في الذكرى الحادية والستين للنكبة..أم جبر وشاح تروي حياتها قبل التهجير
غزة / خاص/ سما/ واحد وستون عاما عمر الرواية ولكنها متجددة يافعة يتوجها ألم وحسرة
ودموع ومنافي. هذه هي رواية الفلسطينيين في يوم نكبتهم الحادية والستين الذي يصادف
اليوم الجمعة، الخامس عشر من شهر مايو الجاري، يوم نشأت إسرائيل وغابت فلسطين إلا
من الذاكرة والوجود الحي لملايين البشر الذين شاءت لهم الأقدار أن يسكنوا قلب
التاريخ ليشكلوا عنوانا كبيرا لمأساة أجيال أصروا على أن تبقى قضيتهم حية إلى حين
انبعاث مجدهم وحضارتهم ودولتهم من جديد.
ومن أشهر رواة العذاب الفلسطيني بدءا من اللجوء ومرورا بالأسر وانتهاء باللجوء
أيضا..أم جبر وشاح، العجوز الثمانينية التي ترسم تجاعيد وجهها خارطة طريق الألم
واللجوء وكأن كل التفاصيل تنتفض في وجهك لتحكي رواية وحكاية وقصة وتاريخ.
التقت مراسلة "سما" بالحاجة "أم جبر وشاح" الملقبة بأم الأسرى الفلسطينيين، والتي
لا تختلف قصتها عن قصة ملايين اللاجئين الفلسطينيين، فيما تجاعيد ووديان وجهها تروي
حكاية الفلسطيني اللاجئ قبل أن تتحدث هي عنها... وعلى الرغم من أنها بلغت من العمر
خمسة وثمانين عاما إلا أن ذاكرتها لازالت عامرة بالأحداث.
تروي أم جبر وشاح وهي تحمل بيدها مفتاح دارها في قرية "بيت عفا" الصغيرة، كيف خرجت
من بيت عفا وهي في العشرين من العمر وها هي اليوم تجاوزت الثمانين عاما من رحلة
اللجوء.. موضحة "أن العرب واليهود تآمروا علينا..قالوا لنا اتركوا بيوتكم وستعودون
بعد أسبوع وها هو الأسبوع امتد ليصبح أكثر من ستين عاما".
وتقول "حاولت أن أبني بيتا يشبه بيتي في "بيت عفا" وبنيت فرن طين..كما أنني لا زلت
أحتفظ بطاحونة القمح ولازلت أحتفظ بمفتاح الدار وسأعود لداري وإن لم أعد سيعود
أبنائي وأحفادي..فأنا خرجت من بيت عفا بثلاثة أبناء ولدي الآن أكثر من خمسين ابن
وحفيد".
وتتحدث أم جبر عن حياتهم قبل النكبة وتقول: "كانت حياتنا هادئة قبل النكبة
الفلسطينية وقبل أن يحتل اليهود ديارنا..لم يكن ينقصنا شئ كما لم نكن نعرف ما معنى
الفقر". وتتابع “لا أستطيع أن أنسى البيادر في قريتي "بيت عفا" ولا رائحة البرتقال
والشمام..كانت أراضينا واسعة خضراء تمتد على قدر مد البصر".
وتشير أم جبر إلى أن ما عكر صفو حياتهم هو الانتداب البريطاني، حيث بدأ الإنجليز
بفرض الضرائب على الفقراء والأراضي الزراعية..."أصبحنا نزرع ونحصد ولكن ما نجنيه من
الزراعة ندفعه ضرائب..حتى أن الأموال التي نملكها لم تعد تكفي لتسديد الضرائب..من
هنا بدأنا نشعر بالظلم".
وتتحدث كيف كان الإنجليز يحفرون الأنفاق تحت الأرض ليستقدموا من خلالها اليهود إلى
فلسطين..مضيفة "قبل الهجرة كانت عائلات يهودية تعيش معنا وكانت تربطنا بهم علاقات
طيبة جدا.. لم نرفض وجودهم وكنا نتبادل معهم الأفراح والأحزان..كانوا في ذلك الحين
يشاركوننا في السراء والضراء، إلا أن من يسمون /بن غوريون وجولدا مائير وشارون
وشامير/ كانوا يعملون جاهدين حتى يقتلعونا من أرضنا ويزرعوهم هم في مكاننا.
وتتحدث عن رواية العذاب الفلسطيني قائلة "بدأت مشاكلنا قبل النكبة بعام واحد أي عام
1947 عندما رفضنا أن يشاركنا اليهود دولتنا وأن نقسم فلسطين دولتين..حيث دار حديث
في ذلك الحين عن أنهم ينوون إقامة دولة يهودية تمتد من قرية سدود حتى شمال
فلسطين..فيما تمتد دولة الفلسطينيين من قرية سدود حتى حدود دولة مصر وهذا ما رفضناه.
بدأوا يأتون بجماعات "الهاغاناة" المسلحين ونحن لم نكن نمتلك السلاح ولكن الشباب
تصدت لهم، ومن هنا بدأت مقاومة الثوار الفلسطينيين الذين كانوا ينزلون من الجبال
ويقاتلون ثم يعودون للجبال مرة أخرى.
