أليس كذلك..؟!



لم نشر "المستقبل العربي" إذا مقال الدكتور اللداوي..؟



لقد فعل ذلك لسببين:



الأول: ليقدم درسا بليغا في الديمقراطية، وتمسكه بحق الآخر في نشر رأيه، حتى حين يكون مخالفا للحقيقة، بقدر مخالفته لرأينا، وذلك بأمل أن تتحمل حركة "حماس" رأينا الذي هو في هذه الحالة الرأي الآخر المقابل لرأيها..!



الثاني: ليفتح آفاق الحوار، ويساهم في محاولة إخراج فصيل فلسطيني رئيس من حالة الكتمان إلى الشفافية، طالما أن هدف الشفافية، ليس كشف الأسرار للعدو، وإنما اشراك الناس في ادارة قضيتهم.



ولو لم يكن لرأي الناس أهمية، ولو لم يكن رأي الناس هو الذي يعطي حركة "حماس"، وأي فصيل فلسطيني آخر الصفة التمثيلية، فلم خاضت حركة المقاومة الإسلامية إذا الإنتخابات التشريعية..؟! ولم تطالب الناس بتأييدها، ونحن نؤيدها فعلا في حقها بالحكم انسجاما مع نتائج الإنتخابات التي فازت بها، احتراما منا لرأي وموقف الشعب الفلسطيني.



لا يوجد بيننا وبين حركة "حماس" غير المحبة التي نتمناها متبادلة، وقاسم سياسي مشترك ينصب على التأكيد على حق الشعب العربي الفلسطيني في مقاومة الإحتلال، وهي المقاومة التي نسجل لحركة "حماس" أنها هي اداتها الرئيسة، وعمودها الفقري في المرحلة الراهنة. ولكن هذه المكانة النضالية والجهادية المتقدمة التي تحتلها الحركة عن جدارة تستحق التخليد والتمجيد، هي ذاتها ما يفرض عليها ممارسة كاملة للشفافية التنظيمية.



سبب هذا الإستنتاج بسيط وواضح، يتلخص في حقيقة أن حركة المقاومة الفلسطينية تقاتل من أجل قضية الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، وعلى ذلك فإن أي تغيير في قيادة الحركة أو استراتيجيتها أو تكتيكاتها ينعكس على مصالح كل الأطراف صاحبة المصلحة في هذه القضية.



نحن لا نشكك أبدا في التزام الحركة بالقضية، وعدم التفريط بها. ولكن فلنتذكر أن مثل هذه القناعة كانت سائدة، بل ساكنة في عقول وعواطف الناس اتجاه حركة "فتح"، وقائدها الراحل ياسر عرفات، حتى صفعت اوسلو الجميع على الوجوه والأقفية..!



مرة أخرى ليس لدينا أي شك في نوايا ومواقف قيادة "حماس"، ولكن سابق التجارب الفلسطينية والعربية، بل والإنسانية، يفرض التمسك بالأصول. والحركة التي تبدي حاليا مرونة تكتيكية في التعامل مع قوى فلسطينية واقليمية؛ بل ودولية من أجل "لحلحة" أمور الناس في قطاع غزة، يتوجب أن تضع آراء الناس موضع الإعتبار اللائق في كل خطوة من خطواتها، خاصة ما يتعلق منها بأوضاعها التنظيمية، وبذات القدر الذي تأخذ فيه بعين الإعتبار مواقفهم منها، ومآلاتها المتوقعة.



الديمقراطية التي يفاخر بها الدكتور اللداوي لا تعني ممارسة الديمقراطية من خلف أبواب مغلقة، ما دامت "حماس" تناضل وتجاهد من أجل القضية الفلسطينية بأبعادها العربية والإسلامية والإنسانية، لا من أجل قضية حمساوية خاصة.



والديمقراطية تعني عدم امتلاك "حماس" أو قيادتها حق تغيير مواقفها السياسية، واستراتيجياتها وتكتيكاتها بعيدا عن رأي الناس ومصالحهم؛ وهذا أهم ما يستخلص من قبول الحركة محاورة حركة "فتح" بعد الشرخ الكبير الذي أنتجه العدوان الإسرائيلي الواسع الأخير على قطاع غزة بين الحركتين. لقد اضطرت "حماس" لمحاورة "فتح" من أجل تسهيل إعادة الإعمار، ورفع الحصار عن غزة، وأهل غزة. وحين يكون الأمر كذلك، يصبح من حق الشعب أن يفرض كلمته، لتكون من بين المقدمات، لا من بين النتائج.



