علاء الاسواني: المثقفون خانوا الامانة
صاحب عمارة يعقوبيان وشيكاغو يرى في المصري 'شخصية كامنة يصعب التنبؤ بسلوكها
السياسي ولا تقول ما تعتقد بل ما هو ملائم'.
ميدل ايست اونلاين
الاسكندرية (مصر) – من محمد الحمامصي )
اتهم الروائي المصري علاء الاسواني قطاعا كبيرا من المثقفين المصريين بأنهم "خانوا
الامانة"، مطالبا اياهم بالتوقف عن "العمل ضد مصالح الناس".
وقال صاحب روايتي "عمارة يعقوبيان" و"شيكاغو"، في مقابلة خاصة مع ميدل ايست أونلاين،
أن الشخصية المصرية "شخصية كامنة ومعقدة وليست سهلة" كما "يصعب التنبؤ بالسلوك
السياسي للمصريين".
وحقق الأسواني منذ صدور روايتيه فمجموعته القصصية "نيران صديقة" شهرة عربية وعالمية
واسعة، فقد ترجمت أعماله إلي ما يزيد عن 27 لغة، ومثل في قوة مبيعاته ظاهرة أدبية
ليس لها مثيل في الأدب العربي الحديث، وتعد مقالاته التي يكتبها في بعض الصحف
المصرية نموذجا لرؤية المثقف من قضايا بلاده.
وفيما يلي ابرز القضايا التي تناولها الاسواني في هذه المقابلة.
المصري لا يقول ما يعتقد
أحاول أن أفهم مصر منذ سنوات طويلة عند طريق ليس فقط تجربتي المعاشة داخل المجتمع
المصري ومحاولاتي رؤية قطاعات مختلفة منه، ولكن أيضا عن طريق القراءة التاريخية
المتفحصة، الشخصية المصرية أعقد بكثير جدا مما يبدو، وذلك لأسباب أن الشعب المصري
هو أكثر شعب عانى من الاستبداد والاحتلال على وجه الأرض، نتيجة موقع مصر
الاستراتيجي الذي لا يتوفر لدولة أخرى.
لو تخيلت الخريطة بعيد عن العالم الجديد، أستراليا وأميركا، ستجد مصر في قلب العالم،
وبالتالي منذ الاسكندر الأكبر حتى جورج بوش الابن أي شخص لديه ميول استعمارية لابد
أن يسيطر على مصر، وبالتالي نحن خبرتنا مع الاستبداد طويلة جدا، عملت حاجة عند
المصريين هي نوع من الكمون، يعني الشخصية المصرية شخصية كامنة.
المصري عادة لا يقول ما يعتقد، ولكن هو يقول ما هو ملائم، وأعتبر هذا أمرا إيجابيا
وليس سلبيا، يعني لو أنت قرأت لي رواية ورأيتها سيئة جدا، لو نحن ألمان، ستقول لي
جملة واحدة: الرواية سيئة جدا، أما لو أننا مصريان، ستقول لي: على فكرة الرواية
كويسة، وبحب كتابتك، بس كان فيه بعض الحاجات كده ..!!
هذا سلوك مصري بامتياز، فالشخصية المصرية معقدة وليست سهلة، وبالتالي صعب أو يكاد
يستحيل التنبؤ بالسلوك السياسي المصري، أضرب لك مثلا ثورة 19.
عندما نفي سعد زغلول، ذهبت مجموعة من طلبة كلية الحقوق إلي بيت الأمة للقاء بعض
الباشاوات من رفاق سعد، وأبلغوهم أنهم قرروا عمل اعتصام في الجامعة، فرد الباشاوات
أن يكفي ما حدث للرجل، لا اعتصام ولا غيره، نحن نسعى مساعي حميدة مع الإنجليز
لإرجاعه.
التقارير الخارجة من السفارة البريطانية في القاهرة بعد نفي سعد تؤكد أنه لن يحدث
رد فعل شعبي، وكلها تقارير موجودة ومنشورة، وقالت أن الحياة في مصر كما هي، المقاهي
موجودة والناس تدخن الشيشة وتضحك ولا فيه أي شيء، الطلبة الذين ذهبوا لبيت الأمة
بمجرد أن تحركوا عائدين لكلية الحقوق كانت البلد كلها ولعت من إسكندرية لأسوان،
وهذا ما أقصده، أنه علينا التعامل مع التنبؤ بما سوف يفعله المصريون بحذر، لأن
تركيبتنا مختلفة، نحن لسنا الجزائريين أو الأتراك.. إلخ، المصريون تركيبة مختلفة.
