عن الرجال والبنادق- رشاد أبوشاور
 

04/07/2007

عنه هو أكتب، لا لأذكّر، والذكري تنفع المؤمنين، فمن العار أن يحتاج للتذكير به، فهو لا ينسي رغم قتامة أيامنا الراهنة.

 أكتب لمن كتب لهم، وعنهم ليقرأوه من جديد...
أكتب لها، هي نجمتنا، ودليلنا، التي نسري إليها مبللين بندي الفجر، كأنما نحن في سباق تتابع، نتسلّم من أيدي من سبقونا (الأمانة) ونركض بها غير متريثين، أو متلكئين، أو متوانين، أو متقاعسين، أو يائسين، من طول المشوار، وصعوبة المعوّقات.
هو الذي كتب (عن الرجال والبنادق)، وكتب عن ابن الخالة (أم سعد) التي انبتت عرق الكرمة في إناء متواضع، ليخضّر، وتعاملت مع القصفة تلك كما مع ابنها (سعد) الفدائي البسيط، النبيل، الشجاع، وريث قيم الرجال الذين صعدوا الجبال وتآخوا مع قممها، فاشرأبّت نفوسهم، وحلّقت عاليا رؤوسهم الواضحة القسمات.
في غمرة حزني، وأنا أختلس دقائق من يوم جهنمي الحرارة، خرجت من (الفندق) إلي بوّابة الصالحيّة بدمشق. تناولت صحيفةً محليّة، وصحيفة (الحياة)، فإذا من بين طيّاتها ينسلّ كتاب ظننته دخلها بالغلط، وإذا البائع الطيّب يهمس لي:
ـ الكتاب هديّة..أستاذ !
وتكون المفاجأة أن الكتاب طبعة شعبيّة من (عن الرجال والبنادق)، وهو يأتي في وقته، في مطلع شهر تموّز، حيث نستعيد في الذاكرة واحدة من أشنع جرائم عدونا: اغتيال المعلّم غسّان كنفاني يوم 8 تموّز 1972.
كأنني لم أقرأ الكتاب من قبل، أدهش للمقدمة الأخّاذة، الأنيقة، البارعة، العميقة، التي كأن غسّانًا كتبها الآن، وليس في العام 68: نمت متأخرا جدا، . كان كاتب صيني اسمه (سان تسي)، عاش قبل الميلاد بعدّة مئات من السنين، قد اجتذبني تماما، وفكّك تعبي، واصطاد انتباهي (علي ان ذلك كلّه خارج الموضوع الذي سأكتب عنه )، وكتب يقول: إن الحرب حيلة، إن الانتصار هو أن تتوقّع كلّ شيء من عدوّك، وألاّ تجعل عدوّك يتوقّع. كتب يقول:إن الحرب مفاجأة، كتب يقول إن الحرب سطوة المعنويات، كتب يقول...ولكنّ ذلك خارج الموضوع.
يوقظه من نومه ـ غسّان كنفاني نفسه ـ صوت، يخبره بحملة تبرعات لجمع ألعاب لأطفال الفلسطينيين في المخيمات في الأردن: قال لي: لدي فكرة، سنجمع ألعابا للأطفال ونرسلها إلي النازحين في الأردن، إلي المخيمات، أنت تعلم، هذه أيّام أعياد...
كنت نصف نائم: المخيمات، تلك اللطخات علي جبين صباحنا المتعب، الخرق البالية التي ترفّ مثل رايات الهزيمة، المرميّة بالمصادفة فوق سهوب الوحل والغبار والشفقة...
هنا توقفت، وكان بودي لو أنقل المقدّمة كاملة ليطّلع القرّاء الذين لم يقرأوا روايات، وقصص، ومقالات، وسجالات..غسّان، لم يتأملوا عمق الأفكار، وبلاغتها، وتجددها.
منذ أشهر وأنا أهيئ لاحتفالية بـ(يوم الكلمة والشهادة )، في شهر تمّوز، وفي مخيّم اليرموك.
