البلدة القديمة في عكا: "غيتو" معزول وإقصاء صهيوني متعمد للعرب
08/05/2010
حسن مواسي وحنان بلان
"المدن الساحلية" أو كما يسمونها في إسرائيل "المدن المختلطة"، هي المدن الفلسطينية
التي لم ينجح الاحتلال الإسرائيلي بتطهيرها خلال النكبة الفلسطينية.
وظاهرة المدن المختلطة كانت قائمة في فلسطين قبل العام 1948، يعيش فيها اليهود إلى
جانب العرب ولكنها بعد قيام إسرائيل أخذت بعداً آخر.
ومع قيام الدولة العبرية تحولت ظاهرة المدن المختلطة الساحلية في فلسطين المحتلة
العام 1948، الى مدن تمتاز بالدينامية والمتغيرات الكثيرة التي طرأت عليها خلال 63
عاماً عمر دولة إسرائيل.
إذ قامت السلطات الإسرائيلية فور إقامتها واحتلالها لهذه المدن باعتماد سياسة
التهميش للعرب وتزايدهم فيها، وقامت بتحديد عدد الفلسطينيين ونسبتهم في تلك المدن
بطرق ووسائل مختلفة، أبرزها عملية التهويد والتشريد.
وبعد العام 1948 تعمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وضمن التغييرات الجذرية التي
أقدمت عليها لتهويد الحيز والمكان في فلسطين المحتلة العام 1948، بصورة عامة وفي
المدن الساحلية، تدمير وتهجير نحو 518 قرية ومدينة فلسطينية.
وحولت أكثر من 80% من الفلسطينيين إلى لاجئين ومشردين في فلسطين وخارجها، وتحولت
المدن العربية التي بقي فيها فلسطينيون وهي عكا وحيفا واللد والرملة ويافا، إلى "غيتوات"
معزولة.
وتم تهميش سكانها تماماً وفصلهم عن واقعهم الفلسطيني، وحولتها إلى مخيمات لاجئين،
ومدن مستهدفة، يختلط فيها التمييز الحكومي الرسمي العام مع تمييز السلطات المحلية
في تلك المدن الخاص.
تشويه التاريخ
تعرض فلسطينيو المدن الساحلية لمعاناة وتميز مزدوج. الأول كونهم جزءاً من الأقلية
الفلسطينية والثاني كونهم أقلية داخل هذه المدن وتتعرض أسماؤها وأحياؤها وشوارعها
لحملة تهدف إلى طمس أحيائها وهويتها العربية بكل الطرق والوسائل.
هذا الأسبوع شاركت "المستقبل" في جولة لصحافيين إلى عكا، وتنقل الواقع الأليم
والمعاناة اليومية التي يعيشها فلسطينيو عكا.
عكا لؤلؤة فلسطين
وفي عكا التي يبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، ثلثهم من العرب، يتعرض السكان
لسياسة تهدف إلى تهجيرهم أو وضع داخل "غيتوات"، كما هو الحال في اللد والرملة ويافا،
وتستهدف الوجود العربي والفلسطيني، تعيش أزمة حقيقية تستهدف قضية المسكن والتعليم
والهوية، وتعاني من تمييز واضح، في ظل المخططات التي تضعها البلديات والسلطات
الحكومية والهادفة إلى تشريد وترحيل سكانها العرب.
والمتمعن في صيرورة الحياة ليس في عكا فحسب، بل في المدن الساحلية يرى أن الحقيقة
غير ما تظهره السلطة، وأن المخططات والجهود والميزانيات المرصودة من أجل تكريس
الهوية اليهودية ومحو الصلة بين هذه المدن والعرب الفلسطينيين قد بلغت مبلغاً كبيراً.
ويعود تاريخ عكا إلى زمن بعيد، وهي من أقدم المدن الفلسطينية على الإطلاق، حيث
تعتبر عكا مفتاح فلسطين بسبب موقعها الاستراتيجي، فهي قد بدأت كميناء كنعاني، وعرفت
عكا بصناعة الزجاج والأصبغة الأرجوانية الملوكية، وقد احتلها وحكمها سلسلة طويلة من
الغزاة، واشتهرت بصدها نابليون بونابرت عن أسوارها إبان الحملة الفرنسية، والبلدة
القديمة هي بمثابة لؤلؤة أثرية وتاريخية، يزورها مئات السياح يومياً ليتمتعوا
بسحرها وأجوائها المميزة.
حي بربور- غزة ثانية
في حي بربور إلى الشرق من عكا، تعيش 25 عائلة عربية، في ظروف أشبه بمخيمات اللاجئين،
فالبلدية الإسرائيلية تعمل وبصورة متعمدة على إخلائهم لصالح إقامة مباني حديثة
لاستجلاب المستوطنين اليهود، وكسر التوازن الديموغرافي في المدينة لصالح اليهود.
