في البدء كان المخيم

 

من خزان ذاكرة حصار بيروت 1982

 

 نضال حمد

 

في البدء كان المخيم،ثم كانت العاصمة،ثم عاد المخيم ثم نامت العاصمة،فأستفاقت على مذبحة.. ليلة الجريمة قالوا لضحاياهم تصبحون على مجزرة .. وبعد ساعات أفاق العالم على جريمة من العيار الثقيل،مذبحة فظيعة،مجزرة مروعة.. لقد استهدفوا مخيمات الفلسطينيين في بيروت. كانوا قد اعدوا كل شيء، يتقدمهم البلدوزر وتحرسهم طيور أمريكا وإسرائيل المعدنية.. قبل المجزرة بيوم كنت أقرأ ديوان ابن المعتز،وقبله بأيام كنت قرأت بعضا من الأدب العالمي،رواية أمي لمكسيم غوركي. كنت محتجباً في غرفتي، معتزلاً، ممتنعاً عن الظهور. حجزت نفسي في شقة بعمارة ولم أغادرها لأيام عديدة سوى يوم المذبحة .. كنت سعيداً بأشعار ابن المعتز التي لم اعد اذكر منها شيئا. تابعت باهتمام بالغ أحداث أمي لمكسيم غوركي حتى قطع اهتمامي وصول الموت إلى الشارع الذي تقع عليه العمارة،وبسبب هدير جنازات الدبابات الغازية التي وصلت لمسافة قريبة من غرفتي.

أذكر أنني قبل ان افقدها بأيام كنت أسير في الحارات الضيقة،حيث الطرقات المتسخة والزواريب العجيبة.. كنت امشي بين البيوت الفقيرة،وكانت الأرض تحت قدماي ، قاسية أدكها بقدمين من لحم وعظم،وكنت بدوري امشي تحت سماء صافية لا يعكر صفوها سوى الطيران الحربي،الأشباح المعادية،المعادن القاتلة،التي تسقط على المدينة من علٍ... كانت الطائرات في السماء تبحث عن البشر على الأرض،وكنت في تلك اللحظة أسير غير آبه بالأشباح والعفاريت والطيور المعدنية. كنت في تلك المنطقة ابحث عن طفولتي ورفاق الأزقة،الأصدقاء الأحبة... ابحث عن فرحي في حزني وعن حزن المدينة في فرح الطيور المعدنية.. مع هدير الطائرات تذكرت طفولتي واشتداد قصف المطر على زينكو البيت الذي آواني صغيرا.. المطر سيمفوني الهبوط ، متنوع النوتات، متعدد الأصوات والنغمات في الليالي المخيمية الحالكة. كنت عندما لا أستطيع النوم أقوم بتحليل نوع الأنغام والمعزوفات الموسيقية،التي يوزعها المطر فوق سطح بيتنا، حيث تتحول ألواح الزنك إلى ما يشبه الآلات الموسيقية. ولا يوقف تحاليلي تلك سوى سقوط بعض المطر بالقرب مني، عبر جورة في سقف البيت ، تسمى" دلفة" ، تسقط القطرات في دلو أعدته أمي خصيصا ووضعته تحت تلك الدلفة. والدلفة عبارة عن جورة او ثقب في لوح الزنك، تتسرب منه أمطار الشتاء. معظم بيوت المخيم تعاني من الدلفات الكثيرة الموجودة في زينكو أسطحتها. ويصلح تسمية مخيمنا بمخيم الدلفات. ورغم الدلفات الكثيرة لم تستطع الطيور المعدنية إسقاط أي مظلي في مخيمنا. إذ لم يحدث أن دلف مظلي واحد إلى المخيم.