علي أن يكون اليوم جسرا بين يومي استشهاد غسّان كنفاني وعبد الرحيم محمود، وأن نرفع صور معلمينا، ومبدعينا، في مسيرة يشارك فيها كتّاب يسيرون تحت صور وكلمات من سبقوهم، رافعين شعارات تليق بهؤلاء، ترفرف فوق رؤوسهم راية فلسطين ـ وهل من راية غيرها يليق أن تعلو في يوم الكلمة والشهادة؟ـ وعلي الجدران ملصق يضمّ صور كل المبدعين الشهداء: عبد الرحيم محمود، نوح إبراهيم، ناجي العلي، حنّا مقبل، علي فودة، وائل زعيتر، عز الدين القلق و...والمعلمّة التي توقّف قلبها سميرة عزّام، وهي في السيّارة قادمة من بيروت إلي الأردن، لتطّلع علي المأساة الجديدة: مأساة ونكبة حزيران، والتي عاد السائق والمسافرون الذين أرادوا أخذ قسط من الراحة في المدينة الأردنيّة (جرش)، بعد رحلة طويلة من بيروت عبر دمشق، فوجدوها تحملق في أهلها المشردين المرميين تحت الأشجار في العراء، بعد أن طلبوا النجاة بأسرهم إثر الهزيمة التي صعقتهم..وقد توقف قلبها حزنا وألما!
لم يتفطّن المتحاربون هذا العام ـ وهل تفطّنوا من قبل ـ للوقوف عند ذكري: غسّان، وعبد الرحيم، وناجي العلي، وسميرة عزّام، وقراءة رواياتهم، وقصائدهم، وقصصهم، قلا وقت لديهم خارج السرقات والفساد والاقتتال والزعبرة علي الفضائيات.
دار (المدي) تذكّرت فأعادت نشر (عن الرجال والبنادق) ـ مع رفضي لنهج صاحب الدار ودوره ـ وعدّة صحف عربيّة بالاتفاق مع تلك الدار وزّعت الكتاب هديةً.. فشكرا.
موقع الكاريكاتور السوري، أعلن عن مسابقة دولية لرسم الكاريكاتور عن موضوعين: ناجي العلي و..فلسطين، وهما الأم والابن، كما غسّان وفلسطين، كما عبد الرحيم وفلسطين، وحدد الموقع يوم 25 تمّوز الجاري كآخر موعد لتسلّم المشاركات.
أطلق القتلة علي ناجي الرصاص في تمّوز و..صارع الموت بعناد طيلة شهر، حتي فاضت روحه.
غسّان وناجي لم يكونا لفلسطين وحدها، فهما عربيّان بامتياز، جسّدا عروبة فلسطين في كل كلمة، ولوحة، ومبكّرا شخّصا أقلمة القضيّة، وحذّرا منها.
في لوحات ناجي الفدائي إنسان واع بالفطرة، والكوفية توضّح انتماءه، ولا تخفي وجهه. الفدائي في أدب ولوحات غسّان وناجي واضح وبلا أقنعة، هويته إنسانيته، وعلامته النفسيّة المميزة: الكرامة والشهامة.
في قصص وروايات غسّان: الفلسطيني أمام تحد، فإمّا الخروج من زمن (الوحل) واللجوء، والهزيمة، أو نفاية علي المزبلة إن هو ضلّ الطريق كما في (رجال في الشمس).
وأنا في بيروت كتبت في لحظة قهر وغضب وإدانة: احذروا عودة أبي الخيزران...
أبو الخيزران) هو السائق ـ القائد الخصي ـ الذي ضلل منكودي الحّظ ودفنهم في جوف الخزّان، والذين ماتوا اختناقاً، وألقي بجثثهم علي مزابل الكويت.
هل من جديد سيدخل شعبنا في الخزّان ليقوده رجال زمن الوحل، الرجال القّش، والمقنعون الذين بلا ملامح، الممسوحون عقولاً ونفوسا، والسفهاء الصلفون الردّاحون علي الفضائيات؟!.
هؤلاء المبدعون نستعيدهم كلمات وفنا لنواجه زمن الجهل، واللصوصيّة، دفاعا عن الرجال والبنادق، بنادق المقاتلين، لا القتلة والمتقاتلين، دفاعا عن (أم سعد) وكّل الأمهات الصابرات المضحيّات.
انتبهوا جميعاً !
شعبنا هو الذي أنجب هؤلاء: عبد الرحيم محمود، غسان كنفاني، جبرا إبراهيم جبرا، إبراهيم طوقان، أبوسلمي، إحسان عبّاس، محمد علي الطاهر، أنيس صايغ، إسماعيل شموّط، رياض البندك، سلفادور عرنيطة، يوسف خاشو، إميل لاما..هل أضيف؟ الصفحة لا تتسع، والذاكرة تفيض بهؤلاء الذين أنجبهم شعب فلسطين، هؤلاء هم وجه شعبنا، وليس المقنّع وسفهاء الفضائيات والفساد...

