انتقال المعارك إلى عين الحلوة يعني حرب مخيمات جديدة

 

بقلم : نضال حمد*

 

لم يكن مستبعداً ان تنتقل المعارك الدائرة في مخيم نهر البارد إلى مخيم عين الحلوة اكبر مخيمات الفلسطينيين في لبنان والذي يقول عنه سكانه أنه عاصمة المقاومة الفلسطينية و السلاح الفلسطيني في الشتات. فلهذا المخيم ميزات كثيرة أهمها انه الرافعة القوية والمتينة لكل المخيمات الفلسطينية في لبنان. فمنه انطلقت شرارة العمل الفلسطيني المقاوم من أجل استرداد الأرض وتحريرها بعد نكبة حزيران 1967. ومن عين الحلوة جاءت الهبة الشعبية ضد شعبة المخابرات اللبنانية المعروفة بالمكتب الثاني والتي كانت تمارس كافة صنوف الإرهاب على الفلسطينيين في مخيمات لبنان. كما كانت تحاصر المخيمات وتجعلها مناطق معزولة ومغلقة وتمارس القمع والتعذيب والقهر ضد السكان في مخيماتهم. حتى أنها كانت تمنعهم من رفع العلم الفلسطيني في المناسبات الوطنية والقومية. وهناك من أبناء المخيمات من قتل تحت التعذيب في أقبية المخابرات اللبنانية مثل الشهيد جلال كعوش، أحد أوائل الفدائيين الفلسطينيين في مخيمات لبنان. و كتب العديد من الفلسطينيين ومنهم القائد النظيف أبو ماهر اليماني والمناضل المخضرم شفيق الحوت وكذلك ابن عين الحلوة البار، الشهيد الفنان الرائد ناجي العلي عن هذا الموضوع في سيرهم الذاتية أو حكاياتهم وما يشبه مذكراتهم. وكان هؤلاء الثلاثة ذاقوا عذاب السجون في أقبية الشعبة الثانية وعرفوا معنى ان يكون المرء لاجئا فلسطينيا في لبنان. في عين الحلوة بالذات تفجرت أول تظاهرة شعبية ضخمة ضد المكتب الثاني وكان ذلك في نهاية نيسان 1969. حيث جرح واستشهد فيها عشرات الفلسطينيين. لكن إرادة الشعب انتصرت ودخلت طلائع المقاومة والفصائل الفلسطينية مخيمات لبنان. لتبدأ رحلة العمل الفلسطيني الفدائي من هناك. مر المخيم بتجارب كثيرة في ظل العمل الفلسطيني وأثناء سيطرة الفصائل الفلسطينية على المخيمات وهيمنتها على كثير من المناطق اللبنانية بالتحالف مع الحركة الوطنية اللبنانية أثناء الحرب الأهلية. وقدم مخيم عين الحلوة مثله مثل باقي المخيمات في لبنان آلاف الشهداء دفاعاً عن القرار الفلسطيني المستقل الذي باعه أصحابه في سوق الأنظمة العربية المطبعة والمستسلمة.  وفي الغزو الصهيوني للبنان وما عرف بعملية سلامة الجليل صيف سنة 1982 ، بقي المخيم يقاتل لمدة 24 يوما وهو محاصر وبنفس الوقت بيروت العاصمة التي تبعد عنه أكثر من 40 كلم أيضا كانت تخضع للحصار الصهيوني الكتائبي الانعزالي. كما لعب المخيم دوراً طليعياً وحاسماً أثناء حرب المخيمات بين حركة أمل والفلسطينيين، حيث تمكنت القوات الفلسطينية في مخيم عين الحلوة من التأثير على معادلة الحرب، واستطاعت اقتحام بلدة مغدوشة الاستراتيجية الحصينة المشرفة على المخيم، وتمكنت من دحر قوات حركة أمل عن كثير من البلدات والمواقع في منطقة شرق صيدا. مما اثر سلباً على الحركة وإيجاباً على المخيمات الفلسطينية