مناقشة التقرير السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية
علي
بدوان
2010-05-29
تعتبر جبهة التحرير الفلسطينية أحد التشكيلات الفصائلية الفلسطينية المنضوية في
إطار منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1979، ولكن انضواءها في إطار ائتلاف منظمة
التحرير لم يعفها من اتخاذ مواقف حادة من العملية السياسية التفاوضية الجارية منذ
انعقاد أعمال مؤتمر مدريد عام 1991، ومن اتفاق أوسلو الأول الموقع عام 1993، حيث
شهدت الجبهة حراكات داخلية نتيجة التباين الذي وقع في صفوفها، وهو ماكرس نفسه
بانشقاق واضح قسمها إلى جناحين اثنين. وبالرغم من ذلك فإن جناحي الجبهة متمسكان
بمنظمة التحرير وبدعوتهما للإصلاح من داخل المؤسسات والأطر، حيث يمثل الاتجاه
الرئيسي فيها السيد علي اسحق عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، بينما يمثل الجناح
الآخر الدكتور واصل أبو يوسف.
وبالنسبة للاتجاه الرئيسي في الجبهة والذي يمثله في اللجنة التنفيذية للمنظمة علي اسحق، فقد اختار في الوقت نفسه خياراته السياسية الأقرب لفصائل وقوى المعارضة الفلسطينية المعروفة باسم (فصائل قوى التحالف). ومؤخراً أصدرت اللجنة المركزية للجبهة تقريرها السياسي الشامل الذي يلخص رؤيتها وتقديراتها للوضع الفلسطيني السائد في ظل الانقسام الراهن، وآفاق التحولات الممكنة. وفي هذا الميدان، يمكننا استشفاف وتلخيص ومناقشة مواقف قوى المعارضة الفلسطينية، انطلاقاً من تقديم القراءة النقدية لتقرير اللجنة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية المقدم لفصائل المعارضة الفلسطينية.
فقد صدر التقرير المشار إليه في النصف الثاني من
نيسان/ابريل الماضي، متضمناً محاور وعناوين رئيسية، كان أولها محور الملامح العامة
للوضع الدولي، وثانيها محور السمة العامة للمشهد الإقليمي، وثالثها المشهد العربي
والقمة العربية واستمرار حالة العجز، وفي المحور الأخير تم تناول الوضع الفلسطيني
من مختلف جوانبه المتعلقة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وفك الحصار عن قطاع غزة
وإعادة إعماره، واستعصاء حوارات القاهرة، والأزمة السياسية والبنيوية وتراجع دور
فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، والسلطة والمفاوضات، والقدس، وحق العودة.
الملامح العامة للمشهد الدولي والإقليمي
ففي المحور الأول، فإن تقرير اللجنة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية يشير إلى أن الساحة الدولية شهدت تحولات إستراتيجية عميقة تركت آثارها البارزة في رسم محددات العلاقات الكونية، معتبراً أن (حقبة المحافظين الجدد) في الإدارة الأميركية سقطت مع صعود الديمقراطيين بقيادة باراك أوباما، بعد أن وظفوا أحداث وتطورات العقد الأخير من القرن الماضي في انتهاج سياسة عدوانية عسكرية مباشرة استندت إلى فلسفة الحرب الاستباقية، ونجحت بحدود كبيرة في التجييش الدولي وراء مقولتها (الحرب الكونية على الإرهاب) وعلى الرغم من تحقيق بعض النجاحات الظرفية في أفغانستان والعراق، إلا أن مستوى المقاومة وخاصة المقاومة العراقية ومواقع المقاومة في فلسطين ولبنان. ولكن مادة التقرير لم تلحظ في هذا السياق بعض الحقائق التي أفرزتها السنة الأولى من عهد أوباما الذي انتهج سياسة ليست بعيدة عن سياسة المحافظين الجدد وإن تحدث بلسان ناعم.