القدس العربي

***********************************************************************************************

 

      ياسين رفاعيّة الحزن،والشقاء،والحّب،والإبداع

              شهادة:رشاد أبوشاور

صبي الفرّان، بائع الكعك، المولود في حارة ( العقيبة) الشعبيّة الدمشقيّة العريقة _ لن أذكر تاريخ ميلاده ، فهو لن يغادر الطفولة،وإن تكلل رأسه بالشيب _من أين تسرّب كّل هذا الحزن إلى روحه،ولماذا رأى الحزن في كّل مكان،وهاله مبكّرا أنّ العالم يغرق ؟! لم تكن الشام، شام الياسمين،والمشربيات،والبيوت التي يستظّل أهلها تحت أشجار النارنج،ويلأتنسون في العصاري حول النوافير ، والبحرات في البيوت الأليفة،ويخرجون جماعات في السيرانات ليبتهجوا بالغوطتين ..بلاد حزن في طفولة ياسين،فمن أين طفحت نفس الفتى الدمشقي بكّل هذا الحزن، وهيمنت الرؤية المتشائمة بغرق هذا العالم ؟!

في قصصه الأولى التي يعترف بأنه كتبها ببراءة، وعفوية،وبقليل من الخبرات الفنيّة،لا ينغلق ياسين على نفسه،وكأنه هو الفرد الأحد، الذي يرى الدنيا من خلال ذات منغلقة متشرنقة منطوية على هواجس شخصيّة.

المطر،القصّة الأولى في مجموعته( الحزن في كّل مكان)، يكتبها ( صعلوك) حبّيب، تمتحن حبيبته إخلاصه للحّب بأن تطلب منه الدعاء بهطول المطر على الأرض المجدبة، فيكون أن يستجاب دعاء القلب المحّب الطاهر، فتتيقن الحبيبة من صدق حب حبيبها لها . يركض الحبيب الشاب مبتهجاً،مشاركاً الناس فرحهم بانتهاء زمن القحط.

ياسين كأنما يردد مع الشاعر الصعلوك :

 فلا نزلت عليّ ولا بأرضي

سحائب ليس تنتظم البلادا

إنه غيري كبطل قصّته، ولأنه كذلك فقد حمل حزن الآخرين وهمومهم مبكّراً، هو الذي شارك الفقراء من أترابه،ومّمن هم أكبر منه، شقاء العمل في الفرن،وبيع الكعك،والجوع، و..انتظار مطر ينتظم البلاد جميعها، والعباد جميعهم ...

ياسين رفاعيّة كاتب أخلاقي،منذ قصصه الأولى، ولذا فهو حزين لانعدام العدل،وافتقاد روح المشاركة.

القاص الذي لفت الانتباه بمجموعتيه القصصيتين الأوليين،قفز بعد سنوات،من كاتب دمشقي، سوري محلّي، ليحقق مكانةً مرموقةً كقاص على مستوى عربي،بمجموعته القصصية الباهرة ( العصافير)،التي حلق فيها بأجنحة الشعر، وبالشفافيّة الإنسانيّة العميقة،وبقوّة الخيال،واستبصار يغوص في عمق النفس الإنسانيّة.

 بعد العصافير،أضاف ( الرجال الخطرون) وهاجسه امتهان كرامة الإنسان العربي، والقمع الذي يسحق آدميته ويشوّه روحه، ويقهره، ويستبيح حياته ويحولها إلى جحيم.

ولأن ياسين رفاعية نبع حكايا لا ينضب، وخبرات إنسانيّة وتجارب معيشة، ولأنه طوّر ثقافته ومعرفته بأسرار الفّن القصصي، وتلافى نقص التعليم في المدارس الثانوية والجامعة، فقد فجّر طاقاته في أعمال روائيّة رياديّة،أولها روية( الممر)،رواية الحرب الأهليّة المجنونة التي مزّقت لبنان واللبنانيين،ودمّرت المدينة التي أحّب : بيروت .

بروحه المتسامحة،كتب روايته ( الممر) ،بروح الإنسان المحّب الذي يرفض أن يقسّم المواطنون إلى مسلم ومسيحي،وأن يقتتلوا على الهويّة.