المحاصرة، سواء في الرشيدية وبرج البراجنة وصبرا وشاتيلا. وامتاز مخيم عين الحلوة عن بقية المخيمات بأنه لم يكن في يوم من الأيام خاضعا لسيطرة فصيل واحد. حيث ظلت موازين القوى فيه تتأرجح بين اليمين واليسار. وفي هذه الأيام يمكن القول بكل وضوح وبساطة ان من يملك القوة الميدانية في عين الحلوة هما فتح بكل مجموعاتها المختلفة والمنوعة والمتفرقة والمتصارعة فيما بينها وعلى الطرف الآخر التيار الإسلامي المتشدد، ممثلاً بعصبة الأنصار التنظيم الإسلامي المحلي الذي برز على الساحة بداية التسعينات من القرن الماضي. وقد برز تنظيم عصبة الأنصار بالذات بعد اغتيال مؤسسه وزعيمه الشيخ هشام الشريدي على أيدي مسلحين من حركة فتح التابعة للرئيس الراحل ياسر عرفات. وحاولت فتح مرارا حسم المعركة مع العصبة لكنها فشلت ومنيت بخسائر جسيمة في الاشتباكات الأخيرة التي شهدها المخيم قبل أكثر من ثلاث سنوات على اثر اغتيال عبد الله الشريدي نجل الشيخ هشام مؤسس العصبة. وفي حينها أعلن مسئول كبير في فتح والمنظمة بلبنان عبر وسائل الإعلام انه هو الذي أمر باغتياله ولم تقدم فتح ولا منظمة التحرير الفلسطينية ولا المسئول المذكور اعتذارا من أهالي الضحايا الأبرياء الذين قتلوا خلال عملية اغتيال عبدالله الشريدي. كما لم يدفعوا تعويضات لتلك العائلات. عبد الله الشريدي الذي اشتهر بتصرفاته العصبية وأحيانا الدموية كان بدوره انشق عن عصبة الأنصار وأسس عصبة النور. لكن هذه المجموعة لم تعمر طويلاً بعد اغتياله فتلاشت وانتهت بمقتله. في نفس الوقت برزت مكانها مجموعة صغيرة تسمى جند الشام تمركزت في المنطقة الحرام بين عين الحلوة وحي التعمير في أطراف المخيم وهي بغالبيتها من اللبنانيين وفيها بعض الفلسطينيين والعرب. وتتمركز بالقرب من أحد أهم معاقل عصبة الأنصار ومنزل زعيمها أو أميرها عبد الكريم السعدي ( أبو محجن). المطلوب بدوره للسلطات اللبنانية بتهم أمنية عديدة. والذي توارى عن الأنظار منذ عدة سنوات. تمتاز عصبة الأنصار بأنها تنظيم فلسطيني بدون شك، الغالبية الساحقة من أعضاء العصبة من أبناء مخيم عين الحلوة. ولدى العديد منهم تجارب سياسية وعسكرية وأمنية في الفصائل الفلسطينية اليسارية والقومية والوطنية التي تركوها بعد تحولهم للتيار الإسلامي السلفي الجهادي. وأصبحت العصبة ممثلة في لجنة التنسيق للفصائل والقوى الفلسطينية واللجنة الشعبية في مخيم عين الحلوة. حيث مع مرور الزمن واكتساب التجربة السياسية والتنظيمية صارت اقل تشجنا وعصبية. هذا بالرغم من قيام الإدارة الأمريكية بوضعها على قائمة الإرهاب الأمريكية. وبامكان عصبة الأنصار أن تلعب الآن دورا هاما وأساسياً في لجم جماعة جند الشام ووقفهم عند حدهم في عين الحلوة بالذات. لأن جند الشام لا تستطيع الاستمرار طويلاً في حال رفعت العصبة الغطاء عنها. لكن السؤال الهام الذي يدور في الرؤوس هل ستسمح حركة فتح للعصبة ان تمارس هذا الدور دون مشاكل وتدخلات؟ فتحرك العصبة بهذا الاتجاه قد يفسر من قبل أطراف في فتح على انه سحب للبساط من تحت أقدام فتح. من المنطقي القول ان أي تحرك يصب في خانة وقف جند الشام يصب في خدمة المصلحة الفلسطينية وفي خدمة المصلحة اللبنانية. خاصة ان ما يدور في نهر البارد ينذر بكوارث على المخيمات وعلى لبنان. وإذا لا سمح تمدد القتال لمخيم عين الحلوة فان الأمور ستزداد تعقيداً. وستدخل المنطقة ما يشبه حرب مخيمات جديدة شاملة. والضحية الأولى لهذه الحرب هم أهالي المخيمات من اللاجئين الفلسطينيين الذين يحرمون منذ النكبة من ابسط حقوقهم المدنية في لبنان. وقد كانت المرحلة السابقة خاصة في التسعينات من القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة سيئة جداً للفلسطينيين هناك. إذ سنت القوانين العنصرية ضدهم من قبل البرلمان اللبناني والحكومات المتعاقبة باستثناء حكومات الدكتور سليم الحص، الذي وقف موقفاً مبدئياً وقوميا مشرفاً في هذه القضية. واستطاع إلغاء بعض القوانين الظالمة بحق الفلسطينيين، التي سنت في عهد حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري. ولازالت وسائل الإعلام اللبنانية المرتبطة بالسياسة الأمريكية تشن حروبها على المخيمات والوجود الفلسطيني في لبنان بشكل مستمر. وازدادت هذه الحرب شراسة مع الجريمة التي اقترفتها مجموعة من فتح الإسلام بحق الجنود اللبنانيين في طرابلس. إن الأخطر في كل ما يحدث الآن هو محاولة إقحام المخيمات الفلسطينية في تصفية الحسابات اللبنانية خاصة ان لبنان بلا حكومة فعلية ولا يوجد إجماع على حكومته ولا على رئيسه. ويعاني من انقسامات مذهبية وطائفية و عائلية وحزبية رهيبة. واكبر دليل على ذلك الأزمة الدستورية والسياسية والرئاسية التي تعصف بالبلاد. على الفلسطينيين ان يقفوا سدا منيعا بوجه الاقتتال مع الجيش اللبناني وان يرفضوا توفير الغطاء لأي مجرم حقيقي فار من العدالة أو مرتكب لجرائم ضد الجيش والدولة في لبنان. وبنفس الوقت على الحكومة اللبنانية أن تعي خطورة أي عمل عسكري تنوي القيام به في مخيمات لبنان.  وأن تعطي الفلسطينيين حقوقهم الإنسانية والقانونية والاجتماعية والسياسية أسوة بالمواطنين اللبنانيين. فمنحهم الحقوق لا يعني التوطين بل يعني تسهيل ظروف حياتهم وإعطائهم فسحة أمل. ولا حاجة هنا للتذكير بان الفلسطينيين يرفضون التوطين ويتمسكون بحقهم بالعودة إلى ديارهم التي هجروا منها بالقوة والإرهاب. وفي الختام على الحكومة اللبنانية إن كانت جادة في هذا الموضوع ان تبحث عن الذين مولوا وشجعوا وساندوا ودعموا وأقاموا الممرات الآمنة للجماعات التي تقاتلهم هذه الأيام وبالذات فتح الإسلام. إذ أن لبنان ليس بحاجة لحرب جديدة ولا المخيمات الفلسطينية تنقصها مجازر جديدة. لأنه يكفيها ما ذاقته من ويلات ومآسي ومذابح ومجازر على أيدي الفاشيين اللبنانيين المعروفين بارتباطهم بالكيان الصهيوني وغيره من الدول الأجنبية.

 

* مدير موقع الصفصاف الإخباري العربي النرويجي