عن المستقلين في الساحة الفلسطينية

 ماجد كيالي


لم يقتصر الحوار الفلسطيني، هذه المرة، على ممثلي الفصائل إذ شارك فيه، أيضا، وفد من الشخصيات الوطنية المستقلة، من مثقفين وأكاديميين ورجال أعمال. ولاشك ان هذه المشاركة التي أثارت الانتباه تطرح سؤالين، عن واقع الفصائل، وعن مكانة المستقلين في العمل الوطني الفلسطيني.

بداية يجدر بنا أن نوضح بأن مصطلح "المستقلين" يشمل الأفراد الناشطين في العمل السياسي، بشتى الوسائل، من دون ارتباط مباشر بفصيل معين. ومعنى ذلك أن هؤلاء الأفراد ينشطون بشكل طوعي، وبناء على وعيهم لدورهم في العملية الوطنية، متوخّين في ذلك المصلحة العامة، أي مصلحة القضية والشعب، بعيدا عن المصالح والعقليات الفصائلية، التنافسية والتناحرية، الضيقة والمضرّة.

ولاشك أن بروز هكذا شريحة (في أي مكان) من الناشطين في العمل الوطني، أو في مجال العمل العام، هي تعبير عن حيوية المجتمع، ودليل على تبلور المجتمع المدني، بالتوازي من الدولة، أو من القوى السياسية المسيطرة، وليس بالضرورة ضدها.

مفهوم أن ثمة جدل بشأن اعتبار القوى والأحزاب السياسية جزءا من المجتمع المدني، مع النقابات والمنظمات والمنتديات والجمعيات، التي تنشط في المجتمع ولأجله، لكن هذا لا يفترض اعتبار القوى المهيمنة جزءا من المجتمع المدني، باعتبار أنها باتت تمتلك وسائل السلطة وتمارسها، وتكرس ذاتها لأجلها.

في الحالة الفلسطينية، مثلا، ثمة نوع من التعقيد في هذا الموضوع، فالفصائل عبرت، في بداياتها، عن الحراك السياسي في المجتمع، ولكنها في مرحلة تالية باتت تمتلك وسائل سلطة وهيمنة بكل معنى الكلمة، سواء في المرحلة "اللبنانية"، أو في مرحلة قيام السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويمكن ملاحظة أن هذه الفصائل باتت، منذ زمن طويل، بمثابة نوع من مجتمع سياسي، على هامش المجتمعات الفلسطينية، بحيث باتت قياداتها بمثابة طبقة سياسية بحد ذاتها. ويمكن تفسير ذلك بدوافع عدة، أهمها:

1) غلبة الطابع العسكري/الميليشياوي في بنية العمل الفلسطيني، على حساب البعد الشعبي، وغلبة الأجهزة على البني الحزبية. وقد أدى ذلك، في أحوال كثيرة، في مرحلتي الخارج والداخل، إلى استخدام السلاح في حل المنافسات والنزاعات الداخلية/الفصائلية، واحتسابه ضمن عناصر القوة والهيمنة بين الفصائل، وكعامل سلطة في المجتمع.

2) عدم اعتماد الفصائل على شعبها من ناحية الموارد، بل إن شرائح واسعة من الفلسطينيين باتت تعتمد على هذه الفصائل، التي أضحت، بمعنى ما، بمثابة "سوق عمل"، بحكم المهمات الخدمية التي أخذتها على عاتقها لتوسيع نفوذها (وهي مهمات سلطوية أيضا). وهذا الوضع أثر سلبا على علاقة الفصائل بمجتمعها، لجهة إضعاف علاقات المشاركة السياسية، حيث العلاقة هي علاقة فوقية ووصائية، وأيضا لجهة مبالغة الفصائل بتغليب مصالحها الفئوية على المصالح الوطنية؛ حيث ليس ثمة مرجعية ولا مراجعة ولا محاسبة بهذا الشأن.

3) تشظّي المجتمع الفلسطيني، وخضوعه لقيود وظروف متباينة، وغياب حيز جغرافي متعين ومستقل له. ولاشك أن كل ذلك أسهم بإضعاف تطور هذا المجتمع، وحدّ من استقلاليته، وهمّش وجوده، ما جعل قدرته على مساءلة القوى السياسية المهيمنة غير ممكنة، أو جد صعبة ومعقدة.

4) إن غياب الوطن المعتيّن، وتنامي شعور الحرمان من الهوية، وضعف التطور السياسي، وحال التهميش التي تعرض لها الفلسطينيون في أماكن اللجوء والشتات، جعل ارتباطهم بمؤسساتهم السياسية ارتباطا عاطفيا وعفويا ورمزيا، أكثر من كونه ارتباطا تفاعليا؛ وهذا له علاقة ايضا بسيادة العلاقات البطركية وتدني مستوى الديمقراطية في العلاقات الداخلية لبني الساحة الفلسطينية.

5) ثمة استحالة على أي اتجاه فلسطيني الظهور والتنامي بدون نيل شرعية رسمية عربية، بسبب المداخلات والضغوط الخارجية، الناجمة عن اعتبار القضية الفلسطينية قضية عربية (في واقع سلطوي قطري!)، ووجود تجمعات فلسطينية في بلدان اللجوء، والارتباطات والتوظيفات الإقليمية والدولية للقضية الفلسطينية.