وفي المحور المتعلق بالسمات العامة للمشهد الإقليمي فإن تقرير جبهة التحرير الفلسطينية يعتبر أن للتحولات والمتغيرات الدولية والمحلية أثراً كبيراً على المشهد الإقليمي تجسد ببروز توازنات وأدوار وتشكيلات جديدة، تخلفت عنها الحالة الرسمية العربية الغارقة بالانقسام والصراعات وانعكست سلباً على العلاقات الرسمية العربية البينية، التي بات فيها أغلبية هذا النظام الرسمي العربي في موضع التبعية للمركز (والمقصود القطب الأميركي) يستقبل ولا يرسل.
ويورد التقرير في إشارة موفقة كلاً من تركيا
وإيران كمثال حي وواضح على ولادة الجديد في المشهد الإقليمي في المنطقة. فتركيا
بدأت تشتق مسارات تزداد افتراقاً عن مسارات سياساتها التقليدية، بالالتفات إلى
عمقها الشرقي، وإعادة صياغة أولوياتها بعد انتهاء الحرب الباردة واصطدامها بعقبات
كبيرة لدخول الاتحاد الأوروبي على الرغم من محاولاتها التي استمرت على مدى عقود عدة
مضت لسحب الذرائع والإيفاء بالعديد من الشروط اللازمة لذلك بما فيها اتفاقية
الشراكة الاقتصادية وغيرها.
وفي المثال الثاني، فإن إيران باتت في مشهد التحولات الإقليمية التي يرصدها تقرير
اللجنة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية، تملك من أوراق القوة ما يجعل الإدارة
الأميركية تحتار وتتردد بخياراتها وحساباتها.
المشهد العربي والحالة المفككة
وفي قراءة المشهد العربي يشخص التقرير بأن الحالة الرسمية العربية بشكل عام مفككة وتابعة منذ انتهاء الحرب الباردة بشكل لم يسبقه مثيل، معتبراً إياها حالة سلبية (تستقبل ولا ترسل) كما تتعرض لتجاذبات حادة، تتماهى وتستجيب لكل الشروط والإملاءات الأميركية، بكل ما ترتب على ذلك من تمحور وغياب سياسة التضامن حتى بحدودها الدنيا. معتبراً بأن المبادرات السياسية التي لا سوق لها سوى التساوق مع إستراتيجية المحافظين الجدد وما تقتضيه من اصطفافات سياسية خطرة على حساب الأمة ومصالحها وأمنها القومي الحقيقي. وفي هذا فإن لسان النقد ينصب على مبادرة السلام العربية، مع إغفال التطرق لحيثياتها والمقدمات التي دفعت باتجاه تبنيها كخيار سياسي ودبلوماسي عربي قبلت به حتى الدول العربية المحسوبة خارج دائرة (دول الاعتدال).
ويلحظ بأن لغة التقرير السياسية في تناولها الجانب العربي، انساقت بشكل تقليدي وراء نمط الأدبيات الكلاسيكية للقوى الراديكالية في قراءة السياسة داخل بلدانها. فالتقرير يؤكد أن المتغيرات الدولية والإقليمية عجزت عن تغيير حالة النظام الرسمي العربي وخطابه السياسي، حيث أغلبية النظام العربي مازالت على قواعد اللعبة السياسية القديمة ذاتها، على عكس القوى الإقليمية المجاورة كإيران وتركيا، فعلى حين تستمر حملة التحريض وتأجيج الصراع مع إيران على أكثر من صعيد أعلنت الإدارة الأميركية، ومعها العديد من الأطراف الأوروبية، استعدادها لفتح باب الحوار مع إيران، والإقرار بحضورها في كل الملفات الساخنة من وسط آسيا إلى العراق ومنطقة الخليج، وهو ما يشير لالتقاط إيران وتركيا للجديد والبناء عليه، على عكس الحالة العربية التي بقيت تراوح مكانها على الرغم من هول المتغيرات وتزاحمها.