حين تكون كلمة الشعب هي المقدمة التي تفضي إلى النتائج، لا تغدو "حماس"، أو قيادتها هي المسؤولة عن النتائج، ولا يتوجب مساءلتها عن النتائج المتحققة.



هذه هي أهم نتائج انتخابات المجلس التشريعي لسنة 2006، التي تجعل الشعب الفلسطيني يتحمل نتائج خياراته في تلك الإنتخابات، وهي نتائج أظن أن عاقلا لا يناقش في أنها تصب لمصلحة حركة "حماس".



من حق الشعب الفلسطيني أيضا أن يكون كذلك في صورة الإنتخابات الداخلية في "حماس" ما دامت نتائجها تنعكس على مصالحه ومصالح قضيته الوطنية.



أما أن يقول الدكتور اللداوي أنه لا فرق بين انتخاب قائد وآخر في "حماس"، وأن كل "حماس" مجمعة على موقف واحد واستراتيجية واحدة، فهذا كلام لا يصمد بمواجهة حقيقتين اثنتين على الأقل:



الأولى: حرص الحركة على تمثيل قيادتي الخارج والداخل في الحوار مع حركة "فتح"، كما مع الحكم المصري.



الثانية: حقيقة امكانية تعدد وتباين وجهات النظر والإجتهادات بشأن التكتيكات التي يمكن أن تستخدم حتى من أجل تحقيق الإستراتيجة الواحدة.



كل ما سبق يؤكد حقيقة أخرى هي عدم جواز التفاخر الذي مارسه الدكتور اللداوي بقوله "ول من نشر شيئا من نتائج هذه ىالإنتخابات، ثم ينشر بكل رحابة صدر وف

فحركة حماس مازالت تعتمد السرية المطلقة في مؤسساتها التنظيمية، وتحرص على التكتم على مختلف بناها وأنشطتها التنظيمية"، وبعد الذي شرحناه في الأسطر السابقة، فإنه لا يسعفه التبرير الذي ساقه بقوله "فهي حركة مقاومة مستهدفة من قبل العدو الإسرائيلي، ومستهدفة من قبل العديد من الأجهزة الأمنية العربية والأجنبية، وهي مازالت تعيش مرحلة التحرر والمقاومة"..إلخ، وذلك لسببين:



الأول: أن اعضاء القيادة السياسية الحالية للحركة معلنة اسماؤهم، كما أن اعضاء القيادة السياسية المقبلة سيتم اعلان اسماؤهم هم أيضا.



الثاني: عدم جواز أن يعرف العدو الإسرائيلي عن واقع، وما يجري داخل قيادات المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها، بأكثر مما يعرفه الشعب الفلسطيني..!



هذه الحقيقة يؤكدها واقع الحال، والمعلومات شديدة السرية عن الواقع الفلسطيني التي ينشرها الإعلام الإسرائيلي، استنادا إلى مصادر استخبارية اسرائيلية، كما تؤكدها حقيقة استحالة تحصين أي تنظيم والحيلولة دونه وبين الإختراق الأمني.



بالطبع هذه ليست دعوة إلى الإنفلاش المطلق في العمل، وتطليق السرية. لكن السرية يجب أن تمارس فيما يخص برامج وخطط العمل، ومنفذيها، واسماء القادة العسكريين، وعناصر الجهاد، لا فيما يخص اسماء القادة السياسيين، والبرامج السياسية لأي فصيل فلسطيني مقاوم.



إن اطباق السرية على مختلف مجالات العمل المقاوم يقود من بين أشياء أخر إلى عزل الشعب الفلسطيني صاحب القضية، والحق في المقاومة، عن قضيته الوطنية، ومقاومته للإحتلال، وكل ما يتعلق بها من قرارات استراتيجية وتكتيكية، وهذا تحديدا ما قاد الشعب والقضية إلى اتفاق اوسلو، الذي أبرم من وراء ظهر الشعب، ودون معرفته.



هل يمكن أن تقدم حركة "حماس" على شيئ من هذا القبيل..؟



من حق الشعب الفلسطيني أن يتحوط لأية مفاجآت، وهو الذي سبق أن طعن من قبل قيادته السابقة ممثلة حتى بشخص ياسر عرفات، مفجر الثورة الفلسطينية الراهنة، الذي جاء ومعظم قيادات حركة "فتح" من ذات الخلفية الأيديولوجية والتنظيمية التي انبثقت عنها حركة "حماس". وكذلك محمود عباس الذي خرج علينا، وعلى ثوابتنا الوطنية هو الآخر من قلب تنظيم جماعة الإخوان المسلمين..!