ولعل كل هذه العوامل تفسّر انصراف الفلسطينيين عن مساءلة قياداتهم، في الخيارات التي أخذتهم إليها، من الثورة إلى التسوية، ومن التحرير إلى حل الدولتين، ومن الانتفاضة إلى المفاوضة، ومن المنظمة إلى كيان السلطة. كما تفسر استمرار عديد من الفصائل، برغم عدم وجود أي دور لها لا في المجتمع ولا على صعيد مواجهة إسرائيل، كونها لا تستمد شرعيتها أصلا من هذين البعدين!

ويستنتج من ذلك أن "الثورة الفلسطينية" لم تستنهض المجتمع الفلسطيني، على عكس الانطباع السائد، إذ أن تعامل الفصائل مع المجتمع كان في الأغلب تعاملا فوقيا وسطحيا واستخداميا، ولم يكن تعاملا مبدئيا وتشاركيا وعضويا.

ويمكن تبيّن ذلك في عدة مجالات، ضمنها مثلا مدى انتساب الفلسطينيين للفصائل، وهي نسبة تتراجع باستمرار، حتى ان ثمة فصائل لاتحتوي منتسبين بقدر المتفرغين على كشوفاتها، وضمنها من لا يجد متفرغين يداومون في مكاتبها. كما نستدل على ذلك من التدهور المريع في حال المنظمات الشعبية (العمال والطلاب والكتاب والصحفيين والمعلمين والمرأة)، وهي منظمات اضطلعت بمرحلة ما بدور موازي للفصائل في النهوض الفلسطيني في السبعينيات. أما النخب والكفاءات الفلسطينية، من مثقفين وأكاديميين وفنانين ورجال أعمال، فلم تعد تجد في الحقل السياسي الراكد مجالا جذابا، تعبر من خلاله عن دورها وعن طموحاتها؛ بحكم ضعف الحراك الداخلي في الفصائل، وسيادة الأبوات والبني البطركية فيها، وافتقادها للعلاقات الديمقراطية وللتجديد ولروح الإبداع؛ خاصة أن معظم هذه المنظمات مازالت حكرا على طبقتها السياسية المؤسسة، ناهيك عن افتقادها للرؤى السياسية، وتراجع مكانتها في المجتمع، وأفول دورها النضالي.

هكذا لم يعد في الساحة الفلسطينية مراكز أو مؤسسات بحث ودراسات وإعلام، كمركز الأبحاث والتخطيط والإعلام الموحد ومؤسسة السينما. ولا مجلة كشؤون فلسطينية، ولا شخصيات أكاديمية ومثقفة كإدوارد سعيد ومحمود درويش وهشام شرابي، وميخائيل حنا (أبو عمر) وفايز صايغ ووليد الخالدي ويوسف صايغ وغسان كنفاني وشفيق الحوت وإبراهيم أبو لغد وأنيس صايغ وأنيس القاسم، ونصير عاروري وصبري جريس، ويزيد صايغ ورشيد الخالدي وأحمد خليفة وبلال الحسن والياس شوفاني، وناجي علوش ومنير شفيق، وعز الدين المناصرة ولا فنانين كإسماعيل شموط ومصطفى الحلاج وحسين نازك. ولا رجال أعمال كعبد المجيد قطان وعبد المحسن شومان ورفعت النمر ومنيب المصري؛ وكل ذلك على سبيل المثال ولا الحصر. وحتى أن هذه الفصائل لم تعد تنجب تلك الكوكبة من المثقفين، من الشعراء والروائيين والكتاب السياسيين والإعلاميين والفنانين، كتلك التي كانت أنجبتها في حقبة السبعينيات.

وفي الواقع فإن الفصائل الفلسطينية، بعد أن عجزت عن انجاز مهمة التحرير، أو مهمة دحر الاحتلال من الضفة والقطاع، انشغلت بالتحول إلى نوع من سلطة. وهذه السلطة، كأي سلطة عربية، وعالمثالثية، فرضت وصايتها على مجتمعها وهّمشت نخبه وطبقته الوسطى، وبالغت بالجوانب العسكرية والأمنية، واستعانت بالعامل الخارجي، واتكأت على الشعارات العامة، باعتبار ذلك كله من أدوات الشرعية والهيمنة وتعويم الدور.

بناء على ماتقدم يخشى أن أزمة العمل الوطني الفلسطيني ستستمر بغض النظر عن نتيجة حوارات القاهرة، لأن هذه الأزمة ليست مجرد أزمة سياسية، أو أزمة توزيع أدوار، فهي أزمة فصائل، ومجتمع، وأزمة خيارات وطنية.

على ذلك فإن مشاركة بعض المستقلين في حوارات القاهرة لايعني أن الأمور باتت افضل حالا، بالنسبة لعلاقات الفصائل في المجتمع، ولا بالنسبة لتعزز مكانة المستقلين في الساحة الفلسطينية، ولكنها مشاركة تؤشر إلى تحول ما يمكن العمل على التأسيس عليه وتطويره.

أخيرا، فإن هذا الكلام النقدي ليس ضد الفصائل، والنقد مطلوب في حالنا الفلسطينية الراهنة، ولا هو مديح للاستقلالية، وإنما القصد منه الحضّ على إعادة تعريف الفصائل، بحسب دورها ومكانتها في المجتمع والعملية الوطنية حاليا، وإعادة بنائها، وتطويرها، كي تغلّب طابعها كحركة تحرر وطني على طابعها كسلطة، حتى تكون أكثر استجابة لتحديات الوضع الفلسطيني. كما أن القصد من ذلك إعادة الاعتبار للمجتمع المدني الفلسطيني، لتعزيز دوره في العملية الوطنية، على كافة الأصعدة، باعتبارها عملية تخصّ الشعب كله لا مجموعات معينة.

ماجد كيالي

mkayali@scs-net.org

2009-04-29