المواجهة مع نتنياهو وخطته المقبلة ستكون أشد مما سبق- تحسين
الحلبي
2009-05-14
يعتقد عدد من مستشاري رئيس الحكومة نتنياهو أن إسرائيل لن تخسر شيئاً على المستوى
الداخلي أو الخارجي إذا ما رفضت تنفيذ أي انسحابات من الضفة الغربية وإذا أصرت على
استمرار الاستيطان وتوسعه تحت ذارئع كثيرة: والسؤال هو هل تبدو الصورة على هذا
النحو؟ في الأسبوع الماضي أعلن نتنياهو أمام حشد من المستوطنين أنه لن يقبل بإيقاف
التوسع في بناء الوحدات السكنية الاستيطانية وقال: «إن الحكومة لا يمكن أن تقبل
بألا يجد الشباب في المستوطنات وحدات سكنية مستقلة يعيشون فيها إلى جانب وحدات
آبائهم»..
ورأى نتنياهو أن مثل هذا التوسع لا يناقض الاتفاقات الموقعة مع الولايات المتحدة
لأنها سمحت بالاستيطان الناجم عن «التكاثر السكاني» في المستوطنات، وهذا يعني أن
المستوطن الذي كان أبناؤه قبل أوسلو أو بعد أوسلو في سن الخامسة أو العاشرة، أصبح
الآن بحاجة إلى سكن استيطاني مع زوجته.
وإذا ما استمر الأمر على هذا الحل فسوف يفقد الفلسطينيون أجزاء كبيرة من أراضيهم
بعد عشرين سنة لأن هذه العملية لن تتوقف ما دام المستوطنون باقين في المستوطنات
التي أنشأها الاحتلال في أراضي الضفة الغربية، وبالمقابل لا تسمح سلطات الاحتلال
للفلسطينيين ببناء أي بيوت فوق أراضيهم وداخل أحيائهم في مدينة القدس بشكل خاص وفي
بقية المدن المحتلة في الضفة الغربية بشكل عام.
وهذه السياسة التي يعلن عنها نتنياهو ويرى فيها تطبيقاً لاتفاقات وقعها مع واشنطن
وتفرض بشكل واضح تضييق الخناق على الفلسطينيين ديمغرافياً لإجبارهم على الرحيل
مادام يحظر عليهم البناء لأبنائهم من جهة أولى ويتيح من الجهة الثانية للمستوطنين
بالتوسع الاستيطاني لأبنائهم فيبتلع المزيد من الأرض.
وفي وضع كهذا لن تفيد المطالبة «بتجميد الاستيطان» لأن نتنياهو يفهم تجميد
الاستيطان عدم الإعلان عن بناء مستوطنات بأسماء جديدة وليس عدم التوسع بحجة تزايد
عدد أفراد العائلات الاستيطانية.
ويبدو من الواضح أن البرنامج الاستيطاني المخصص للقدس المحتلة يحتل الأولوية
والكثافة في هذه السياسة فالفلسطينيون محظور عليهم بناء شقة فوق بيوتهم أو بيت صغير
في أرض مازالوا يتمسكون بملكيتها رغم كل الصعوبات في حين أن مناقصات البناء
الاستيطاني في المدينة المحتلة أنتجت خلال السنتين الماضيتين مشروعات بناء 2500
وحدة سكنية استيطانية. والقدس بنظر نتنياهو وحكومته لا تخضع إلى أي تخفيض أو تجميد
في عمليات الاستيطان لأن مشروعات التوسع الاستيطاني تفرضها بلدية القدس التي يرأسها
الإسرائيليون ويتصرفون فيها وبأرضها مثلما يتصرف رؤساء بلديات تل أبيب وأسدود
وسديروت.
وإذا كانت دول العالم بما فيها الولايات المتحدة لا تعترف بشرعية ضم إسرائيل أو
سيادتها على المدينة المحتلة وأراضيها إلا أن هذا الموقف لا يترافق مع ضرورة منع
إسرائيل عن تغيير معالم المدينة أرضاً وشعباً وتاريخاً ومستقبلاً.