ما أقوله الآن بناء على قراءاتي أننا في مرحلة مقاربة تماما للمرحلة ما بين 1946
و1952، كل من كان في مصر في تلك الفترة متأكد من أنه سيحدث تغيير ولكن السؤال متى
وكيف؟ وأن القديم -هذه هي اللحظة المهمة التي نمر بها- لم يعد صالحا، يعني أنت لو
سألت شخص في الشارع سيقول لك: النظام زي ما احنا كده مش حينفع، والجديد لم يتحدد
بعد لكنه قادم، أنا متأكد.
مثقفون لا يعبرون عن الناس
أنا أعتبر أن قطاعا عريضا منهم (الكتاب والصحفيين والفنانين المعروفين) لم يقم
بدوره، وهذا سبب من أسباب تدهور الحال في مصر، لأنه عليك ألا تنسى أنني عندما تخرجت
في كلية طب أسنان جامعة القاهرة، ثم استكملت تعليمي بأميركا، لكن عندما تخرجت في
كلية طب أسنان جامعة القاهرة كنت أدفع مصاريف 16 جنيها أصبحت 23 جنيها في
البكالوريوس، 16 جنيها مصاريف طالب طب أسنان، في حين التكلفة الحقيقية آلاف
الجنيهات.
الذي يدفع الفرق هو المواطن المصري، يعني هذا الإنسان الذي يتعذب في طابور العيش
وفي ركوب الأتوبيس، أنا تعلمت على حسابه، تخيل أن أحدهم سلفني أو صرف علي غير أبي
لكي أتعلم، أظن أن الواجب والفرض يحتم علي أن أرد له الجميل، كيف أرد له هذا الجميل؟
ان كل مثقف في مصر مطالب بأن يعبر عن مصالح الناس الحقيقية وهمومهم الحقيقية، وأنا
يؤسفني أن أقول إن قطاعا من المثقفين خانوا هذه الأمانة، لأنهم ليسو فقط لا يعبرون
عن الناس بل لأنهم في أوقات كثيرة جدا يعملون على عكس مصالح الناس، وخيانة هذا
المثقف ـ وأنا أعتبر أنه لفظ خيانة ولا يمكن التعبير عنه بأقل من هذا ـ خيانة
المثقف هذا سبب من أسباب تدهور الحال في مصر، لأنني أقارن ذلك بالمثقف في أميركا
وأميركا اللاتينية والغرب، المثقف ملتزم، ويعتبر أن الدفاع عن مصالح الناس شرفه.
هل على الناس أن يصبحوا مثليين كي تهتموا بهم؟
حتى الثمانينات كنت ممسكا -كنظام سواء سياسي أو ثقافي مصري رسمي- بالعقل المصري في
يدك، عندما كنا نريد سماع وجهة نظر مختلفة كنا نلجأ لإذاعة لندن في الساعة الثالثة
بعد الظهر، الآن لديك فضاء مفتوح وانترنت، وبالتالي أصبح هناك نوع من الرؤية
المختلفة لهذه الظواهر، أو نوع من الإضاءة الزائدة عليها، ولكني أعتقد كما أن
السلوك الجنسي العادي الطبيعي كان موجودا منذ بدء الخليقة، والسلوك أيضا المثلي أو
الشاذ كانت أيضا موجودا منذ بدء الخليقة.
وأذكر أنه في تاريخ الإسلام، خالد بن الوليد أثناء فتوحاته أرسل لعمر بن الخطاب
رسالة بليغة قال: "أما بعد، فقد رأيت في بعض أنحاء العرب رجالا تؤتى كما تؤتى
النساء". لقد ألقى القبض عليهم ولا يعرف الحكم فيهم، فعمر بن الخطاب أجرى قياسا على
قوم لوط، ومن ثم كان حكم الإعدام على الشواذ جنسيا.