بطل الرواية المحّب المتسامح،وضعت على صدره الفتاة المسيحيّة التي أنقذها صليبا،هو الذي ضحّى بحياته، ماشياً على طريق المسيح ، مصلوباً افتداءً للناس ...

بعد ( الممّر) يقدّم ياسين رفاعيّة رائعته،نعم رائعته : (مصرع الماس)،رواية الكبرياء،والشرف، و(الزقرتيّة )، رواية موت البطل الذي بموته يعلي من شأن البطولة ، ويبقيها معلماً يرنو إليه الناس، ليكون قدوة ...

رواية مكثّفة، متقنة، غزيرة الشاعريّة، هي رواية ( الحارة) وناسها، بل هي رواية الإنسان في كّل مكان،لأنها رواية قيم، والمحلّية هنا ليس انغلاقاً ، ولكنها تواصل بين البشر ، فالخصائص الإنسانيّة موجودة في نفوس البشر أجمعين وإن اختلفوا لغةً ، وجغرافيا ، وظروف حياة ...

ياسين رفاعية،في بعض أعماله الروائيّة، والقصصية،متح من تجربته الحياتيّة، كما في رواياته ( وميض البرق) التي نتعرّف فيها على أشخاص التقيناهم في الحياة،وعرفناهم بالأسماء والملامح، ولكنهم في الرواية يعيشون حياةً مختلفةً، تتميّز بانكشاف أعماق لا تراها العين في سلوكها اليومي.هي ليست مذكرات،ولا سير، ولكنها روايات التجربة الشخصيّة فيها توظّف لقول فنّي بديع يستمتع به القرّاء،ويقبلون عليه، هم الذين لم يتعرفوا على بعض ملامح عبد الله الشيتي مثلاً ،أو غيره من رفاق ياسين ...

شخصيّاً لم أقرأ في السنوات الأخيرة رواية فيها كّل هذا الموت، والحب، ولوعة الفراق،كما في رواية ( الحياة عندما تصبح وهماً ).

بطل الرواية يغسّل زوجته،يقلّب جسدها،يتأملها ، يحوّل لحظة الفراق إلى حالة تأمّل محموم في سؤال الموت ولغزه . هذه الرواية امتداد معاصر ل( حي ابن يقظان)،وأكثر حميميّة، لأن الروائي هنا يقدّم ( الحياة)،والعلاقات الإنسانيّة لبشر من لحم ودم ،في زمن ومكان معروفين، وليس أسئلة فلسفيّة مجرّدة .

رغم هيمنة الموت،وثقله،ورهبته،فإن ياسين وأمل _ زوجته ورفيقته الشاعرة والإنسانة، وهما بطلا الرواية، ومبدعاها معًا_عاشقا الحياة، يلقنانا أسرار الأشياء البسيطة، التي لا تلفت الانتباه ، ويدعواننا لعدم المرور عليها مروراً عابراً ، يلحان علينا أن نعرفها ، نتأملها ، نحبها، نستمتع بها قبل فوات الأوان .

أمل في الرواية، التي هي زوجة الكاتب، أقصد أمل جرّاح،التي بدأت معاناتها مع مرض القلب منذ مطلع الصبا،ومفتتح رحلة الحياة الزوجيّة_  فكأنما الحياة تغرق ياسين بالحزن محققةً له نبوءته كما في قصصه الأولى،وتلاحقه في كّل آن ومكان من دمشق إلى بيروت إلى لندن _ أمل عند الخروج من المستشفى،والعودة إلى البيت، تقبّل خشب الباب، تربت على الهاتف كأنه طفلها ، الهاتف الذي ياما سمعت أصوات الأحبّة عبره، تتلمّس أصابعها الطاولة بوّد وشوق..وهل علاقتنا بالطاولة بسيطة ؟ اليست تجمعنا حولها، تتحاضن أيدينا عبر فضائها ؟! تتشمم أمل الصحون ، تريح رأسها على الثلاّجة ...أيها الناس التفتوا للأشياء البسيطة ففيها بعض أرواحكم،وأنفاسكم،وذكرياتكم ،لا تسرعوا في عيش الحياة ، اشربوها على مهل بتلذذ لتهنأوا باللحظات، جرعةً جرعة ، قطرة قطرة ...