موسى أشقر رئيس لجنة الحي قال لـ"المستقبل": "يسكن في الحي نحو 135 شخصاً، والحي
تنعدم فيه
أبسط الخدمات التي من المفترض أن تقدمها البلدية كالبنى التحتية وتعبيد الشوارع، أو
مركز طبي وحضانة للأطفال، وغالبية المنازل في الحي من الاسبست المسببة للسرطان،
وتمنع السكان من البناء أو الترميم رغم وجود الوثائق التي تثبت ملكيتهم للأراضي.
وأضاف أن "السلطات الإسرائيلية تحاول دائماً إخلاءنا، ولا يعطوننا المساعدة أو
مكاناً آخر بديلاً للسكن فيه ويتجاهلوننا دائماً، والوضع هنا لا يطاق والهدف تهجير
العرب.
شبه جزيرة عكا- مشروع لتهويد المدينة
وأكد سامي هواري رئيس جمعية "الياطر" العكية لـ"المستقبل" أن "شبه جزيرة عكا مدينة
حضارات البحر المتوسط، هذه هي الماركة الجديدة لمدينة عكا والتي تسوقها البلدية
الإسرائيلية بعد أن اعترفت منظمة اليونسكو بالبلدة القديمة كأثر إنساني وعالمي
والتسويق يتجاهل السكان العرب وتراثهم وتاريخهم".
وأضاف هواري أن "سياسة البلدية القائمة حالياً ليست إلا عملية تهويد واضحة المعالم،
والتي يتم ضمنها استجلاب المستوطنين اليهود، مكان العرب، للسكن في عكا لخلق خلل في
ميزان الوضع الاجتماعي والاقتصادي بين العرب واليهود مما يجعل مستوى المعيشة في
البلدة القديمة يرتفع بسبب رجال الأعمال وبالتالي يتم تهجير العرب من البلدة
القديمة".
وأكد هواري "نواجه اليوم سياسة إقصاء متعمده من قبل البلدية، والسكان العرب في
المدينة يعانون من مشاكل اقتصادية اجتماعية وسكنية جمة، إذ تمنع شركة "عميدار- شركة
الإسكان الشعبي الإسرائيلية" العرب من ترميم بيوتهم، وبالإضافة إلى ذلك تقوم بإغلاق
نحو 250 منزلاً وعقاراً في البلدة القديمة يمنع على العرب شرائها أو امتلاكها، فيما
يتم عرضها في سوق المزاد العلني الإسرائيلي لرجال أعمال يهود.
حمدان: ترميم البلدة القديمة مزيج بين الجشع الرأسمالي والصراع القومي
الباحث علاء حمدان قال لـ"المستقبل": "تتعرض البلدة القديمة في عكا إلى حملة تهويد
علنية وواضحة، إذ تستغل البلدية الإسرائيلية الإعلان عنها كجزء من التراث العالمي
إلى جذب السياح الأجانب، وقد أدى هذا الاعتراف إلى ارتفاع أسعار العقارات والبيوت
داخل الأسوار بشكل كبير، مما جعلها محط أنظار المتمولين والشركات السياحية
والعقارية الكبرى، ويأتي هذا الاهتمام على حساب السكان الذين يعانون من محاولات
التهجير، سواء بوسائل الترغيب أو الترهيب".
وأضاف حمدان: "لقد استغلت السلطات الإسرائيلية ذلك لتسهيل مساعيها لتفريغ البلدة
القديمة البالغ عدد سكانها ما بين 8000 و10000 شخص، للاستيلاء على العقارات فيها
وكل ذلك بادعاء أنها أملاك غائبين، وفلسطينيو عكا لا يستطيعون شراءها، والخطر هنا
يكمن في الصراع بين الطمع الرأسمالي والصراع القومي، على غرار ما يجري لأحياء السود
في الولايات المتحدة، وقد حولت البلدية العقارات في البلدة القديمة إلى سوق عقاري،
يستهدف الوجود العربي فيها، مما يشكل خطر على مستقبل الوجود العربي في البلدة
القديمة".
ومثلاً الحمام الصغير وخان العمدان تم بيعها للمستثمرين بريطانيين بـ12 مليون شيكل،
واليوم هي تعاني من إهمال متعمد. هذا بالإضافة إلى عملية تهويد أسماء الشوارع
والحانات والساحات في عكا، حيث قامت بإطلاق أسماء عبرية، ومثال على ذلك قصة الميناء،
حيث أطلق عليه اسم "الرمبام- رابي موشيه بن ميمون" ومؤخراً قامت البلدية بإطلاق اسم
أحد قادة سلاح البحرية الإسرائيلي، وسط معارضة السكان الفلسطينيين الذين يطلقون
عليه اسم "مرسى عيسى العوام".
ويستدرك حمدان قائلاً: "تغيير أسماء الشوارع والحارات في عكا القديمة، يمكن مشاهدته
خلال السير في شوارع وأزقة البلدة القديمة، حيث تحمل اللافتات أسماء لا تمت بصلة
إلى المدينة وسكانها وتاريخهم، وقد تم تغيير أغلب المسارات السياحية والمركزية في
عكا القديمة وإعادة تسميتها، وكل ذلك من أجل جذب السياح الأجانب".