ويخلص التقرير في مادته السياسية المتعلقة بالحال
العربية والمشهد الإقليمي، للقول إن الحديث عن أزمة النظام العربي، لا يعفي الأحزاب
العربية وقواها المجتمعية من المسؤولية التاريخية التي تتحملها في كل قطر عربي،
وخاصة الأحزاب ذات الاتجاهات الفكرية السياسية على مختلف منابعها واتجاهاتها، والتي
عليها أن تحدث عملية مصالحة ومكاشفة مع الذات والاعتراف بالآخر وصولاً إلى الشراكة
الوطنية بعيداً عن الإقصاء والإلغاء والاستفراد، والخروج من حالة الفئوية الكيدية
الضيقة إلى الفضاء الوطني والقومي القائم على الشراكة والتحشيد واعتماد ثقافة
الديمقراطية الحقيقية التي توفر قوانين تطور موضوعية نهضوية حقيقية في مجتمعنا
العربي.
الحالة الفلسطينية ومنظمة التحرير
إن ما قدمته جبهة التحرير الفلسطينية في تقريرها
العام بالنسبة للموضوع الفلسطيني الداخلي، يبرز درجات من تفاوت مواقفها عن باقي
مواقف قوى التحالف والمعارضة على الرغم من انضمام جبهة التحرير تحت سقف المعارضة.
ومن بين تلك التعارضات نجد أن هناك تبايناً في الرؤيا حول منظمة التحرير الفلسطينية.
فالتقرير السياسي لجبهة التحرير يعتبر المنظمة امتداداًَ تاريخياً للإطار الائتلافي
الجبهوي العريض لحركة التحرر الوطني الفلسطيني المعاصرة، وأن الزلزال الذي تعرضت له
هذه المنظمة ومؤسساتها بعد اتفاق أوسلو الأول لا يعني تركها بل الإصرار على إعادة
بنائها من جديد، ومواجهة سعي بعض الأطراف لترسيخ السلطة في رام اللـه بديلاً من
منظمة التحرير ودروها الجامع والتمثيلي للشعب الفلسطيني، مع الإشارة إلى الدور
السلبي الذي لعبته السلطة الفلسطينية وحركة فتح في تجويف المنظمة من مضمونها
التحرري الذي ارتبط منذ البداية بحق عودة اللاجئين الذين شكلوا رافدا لهذا النضال
بالمقاتلين والشهداء والجرحى والأسرى الأساس في بناء هذا الصرح الوطني.
ويغمز التقرير السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية من مواقف بعض القوى في إطار المعارضة التي تريد تمرير مفهوم وفكرة إعادة بناء الخيمة (أي إعادة تفكيك المنظمة وبنائها). كما يغمز من قناة بعض القوى القريبة من السلطة كالجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وحزب فدا التي تحولت في برنامجها وأدائها إلى جزء من السلطة بعيداً عن إطار العمل الائتلافي الجبهوي العريض في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وبروز نزعاتها الذاتية والانتهازية وركضها وراء المحاصصة.
ولتقديم مدخل للحل، فإن الاقتراح المقدم لفصائل
المعارضة، وفق مادة التقرير السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية، يدعو لإعادة
الاعتبار للوحدة الوطنية وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وفق اتفاق القاهرة
(2005) ووثيقة الوفاق الوطني، وتعزيز قيمتها التمثيلية بالإصرار على إنجاح الحوارات
الفلسطينية لتشمل جميع المكونات السياسية والفكرية والوطنية الفلسطينية على قاعدة
الاعتراف بالآخر وتأكيد التنوع والتعددية الذي يعطي القيمة التوحيدية والتمثيلية
الكبيرة لمنظمة التحرير كائتلاف جبهوي عريض لحركة التحرر الوطني الفلسطيني.