 ياسين ابن الحياة ، المتعطّر دائماً،النظيف الأنيق دائماً ، الذي يمشي وئيداً على رؤوس أصابعه ، هذا الياسين رفاعية داعية لحّب الحياة ، مترهّب في حبّها،رغم كل بلاويها،ومصائبها التي صبّتها على رأسه ، أثقلت بها منكبيه ...

صبي الفران،بائع الكعك، التارك للمدرسة اضطراراً وهو في الإعدادي ينجز كّل هذا الفن! هذه أعجوبة ...

الحضور الكرام

مررت على ذكر بعض أعمال صديقي الكبير ياسين رفاعيّة،وقفزت على كثير مّما أبدع في القصّة القصيرة ، والرواية ..وهل أنسى ( رأس بيروت ) و( امرأة ناعمة ) والرواية الشجاعة الجريئة ( أسرار النرجس) الرواية الكاشفة ، النابشة في عمق العلاقات،التي كتبها ياسين بمبضع الجرّاح الذي يفقأ العفن المتكيّس في عمق الجسد والروح ، بجسارة ، وخبرة ،ونقد فاضح للشذوذ المغطّى بأكاذيب وتواطآت اجتماعيّة منافقة .

التوقّف عند كّل عمل يحتاج وقتاً طويلاً، وما يخفف شعوري بالتقصير أنني كتبت الكثير عن روائع ياسين القصصية والروائية .

أنا لا أتذكّر مهما بذلت من جهد متى بدأت صداقتنا، ياسين وأنا، ولكنني متيقن جدّاً أنها بدأت كالحب من طرف واحد، منذ قرأت مجموعتيه الأوليين،وعندما صدرت (العصافير) كانت بيننا صداقة،وهكذا كبرت صداقتنا مع دفق رواياته ، ومجموعاته القصصية،وكتاباته للأطفال. وبالمناسبة هو طفل كبير ولذا لا عجب أن يقّص على الأطفال أحسن القصص .

ياسين رفاعية إنسان من ياسمين،وعطر،أنيق دائماً ،في أوج حزنه تراه أنيقاً، معطرّاً ،حليقاً ، بطلّة مهيبة ، فكأنما أمل تحرسه وتعنى بأناقته،وهي في العالم الآخر،هي ابنة الشام، زارعة الورد على شرفة ( عشّهما) في راس بيروت،أمل سيّدة الياسمين  ...

هو راوية ،وممثّل بارع مدهش، يستحوذ على الانتباه،ويدخل إلى القلب بحكاياته التي يعيد روايتها في كل مرّة بأسلوب جديد،وأداء جديد ، وغايته أن يسعد من حوله ، هو خفيف الدّم .

مرّات أقول : خسره المسرح وربحه الأدب ...

ياسين عاشق للمرأة،جذاب،ساحر ..يصيبني وغيري بالغيرة ، وأنا والله لا أحسده ، وإن عتبت عليه دائماً لأنه لم يلقن قلبي أسرار العشق.

حتّى سيارته يدللها،يؤنثها،يعطّرها،فإذا بك في عالم من العطر، تريح رأسك لا على الكرسي ولكن كأنما على صدر أنثوي .

كنت أخجل عندما يصعد إلى سيّارتي،وأرتبك أمام نظراته الزاجرة ، التي تتهمني بأنني أعذّب السيّارة ، أهملها.

لا تنظروا إلى شيبه الناصع الذي يكلل رأسه إن رأيتموه مع فتاة عشرينيّة،باستغراب،فهو ما زال فتى دمشقيّاً،بقلب من ياسمين، لا يكّف عن الحّب ، يواصل نشيده في الأيّام لتصير أجمل وأحلى ، وقابلةً للعيش .

بعد أن عرفّته بصديقي حنّا مقبل،وبصديقتي وأختي ريموندا فرّان ،عمل في ( القدس برّس) فقلب نمط الحياة في المكتب الفسيح،جعله أصص ورد، وفّل،وقرنفل و..مع كل صباح يرّش الأوراق، والأزهار، ثمّ يعطّر الجو و..يأخذ مكانه على كرسيه ليشرع في الكتابة بكامل أناقته،وعطره ...

ياسين رفاعيّة،وهب نفسه وحياته،للكتابة،حتى صار اسمه علمًا من أعلام الإبداع الروائي والقصصي في بلاد في كل بلاد العرب .

صبي الفرّان الذي حقق هذا كّل هذا المجد،ألا يستحق أن نحتفي به،ونكرّمه،ونأتيه من كّل بلاد العرب،لا من سوريّة وحدها ؟!