حين هوت القنابل على المدينة تخيلت نفسي سائراً مع تلاميذ مدرستي. وأمامي في مسيري أصدقاء لي من الحارة والمدرسة، ماتوا قبل سنوات بسبب المرض، أو استشهدوا في الحرب.. ها هو صبري حسين، بشعره الأجعد، الكث،وبعينيه اليقظيتين يلاحق الكلمات والجمل والتعابير في كتب القراءة. يتألق بين ابناء جيله وأولاد صفه.،كان مثالا رائعا في الاجتهاد والمثابرة والذكاء. مات صبري فجأة وقبل ان يتمكن من الالتحاق بالمدرسة الثانوية.عرفنا لاحقاً أن سبب موته كان مرض عضال ألم به. ولم نكن نعرف من مرض العضال سوى انه شقيق وتوأم لكيان الصهاينة.. رحل صبري وبقينا من بعده نحاول أن نصل إلى مستوى تألقه ولم نصل بعد...

تحدثت مع من صادفت من الأصدقاء في دربي من الحلم إلى العلم، لم اعد أذكر أي شيء من حديث الليلة الماضية،كل الذي أذكره هو ما دار بيني وبين صديقي صبري.. قبل المدرسة كان المخيم وكنا صغارا وكبر صغار الحارات والأزقة، لكن صبري لم يكبر، غاب صديقي بسبب موته مبكرا..ظل كبيراً بيننا حتى كبرنا ونسينا مكان دفنه في المقبرة..لم يشهد صبري وقفة عز رفاقه التي وقفوها في زمن الحرب... فقد غاب بسبب مرض العضال واختفت بسمته مع حنكته.

عدت من حلمي لأتابع نومي. لكني لم أكن نائما البتة،فقد كنت أسير في أزقة مخيم صبرا فوقي الطيور المعدنية القاتلة وتحت قدماي ارض ترابية غطتها بقع الدماء.وفاحت منها روائح البارود والحرائق. عادت طيورهم من حيث أتت، وعدت لاستغرق في نومي. خاصة ان النوم قل في الأشهر الأخيرة..

في حارات البؤس والحرمان، على مقربة من مدينة رياضية شيدت لتكون رمزا حضاريا ورياضيا لعاصمة مشرقية كانوا يريدونها أن تكون سويسرا الشرق، ترى بأم عينيك بؤس المكان،لا شيء يوحي بسويسريته (من سويسرا) كل ما في المنطقة يؤكد بؤس أهاليها وفقرهم الكبير. بيوت من الطين والزنك والألواح الخشبية،مخيمات فقيرة تجاور التجمعات البائسة وتتداخل بينهما حارات البؤس والحرمان. أما المدينة الرياضية فقد أصبحت فيما بعد مسلخاً لضحايا الحرب ثم مقبرة للأبرياء.

البيوت مترامية،هنا وهناك تشبه بعضها البعض، تتشارك في النصيب الكبير من الشظايا والدمار، بعضها كان منهارا تماما، كأنها بنيت من البسكويت أو صنعت من الكرتون... بيوت بلا جدران وبلا أسقف. بيوت أخرى تحولت لحفر وبرك مياه نتنة.. براكيات وبركسات من الزنك والطين والكرتون تحولت لمكبات للقمامة، وفي أحسن الأحوال لمزابل. فملاذاً آمناً للكلاب و القطط الضالة والجرذان الجائعة. كان التشابه بينها كبيراً جداً بحيث يصعب تمييز بيوت اللاجئين عن بيوت المهجرين. أمكنة وحدها البؤس والفقر والحرمان ودمرتها طيور السماء الأمريكية، وآلات القتل التي تحاصر المدينة منذ ثلاثة اشهر مضت.

هناك كنا وكانت بيروت بمهرها الكبير تقدم الكثير للوطن الكبير. لكن الكبار في الوطن تخلوا عنها وتركوها فريسة للغزاة. لم تستسلم ولم تستشهد ولم تكن سوى بيروت التي قدمنا لأجلها ما لم نقدمه لأجل أي مكان آخر. ترى لو كانت بيروت على أي بقعة من ارض فلسطين، هل كنا سنضطر للرحيل عنها رحمة للسكان المدنيين؟ لا أعتقد ذلك..

 للموضوع تتمة