وعن يوم النكبة والهجرة القسرية تقول أم جبر "قتلوا الأطفال والشيوخ والشباب وبقروا
بطون الحوامل واغتصبوا الفتيات..نفذوا مجازر بشعة أرعبتنا..خفنا أن يلحق بنا ما لحق
بمن سبقونا ورغم ذلك بقينا في بيوتنا إلى أن بدأ اليهود بتطويق البلد واشتعلت
النيران في كل مكان، كانوا مجرمين لا رحمة في قلوبهم، قتلوا الناس في كل بلدة وقرية
دخلوها خاصة الأطفال، وقاموا بأخذ الرجال في شاحنات أمام نساءهم وأطفالهم".
وتقول "من شدة الخوف هربنا من منازلنا وبدأنا نتنقل من بلدة إلى بلدة ومن قرية إلى
قرية هاربين من وحشية الصهاينة..قررنا مغادرة بيوتنا لمدة لا تتجاوز الأسبوع على
يقين منا بالعودة بعد أن تهدأ الأوضاع"
وتضيف "أتذكر كيف كان الناس يهربون ويتجهون إلى اتجاهات بعيدة خوفا من القصف..كنا
نسير مشيا على الأقدام وتشتتنا عن بعضنا البعض، والمشكلة أن اليهود كانوا يلحقوا
بنا ويحرقوا كل شيء من حولنا".
وتتابع أم جبر أن المسيرة كانت شاقة جدا في الهجرة حيث قصف الطائرات فوق رءوسهم
فيما يعاني الكثيرون من الأعباء الكثيرة التي يحملونها من أطفال رضع وشيوخ بحاجة
لمن يعتني بهم ويحملهم أثناء الطريق..مضيفة بحزن "ابني إبراهيم الذي أنجبته في قرية
بيت عفا أنهكه المرض ولم يحتمل رحلة العذاب الفلسطيني فتوفي في مخيم النصيرات وكان
أول من دفن في مقبرة المخيم، ورحلنا بعدها من مخيم النصيرات إلى مخيم البريج لنستقر
هناك حتى يومنا هذا"
وتقول أنجبت ابني جبر عام 1950 في غزة، وقد أسر في سجون الاحتلال لمدة 15عاما.
وتؤكد أم جبر أنها لن تتنازل عن حقها في العودة إلى الوطن. وتقول " أرغب أن يمد
الله في عمري حتى أعود وأن أدفن هناك...اشتقت إلى كل شئ..لون الأرض المختلف وهواءها
النظيف وراحة البال التي لا تنتهي".
ويصادف اليوم الجمعة يوم نكبة الفلسطينيين عندما هجروا من ديارهم في الخامس عشر من
شهر مايو لعام 1948، حيث تحتفل فيه إسرائيل بعيد استقلالها الحادي والستين فيما يصر
المنكوبون في غزة على الاحتفال بطريقتهم الخاصة عبر إبراز أوجه حياتهم الهادئة
البسيطة قبل عام 1948 وما يمتلكونه من وثائق ومفاتيح تؤكد حسب وجهة نظرهم أحقيتهم
في وطن عاشوا وكبروا به، وكان لهم فيه تاريخ وماضي وربما مستقبل.
واعتبرت اللجنة الحكومة لكسر الحصار أن الحصار التي تفرضه سلطات الاحتلال
الإسرائيلي على قطاع غزة، منذ أكثر من عامين ونصف يشكل نكبة جديدة حلت بالمواطنين
في قطاع غزة.
وقال المكتب الإعلامي للجنة في بيان له بمناسبة الذكرى الـ 61 للنكبة "أن الحصار
الظالم المفروض على قطاع غزة أذاق المواطنين كل أشكال النكبة من قتل وتجويع وتشريد
وتهجير"..لافتا إلى أن ذكرى النكبة تتصادف مع نكبة أخرى جديدة حلت بقطاع غزة، عندما
فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي حصاراً مشدداً عليه، وأغلقت المعابر ومنعت دخول
الطعام والدواء والاحتياجات الأساسية للمواطنين المحاصرين، إضافة إلى حرب غزة
الأخيرة، والتي أضافت أرقاماً جديدة من المواطنين لأعداد المشردين والمهجرين الذين
يسكنون في الخيام.
وشدد على أن الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه وتوجهاته متمسك بحق العودة، الذي كفلته
له كافة القوانين والمواثيق والشرائع الدولية، وأنه لن يستطيع أحداً مهما كان
التفريط بهذا الحق.
ودعا البيان الدول والحكومات والمنظمات والهيئات العربية إلى التحرك العاجل والسريع
إلى إنقاذه قطاع غزة من النكبة الجديدة التي حلت به نتيجة الحصار المفروض عليه،
والعمل على تخفيف معاناة أكثر 1.5 مليون مواطن جراء الحصار.
وطالب الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أن لا تقف موقف المتفرج أمام حصار غزة،
وأن تضع نفسها أمام مسئولياتها الأخلاقية والإنسانية بالضغط على سلطات الاحتلال
بفتح المعابر ورفع الحصار.
علا محمود