أنا شخصيّاً فخور بصداقتي لك يا أخي ياسين، وأرى اليوم روحي أمل ولينا ترفرفان هنا في هذا المكان:الأم ، والابنة، معنا،الشعر والبراءة والشباب، لتباركاك وتحفّا بك. وها حضور الإبن بسّام، والأخوة والأخوات والجيران، وحارة العقيبة ، حارة الناس الطيبين الشجعان الذين كان لهم شأن في ( الثورة) على الفرنسيين .

أخي وصديقي المبدع الكبير ياسين رفاعيّة:ها هي فلسطين تحتفي بك اليوم رغم ألمها وفجيعتها، ممثلة ببعض خيرة مبدعيها : أنت الذي كتب لها، وحملت همّها ...

معاً في بيروت كتبنا يا ياسين ، وتنقلنا تحت الطائرات المغيرة . لم تختبئ، ولا هربت،ولا انزويت في بيتك، بقيت في بيروت ولم تغادرها، فاعلاً بالكلمة الشجاعة، مع زملائك الكتّاب، والصحفيين،والمقاومين . تنقّلت معرّضاً نفسك لخطر حقيقي، وفي بيتك المضياف قاسمتنا خبز أسرتك رغم ضنك الظروف.

أعرف يا ياسين أن كلماتي اليوم فقيرة،متواضعة ، متقشّفة،فاغفر لي تقصيري ...

يا ياسين :عرفتك وفيّاً ، ولا أدلّ على وفائك من عنايتك بالفنّان الكبير نهاد قلعي ، وعونك له ماديّاً ومعنويا، وإخراجك له من حالة العزلة والنسيان .

أمّا بيتك الكريم فيكفي أنه البيت الدمشقي، بكرم وأخلاقيات الحارة،حارة العقيّبة المضيافة ، بيت ياسين وأمل ، بيت الحب، واللقمة الطيبة ، والحفاوة ، والصداقة...

ختاماً أقول لك : ياسين رفاعيّة أنا أعتّز بأنني صديقك،وأنني قرأت لك،وأنني كتبت عنك قبل ثلاثة عقود،وأنك رقيق كالياسمين، ورهيف ولامع كنصل خنجورة (ألماس) ،وأنك رقيق، طيّب،حنون كمشربيات حارات الشام العتيقة.

أتمنّى لك عمراً من العطاء،لتتغلّب على الحزن، ولوعة فراق الأحبّة،وكمد الحياة،وأحزانها ...

* شهادة الكاتب في احتفالية تكريم الروائي والقاص السوري الكبير ياسين رفاعيّة،والتي أقيمت بدعوة من وزارة الثقافة السورية يومي 26 و 27 حزيران في مكتبة الأسد بدمشق، وبمشاركة عدد من الكتّاب والأدباء العرب الذين دعوا للمشاركة في التكريم بشهادات ، ودراسات نقديّة.

 

********************************************************************************************

 
 