حوارات القاهرة
إن أهم ما جاء به تقرير اللجنة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية تمثل في الحديث عن العمق البعيد للأزمة في الساحة الفلسطينية، معتبراً أن مشهد الانقسام في الساحة الفلسطينية يكشف مدى الأزمة التي طالت البنيان الفصائلي ومجمل المؤسسات الوطنية، وسيادة حالة القصور والعجز لدى التيارات الفكرية والسياسية كافة، فحالة الانقسام الحادة وبحكم موازيين القوى لا تسمح لأي طرف مهما امتلك من أوراق القوة الداخلية أو الخارجية من حسم الصراع الداخلي لمصلحته، وأي استمرار في الرهان على سياسة الإلغاء أو الإقصاء والاستئثار بالقرار الفلسطيني لن يؤول إلا إلى مزيد من الانقسام والتفتيت.
أما تقييم حوارات القاهرة فيتلخص في النظر إليها بأنها قد حكمت بمفاعيل وتدخلات سياسية ودولية وإقليمية وفي واقع ومعطيات وموازيين داخلية جديدة. وأنه كان من الأجدر أن تكون الرعاية المصرية محصلة توافقات عربية تساعد الساحة الفلسطينية على الخروج من حالة الانقسام، وليس القبول تحت الضغط والأمر الواقع وفي ظل حالة انقسام محكومة بموازيين داخلية حادة أضعف من أن تقاوم التدخل الدولي والإقليمي والعربي في المشهد الفلسطيني، أما في منهج وتقنية حوارات القاهرة الفلسطينية، فقد جرى تغييب المدخل السياسي للحوار، فقد تم توزيع الحضور الفلسطيني الذي غاب عنه التمثيل الكامل لجميع القوى والشخصيات التي يجب أن تتوافق عليها أطراف الحوار من الداخل والخارج، إلى لجان فنية تتناول ملفات الحكومة والأجهزة الأمنية والانتخابات والمعتقلين والمصالحات، على حين كان من الأجدى أن يتركز الحوار على المدخل السياسي والوصول إلى استنتاجات وقواسم سياسية مشتركة في ضوئها يتم تشكيل اللجان لمختلف الملفات الوطنية للتنفيذ ومعالجة التفاصيل.
إن الدعوة التي انتهت إليها المادة السياسية المقدمة من جبهة التحرير الفلسطينية لفصائل المعارضة، تركز على الشراكة الوطنية والتعددية الفكرية والسياسية، في إشارة واضحة إلى كل من حركتي حماس وفتح في الوقت ذاته، طالباً من حركتي فتح وحماس تحديد موقفهما ورؤيتهما لمسألة الشراكة الوطنية في القرار وضرورة مغادرة الثنائية بينها وبين حركة فتح، وإنهاء تقزيم الحالة الفلسطينية وكأنها صراع بين تنظيمين، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام التدخلات الإقليمية والدولية بما فيها العربية، وخاصة في ظل غياب إرادة باقي فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية وعجزها عن إنتاج مقاربة إنقاذية كانت ومازالت تشكل مطلباً للأكثرية الشعبية المهمشة والمحبطة اليوم والتي تنشد إنهاء حالة الانقسام المدمرة.
وأخيراً، تعيد المادة السياسية لجبهة التحرير
الفلسطينية القول إن غياب الفصائل وخصوصاً اليسارية منها عن دورها الاستنهاضي على
الأرض وفي الميدان، وتجاهل دور المفكرين والمثقفين والمبدعين وصناع الرأي الوطني،
وعموم الفعاليات والشخصيات الوطنية التي حملت المشروع الوطني الفلسطيني وشكلت روافع
للمنظمة والمقاومة والانتفاضة والصمود البطولي، يعكس الخلل الكبير في القراءة
الفكرية السياسية والوطنية للمشهد الفلسطيني بمعادلته المعقدة– المركبة منذ أواخر
ثمانينات القرن الماضي، فتلاشت إرادتها حيال ميزان القوى الخارجي الضاغط.