ومن المؤلم أن الجميع يعرف وفي مقدمتهم السلطة الفلسطينية أن «تجميد الاستيطان»
الآن حتى لو التزمت به إسرائيل لن ينفع بشيء لأن الاستيطان بحجة التكاثر البشري
للمستوطنين سيستمر، ومنع الفلسطينيين من البناء سيستمر. وإذا قارنا بين السياسة
التي ينتهجها نتنياهو مع المستوطنين والسياسة التي تنتهجها السلطة الفلسطينية مع
الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة نجد أن الأول يعلن للمستوطنين ضرورة الاستمرار
بالتوسع وينفذ ذلك على الأرض في حين أن السلطة الفلسطينية لا تصور لشعبها مدى فداحة
الخطر ومدى عجزها عن تعديل أي قدر منه فبلديات السلطة لا صلاحية لها حتى في إنجاز
توسع في البناء والمشاريع لأن الاحتلال سيرفض والسلطة تنتظر المفاوضات ونتائج
المفاوضات منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً حتى الآن.
وعلى الساحة السياسية تضع الرباعية الدولية أولوياتها باتجاه لا يغير الصورة على
الأرض وتطلب من حماس الإعلان عن موافقتها على شروطها وكأن موقفاً كهذا من حماس
سيؤدي إلى نزع المستوطنــــات أو إيقـــــاف التــــوســع الاستيطــاني.
فالغرب يدرك أن السلطة الفلسطينية وافقت على جميع الاتفاقات والشروط ومع ذلك لم
يتوقف الاستيطان والقمع والقتل ضد الشعب الفلسطيني رغم رضا إسرائيل عن السلطة
الفلسطينية في السنوات الأربع الماضية ورضا واشنطن والرباعية الدولية عن السلطة
الفلسطينية، ولا شك في أن حماس تدرك هي أيضاً أن إسرائيل لم تنسحب من قطاع غزة
وتنزع المستوطنات منها لأن الضغط الدولي والسلطة الفلسطينية والاتفاقات فرضت عليها
هذا الانسحاب بل بسبب المقاومة التي جعلت إسرائيل تفقد في قطاع غزة ما لم تستطع
تعويضه من الخسائر البشرية ونفقات الحماية الهائلة لحماية 7 آلاف مستوطن بين 1.5
مليون من الفلسطينيين.
وإسرائيل لا تواجه في الضفة الغربية أي ضغوط كبيرة ومهمة سياسية كانت أو من
المقاومة لإجبارها على تغيير سياسة ابتلاع الأرض وتوسيع المستوطنات وهذا ما سوف
يستغله نتنياهو في السنوات الأربع لولايته لكي يبقى لولاية أخرى بعد عام 2013 أيضاً.
فالمواجهة مع نتنياهو وسياسته لن تكون سهلة والتعويل على سياسة التغيير المفترضة
التي يدعو لها أوباما لن ينفع إلى الحد الذي يجبر إسرائيل على نزع المستوطنات أو
جزء منها لأن إدارة أوباما لا تجد أمامها موقفاً عربياً موحداً في هذا الاتجاه
ولمصلحة هذا الهدف.. فالموقف العربي الذي يقال إنه موحد غالباً ما تجري صياغته
والإعلان عنه بمضمون يحمل التنازل عن جزء من صيغته السابقة التي كانت بحد ذاتها أقل
كثيراً من المطلوب ونتنياهو حين سيلتقي بعد أيام بالرئيس الأميركي على انفراد وسيضع
له تقدير الموقف الخاص بالوضع العربي الرسمي الراهن وسيحدد له من العدو ومن الصديق
ومن المحايد الضعيف.
فالصراع العربي- الإسرائيلي الواضح في جوهره ومعالمه يسعى نتنياهو إلى تحويله أو
عرضه كصراع بين العرب أنفسهم «معتدلون، ومتطرفون» من جهة، والعرب وإيران و«الإرهاب»
من الجهة الأخرى وسواء قبل أوباما بهذه الصيغة أم لا فسوف يستمر نتنياهو في محاولة
خلق هذه الصيغة على الأرض. أما قضية فلسطين وحقوق شعب كامل فسوف يجري التعامل معها
إسرائيلياً كمشكلة للاجئين فقراء يعيشون فوق ما تبقى من ترابهم دون أن يكون لهم
الحق في الدفاع عنه أو البقاء فيه بنظر نتنياهو!