تحسّس رأسك

 رشاد أبوشاور
 

27/06/2007
 

هذا زمن الحق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قتله، ومتي قتله
ورؤوس الناس علي جثث الحيوانات
ورؤوس الحيوانات علي جثث الناس
فتحسس رأسك
فتحسس رأسك
هذا مقطع الختام في قصيدة الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور (الظل والصليب)، استعدته من الذاكرة، ثم عدت وقرأت القصيدة، ووجدتني أردده لنفسي في الأيام الأخيرة ثقيلة الوطء:
فتحسس رأسك
فتحسس رأسك
وكم وددت لو أستطيع إيصال صوتي حاملا هذه الكلمات التحذيرية، لكل كاتب، ومثقف، وصحافي، وإنسان عادي فلسطيني:
تحسس رأسك
لستُ أُحذر من خطر يتهددنا كأفراد، كما قد يتبادر إلي الأذهان، ولا خوفا من رصاصة أحمق مجنون محقون الرأس بفكرة واحدة، تغلق رأسه وتحيله قنبلة جاهزة للانفجار في من يؤمر بتصفيته، أو يستشم من كلامه أنه نقيض لتلك الفكرة التي حقنت بها رأسه.
فتحسس رأسك هي دعوة للاحتفاظ بالعقل مفكرا، متسائلا، مجادلا، متشككا، ساعيا لبلوغ الحق، ومعرفة الحقيقة.
في حالتنا الفلسطينية، التي بات يسيطر عليها الجنون والطيش والعصبية، لا بد لمن يحترم آدميته من الاحتفاظ برأسه يقظا، لا برأس حيوان علي جسد بشر، يمسخه الجهل حيوانا، والجهل ليس وقفا علي بشر بعينهم، وخطاب سياسي بعينه.
من خبرتي في الحياة، بت لا أستغرب كيف يتحول معتنق الفكرة بعصبية إلي وحش يتصرف غريزيا، يفترس، يتهم، يحقد علي من يختلف معه في الرأي، ولو في تفصيلة صغيرة.
سأدخل في الموضوع بعد هذا التقديم.
الكاتب الفلسطيني، المنخرط في الشأن الوطني الفلسطيني ـ هناك كتاب، وصحافيون، وأكاديميون ومثقفون فلسطينيون، فلسطين لا تعنيهم كثيرا، ولا تأخذ من (وقتهم) سوي القليل القليل، ترفعا منهم عن (السياسة)! انطلاقا من مصالحهم الضيقة في كل الأحوال! ـ يخسر كثيرا، فهو لا يرضي الفصائل الكثيرة، المتباينة، المتناقضة، وبخاصة في هذه المرحلة، وتحديدا أتباع (حماس) و(فتح) ومشايعيهما.
سأعيد إلي ذاكرة القراء بعض مواقفنا في السنوات الأخيرة.
بعضنا حذر من اتفاقات (أوسلو) ورأي فيها فخا محكما، وكمينا أمريكيا، اسرائيليا، وعربيا رسميا، ولهذا لم يزاحم علي مكسب شخصي في حميا السباق الذي أعقب تأسيس السلطة.
عندما انقضت أجهزة أمن السلطة علي قيادات (حماس) أدنا هذه الممارسات، ودافعنا عن (مجاهدي) حماس، من منطلق رفضنا للقمع، وتكميم الأفواه، وقمع حرية الرأي، والاجتهاد في اختيار الأسلوب الأنسب للمقاومة.
لما فازت (حماس) في الانتخابات الديمقراطية ـ تحت الاحتلال، وفي ظل سلطة أوسلو ـ تفاءلنا بأنها ستنجز المهمات التي انتخبت لها، وتفهمنا العقاب الذي أنزلته جماهيرنا في الضفة والقطاع والقدس الشرقية بمن اثروا، ونهبوا، وفسقوا، وفسدوا.
لم ننطلق من كراهية لفتح، فالعلاقة بين الكاتب وحزب ما، أو فصيل ما، أو اتجاه سياسي ما، لا يحكمها الحب والكراهية، ولكن القناعة بما تطرحه من أفكار، وتمارسه علي الأرض.
لم نكن قريبين من حماس، فأنا ـ ولأتحدث عن نفسي مباشرة ـ لا ألتقي مع حماس إلا في خيار المقاومة، وليس سرا أنني أنتمي لتيار قومي يؤمن بوحدة الأمة، وبأن فلسطين هي صراع وجود لا صراع حدود، وأن حرية الإنسان وكرامته هي فوق كل اعتبار.
نحن نلتقي إذا ما دامت تجمعنا (المقاومة)، ولذا حين تشبثت (حماس) بالسلطة وصار خيار المقاومة (علي الريحة) افترقنا، ورأيت في الصراع مع الأجهزة و(الأسلويين) صراعا علي السلطة، وكأن السلطة هي نهاية المطاف، وغاية الأمل ومنتهاه.
ليس غريبا أن أتلقي من الاتجاهين المشايعين لحماس وفتح تهما، بحيث أجدني في تقاطع نيران، أو اتهامات، لأنني أنتقد الطرفين، فكل طرف لا يرضي بأقل من تمجيده، والتسبيح بحمد أفعاله، والتغني بتكتيكاته السياسية، وممارساته التي لا يأتيها الباطل.