إنني أعتقد أن إلقاء الضوء على المثليين زاد لكن لا زيادة في أعدادهم، وإلقاء الضوء
عليهم يتم لاعتبارات دولية وليس لاعتبارات ثقافية حقيقية في مصر، لأنه من خطأ
الإعلام الغربي هذا الاهتمام المبالغ فيه بالشواذ، لدرجة أنني سألت كثيرا عن أسباب
اضطهادنا لهم، لكني كنت أسأل هل لابد أن تصبح الناس شاذة حتى تهتمون بهم؟
الناس تعاني في طوابير العيش، وهناك ثلاثون أو أربعون ألفا معتقلين منذ ما يزيد عن
عشرين عاما، هل مشكلة هؤلاء أنهم ليسو شواذا حتى يجدوا من يلقي الضوء عليهم وعلى
معاناتهم، الإضاءة على الشواذ قادمة من الخارج لكن الظاهرة موجودة لا زدت ولا نقصت،
لكن أصبح لديك وعيا جديدا من الفضائيات والإنترنت.
رواية جديدة عن اربعينيات مصر
عندما ترفض (رواية نيران صديقة) ثلاث مرات (1990، 1994 و1998) وتحبط وتستمر وتنجح
ثم تنجح جدا وتترجم لـ27 وتحتفل بالنسخة المليون لرواية يعقوبيان في غير اللغة
العربية، ثم أعمالك الأخرى تزيد عن هذا، وبعد ذلك تأخذ هذه الكتب الثلاث التي رفضت
هناك وتنشرهم في كتاب، ستصل ترجمته إلى ما يزيد عن 27 لغة، صدرت بالفعل الترجمة
الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وحققت نجاحا كبيرا جدا، هذا توفيق من عند الله
أولا، وثانيا رسالة إلهية أنه نوع من التقدير ربما كنت أستحقه في وقت ما ولم أحصل
عليه، فأراد الله أن لا يضيع أجري "إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا".
وكل مرة كنت أطبع على نفقتي أو على نفقة أصدقاء يحبونني طبعة بسيطة 500 نسخة.
هناك جمهورية أدب وهي أفضل الجمهوريات على وجه الأرض في التاريخ الإنساني، وقصدت
جمهورية الأدب أنك أمام رواية أو قصيدة تتحول إلى مواطن في جمهورية الأدب سواء كنت
هنديا أو مصريا، مسلما أو يهوديا أو مسيحيا.
الأدب يتعامل مع جزء إنساني راق، ومن خبرة طويلة وعريضة مع القراء الغربيين لا يوجد
أي فرق إطلاقا بين قارئ الرواية في أي مكان في العالم طالما هو المواطن البرازيلي
أو المصري أو الإنجليزي. أمام الرواية هو قارئ يتخلص من كل المشكلات والعقد
السياسية والنفسية والثقافية التي تصنع الجحيم في العالم أثناء الحياة اليومية،
إنني أنا مسلم وهذا مسيحي، لأنك أمام الرواية أنت قارئ، لذا قلت أن جمهورية الأدب
هي أجمل الجمهوريات على الإطلاق، وهي جمهورية يدخل فيها كل قراء الأدب.
لقد قلت وهذه ليست كلمتي وإنما كلمة ماركيز "أن الموضوع الجيد لا يصنع بالضرورة
رواية جيدة"، لنفترض أن موضوعي جيدا وأن أكتب بشكل غير جيد، سوف أخرج رواية غير
جيدة، إنني مقتنع بها، بكلمة ماركيز " الموضوع الجيد لا يكفي بالضرورة لكتابة رواية
جيدة لكن الرواية الجيدة تقدم بالضرورة موضوعا جيدا" حتى ولو كانت هذه الرواية قصة
حب عادية وهي رواية جيدة سوف نكتشف من خلالها جوانب من مشاعر الحب كنا نمارسها ولم
نكن نفهمها، وبالتالي فكرة أن الموضوع كفاية، لا.. الموضوع ليس كافيا.
الموضوع في الأدب ليس كافيا، نفترض مثلا أنني أريد أن أعرف عن المجتمع الأفغاني، لو
أعطيتني رواية 700 صفحة مملة وسيئة لن أقرأها، سأدخل على الإنترنت وأتصفح مقالات عن
المجتمع الأفغاني أفيد، إنني أحاول الدفاع عن قيمة الأدب الفنية الخالصة بعيدا عن
العنصر السياسي والاجتماعي، أحاول الدفاع عن القيمة الفنية الصرفة للأدب.
عادة من الخطر البالغ أن أتحدث عن أي موضوع أثناء الكتابة، ولكنى أتمنى أن أنجزها
في العام القادم، وهي رواية كبيرة وتحدث في مصر خلال الأربعينيات.
06-2009