لقد تمكن عرفات وغالبية قيادة "فتح" من فعل كل ما فعلوه جراء تغييبهم للحياة الديمقراطية الداخلية في الحركة، وكذلك جراء تغييبهم الشعب الفلسطيني عن القيام بدوره الرقابي على قضيته الوطنية، وتحولهم إلى "شلة" تمارس التضليل المنظم والمنهجي على الشعب الفلسطيني، حتى أنهم لا زالوا يعملون على تغييب تنظيم حركة "فتح" عن القيام بدوره الرقابي، وانتخاب قيادة جديدة طوال واحد وعشرين عاما، ومنذ المؤتمر العام الخامس الذي ثبت عضوية اثنين على الأقل في اللجنة المركزية بالتزوير، احدهما عباس الذي جاءت به الصدفة المرتبة رئيسا للسلطة الفلسطينية.



كيف حدث ذلك..؟



لأنهم تصرفوا، ولا زالوا يتصرفون باعتبارهم "شلة".



"الشللية" يا صديقي الدكتور تقود إلى هذا وما هو أكثر خطورة منه، ولذا، فإن أخطر ما ورد في مقالك هو قولك "فكل المرشحين يخضعون للتصويت المباشر الحر، الذي تحكمه العلاقات الشخصية بعد الكفاءة والقدرة والمؤهلات الشخصية".. ذلك أن الشللية لا يمكن أن تضمن المزاوجة التي تدعيها ما بين "العلاقات الشخصية"، و"الكفاءة والقدرة والمؤهلات الشخصية"..ذلك أن "الشللية" في طبيعتها تتناقض مع هذا.



ونحن لا نزال نقف أمام تجربة مأساوية النتائج فيما خص الأمتين العربية والإسلامية، تتمثل في الإحتلال الأميركي للعراق، الذي قاد إليه، وتسبب فيه، تغييب الديمقراطية عن الحياة الداخلية لحزب البعث الذي حكم العراق طوال 35 سنة، وبطبيعة الحال فقد تم تغييب الحياة الديمقراطية عن المجتمع العراقي، الذي أخفق في استعادة حريته قبل الإحتلال.



نقول ونقرر ذلك، ونحن الذين نقر للرئيس الشهيد صدام حسين بوطنيته وقوميته وبرنامجه القومي المتقدم، وبالنجاحات التي حققها لجهة الإرتقاء بالعراق، ووضعه على عتبة تحقيق الإكتفاء الذاتي الكامل قبل بدء حرب الثمان سنوات مع ايران في 1980. لكننا في ذات الوقت لا يمكن أن نتخلى عن عقولنا التي نصحت في أيلول/سبتمبر 2002 خلال انعقاد مؤتمر القوى المناصرة للعراق في دمشق، بضرورة تحقيق المصالحة الوطنية بين نظام الحكم القومي التقدمي في العراق برئاسة الرئيس الشهيد صدام حسين، ومختلف مكونات الشعب العراقي، لأن الشعوب، كما قلنا، وأغضب ذلك الأستاذ طارق عزيز في حينه (فك الله أسره)، تدافع عن حرياتها ولا تدافع عن قيودها.



لقد كانت تلك النصيحة هي أثمن دعم ومساعدة قدمت لنظام الرئيس الشهيد صدام حسين، الذي سقط جراء الإحتلال الذي أنتجه تخلي الشعب، وحتى الجيش، في اللحظة الحرجة عن نظام القيود المفروضة على ارادته.



هذا ما أنتجته "الشللية" في العراق، ولا يستطيع كائن من يكون اقناعنا بأن "الشللية" التي أسقطت العراق وصدام حسين، يمكن تلافي آثارها المدمرة إن تم التمسك بها في حركة "حماس"، بتبريرات من طراز حكم العلاقات الشخصية للتصويت..!



لقد تقرر سقوط صدام والعراق في ذات اللحظة التي رفض فيها في تموز/يوليو 1979 التعددية داخل حزب البعث الحاكم، ونصب فيها نفسه وصيا على الحزب والشعب في العراق، وهو الذي لا يمكن لعاقل أو منصف الشك أو التشكيك في صدق وطنيته وقوميته وقدراته القيادية الفذة، لكنه قانون الحياة.



وللتذكير، فإن تجربة صدام حسين لم يفلح اللجوء إلى الإيمان، وتنظيم وقيادة "الحملة الإيمانية" في انقاذها، وقد أثبتت لحظة اقتحام رجولة صدام حسين لحبل المشنقة، مدى الحالة الإيمانية التي كان يتحلى بها، ذلك أن قوانين الحياة لا تقتصر على ترتيب نتائج على مقدمات فردية، وإنما هي تعمل في ضوء المقدمات العامة التي تفرض نتائجها على الجميع.