أيها السادة: لنا عقول نميز بها، ولنا عمر في النضال الوطني، نحن لسنا وافدين، ولا تابعين، ولسنا موظفين عند أي طرف، وهذه مناسبة أن نتحدي أي جهة علي هذه الأرض مددنا يدنا لها، والتمسنا رشوتها، أو دعمها، أو رعايتها.هناك صحافيون معروفون بكتاباتهم المأجورة، ومقالاتهم التي تمجد بحسب المبلغ المرسل لهم، وهؤلاء يشترون ويباعون، وهم مرتاحو الضمائر لسبب بسيط أنهم استأصلوها كما تستأصل الزائدة الدودية!
هل دافع أحد عن حماس أكثر من عبد الباري عطوان، أو كاتب هذه السطور، عندما تعرضت للملاحقة والمطاردة وسجون السلطة؟!
مع ذلك انظروا إلي مواقع الإنترنت.
أحزنني أن أحدهم يكتب: كنت أقرأك (إنجيليا، ولكنني لن اقرأ لك بعد اليوم!.. ول : أين: وجادلهم بالتي هي أحسن؟!)
قارئ يكتب: هذا يقبض من (حماس) فيرد عليه واحد من حماس: هذا يقبض من فتح!
سذاجة، وسطحية، ورثاثة تفكير، فكأن القوم وجهان لعملة واحدة في ردود الفعل، فلا محاكمة عقلية، بل عصبية قبلية.. لقد تحولت التنظيمات إلي عشائر بعصبية جاهلية جهول!
ازداد شتمنا في الأيام الأخيرة لأننا رفضنا خطيئة (حماس) في غزة، ورأينا فيها عملا طائشا،غير محسوب، وأدنا جرائم القتل والإعدامات بدون محاكمات، ولا قضاء، ولا قانون، وتشويه سمعة المناضلين بدون إثباتات، ولأننا قلنا: ما دمتم تحكمون بالإعدام علي من يختلفون معكم، ألا يكون من حق غيركم أن يعدمكم ؟!
وقلنا: التخلص من عسف الأجهزة لا يكون هكذا.. وأدنا حرق بيت الدكتور عزيزالدويك، واختطاف أعضاء حماس من بين ذويهم في الضفة، و..الحملات المتبادلة علي فضائيتي (الأقصي) و(فلسطين)... أهذا هو الإعلام الفلسطيني؟ أهذه خبراته؟ أهذه نزاهته ومصداقيته؟ أم تراه الحقن، والحقد، والبروبوغندا الموجهة المليئة بالأكاذيب، وبث الفرقة؟
حقا:
فتحسس رأسك
لا،لا يمكن أن نكون مع أو ضد.. نحن مع فلسطين، لا معكم، معها قبلكم، وبعدكم لأنها هي الباقية قضية ووطنا.
عندما انقسمت فتح عام 83 وقفت مع وحدة فتح، وقلت للمنشقين مع كثيرين: الشعارات الصحيحة لا تمنحكم مبررا للانشقاق. أنتم لن تغيروا، ولكنكم تدمرون. حوصر بيتي، ولوحقت و..اضطررت للرحيل عام 88 والاستقرار في تونس.. ومن بعد رحلت إلي ليبيا ـ لم أجد مكانا يستقبلني غيرها، احتجاجا علي اغتيال فنان الشعب والقضية الصديق ناجي العلي ـ أين ذهب المنشقون؟ وما هي نهايتهم.
واليوم ندافع عن فلسطين: لا عن حماس، ولا عن فتح .. لأن لنا رؤوسا تفكر، وترتفع بكرامة ...
فلسطين ليست لكم.. غزة لا يجوز أن تختطف كما لو أنها طائرة وليست جزءا من وطن. الضفة لا يجب أن تدار علي مقاس منتفعي (أوسلو) السعداء بما اقترفته حماس في غزة.
بين أكتافنا رؤوس فيها عقول لا مقولات جاهزة، لذا نقول لكم: ما تفعلونه في (غزة) و(الضفة) غير شرعي، فالشرعية تمنحها، فلسطين، وفلسطين محتلة، أسيرة، محاصر شعبها .. وأنتم والله بتم سبب محنتها، ومجلبة عارها.. أنتم تُحَيونُون أتبعاكم، تبدلون رؤوسهم البشرية و..تطلقونهم علينا .. أقصد علي شعبنا الفلسطيني، في غزة والضفة، وفي المنافي والشتات، أنتم فجعتمونا بكم.
ولأن لنا رؤوسا، فإننا ندعو كل أبناء وبنات شعبنا لرفض الاستجابة لشق شعبنا، وتوحيد الطاقات بالكلمة، والفعل.. للخروج من هذا الكابوس، والإطلالة علي العالم بوجه الفلسطيني الفدائي، المقاوم.. فلسطيني الانتفاضة.. لا فلسطيني الفضائيات الحاقد الذي يطل عب&#