رائحة الميرامية' وممكنات السرد - شوقي بدر يوسف


شكّل النص الروائي لسناء أبوشرار حالة خاصة من حالات السرد الروائي الجديدة استلهمت فيها شريحة من الحياة.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: شوقي بدر يوسف

حتى إذا مت هل ستموت الحياة؟


(ماجد أبو شرار)


مقدمة لا بد منها


سناء أبو شرار هي الضلع الثالث من مثلث أدبي متساوي الأضلاع، الضلع الأول فيه هو الشقيق القاص الشهيد ماجد أبو شرار صاحب مجموعة "الخبز المر"، وصاحب الإرهاصة الأولى في هذه التجربة السردية المتميزة لعائلة أبو شرار، والضلع الثاني بشرى أبو شرار القاصة والروائية صاحبة مجموعات "أنين المأسورين" و"القلادة" و"جبل النار" و"اقتلاع" وروايات "أعواد ثقاب"، و"شهب من وادى رام"، و"من هنا.. وهناك"، و"شمس"، أما الضلع الثالث فهو الأخت الصغرى القاصة والروائية سناء أبو شرار صاحبة مجموعتى "اللاعودة"، و"جداول دماء وخيوط الفجر"، وروايات "أنين مدينة"، و"غيوم رمادية مبعثرة"، و"رائحة الميرامية".

لم يصدر للشهيد ماجد سوى هذه المجموعة القصصية الوحيدة التي نشرت أقاصيصها في مجلة "الأفق" المقدسية في مطلع الستينيات من القرن الماضى، وقد مثلت هذه المجموعة التي جمعها له القاص والروائي الفلسطينى يحيى يخلف علامة مهمة في القص الفلسطيني الحديث.

بعد استشهاد ماجد، أبت شقيقتاه إلا أن تكملا المسيرة الأدبية لهذا القلم المناضل الذي رحل وهو في ريعان الشباب، وفي عنفوان تألقه الفكري والأدبي، وعلى الرغم من أن عدد الأخوة في هذه العائلة كان كثيرا ذكورا وأناثا، إلا أن هذا المثلث وسط هذه الكوكبة من أسرة عبدالقادر محمد أبو شرار كان متميزا بأنه صاحب توجه خاص، إذ حصل الثلاثة ماجد وبشرى وسناء على ليسانس الحقوق وعملوا في مجال المحاماة، وكأن قدرهم كان في هذا المجال، الدفاع عن الحقوق المسلوبة في أي مجال من مجالات الحياة، حيث كانت تجربة الوطن السليب فلسطين هي المحرك الرئيسي لهذا التوجه، كما كان الأدب القصصي أيضا هو الشريان المشترك الذي جرى في عروقهم، لذا نجد أن الأخ الأكبر في حقل الأدب كان قاصا وكاتبا له قيمته في القصة الفلسطينية المعاصرة ومثلت شقيقتاه بدورهما جانبا مهما في الكتابة القصصية والروائية الفلسطينية الحديثة وكأنهما كان امتدادا لهذا الشريان المهم الذي رحل في زمن مبكر.

تلك كانت مقدمة لا بد منها للوقوف على ماهية ما نحن مقبلين عليه في من خلال التصدي نقديا لأحد الروافد المهمة لإبداعات هذه العائلة القصصية وهي رواية "رائحة الميرامية" للكاتبة سناء أبو شرار.


النص وممكناته


تعتمد رواية "رائحة الميرامية" بمعمارها الفني الخاص على مستويين أساسيين يكمنان في نسق الرسائل المتبادلة بين أختين تعيش الأولى في عمّان بالأردن والثانية في اغترابها الاختياري في أميركا. ومن خلال رؤية وتجربة كل أخت وسط عالمها الذاتي الخاص يمتح النص من هاتين التجربتين ممكنات سرده المعتمدة في خطها الدرامى على ما يرد بتلك الرسائل المتبادلة بين الأختين من هواجس وذكريات وأخبار حياتهما.

سارة ونوار، وهما الشخصيتان المحوريتان في نسيج النص، وهما الراويتان العليمتان بكل ما يجرى من أحداث، والرسائل المتبادلة بينهما هي صلب التجربة وأبعاد الممكن السردي المتحلّق حولها تيمة الإغتراب العائشة فيها كل منهما، فكل من الشخصيتين تسرد للأخرى عبر هذه الرسائل مظاهر الحياة التي تعيشها بتفاصيلها، وممارساتها، ومكوناتها الخاصة، الذاتية والعامة، وكل منهما تتسلل إلى الذكريات التي تحملها داخلها لتكون زادا لها في غربتها الذاتية وغربتها النفسية في مجتمعها الخاص الذي اختارته بمحض إرادتها، وهي تنقلها إلى أختها في رسائلها لتزيح عن كاهلها أشياء كانت تؤرقها، ولتذكر أختها بما تريد أن تخبرها به.

كما أن الاستهلال الأول للنص بمعماره الدائري والمنتهي بهذا المشهد المأسوى في نهاية النص كان هو الدعامة التي أخرجت لنا هذه الرجعة لممكنات السرد الأولى عبر الفلاش الباك المحقق بواسطة الرسائل والخطابات المتبادلة بين الأختين في محنتهما الدائرة والتي انتهت بانتحار الأخت الصغرى سارة وعودة الأخت الكبرى نوّار إلى عمّان للحياة فيها بناء على طلب وإلحاح أختها لها، ولكن كان وصولها بعد فواّت الأوان.

لقد نجحت الكاتبة في استخدام التراتبية والتواتر في إحداث نسق الرسائل مع نسق الذكريات النابعة عبر نسيج كل رسالة، حيث هذا التواتر: مكّون زمني لم تتم معالجته في نظرية القصة بحسب جينيت، إنما هو العلاقة بين عدد المرات التي يظهر فيها الحدث في النص وعدد المرات التي يروى فيها (أو يشار إليه)، ومن ثم يستلزم التواتر التكرار، وهذا الأخير هو تشييد ذهني يتحقق عبر إزالة الميزات الخاصة لكل واقعة مع الاحتفاظ فقط بتلك الميزات التي تشترك فيها الواقعة مع الوقائع المشابهة لها.(1) وهذا هو ما أسسته الكاتبة في تشييدها الذهنى في رسائل كل أخت إلى الأخرى
.

كما تكمن ممكنات النص في هذه الرواية أيضا في كونها التجربة الروائية الثالثة للكاتبة في هذا المجال، لذا كان تمرسها في كتابة هذا النص بلغته وتجربته الخاصة والرؤية النصية المعوّل عليها تيمته الأساسية، كل ذلك فجر من ممكنات هذا النص أبعادا استطاعت الكاتبة أن تضيف به إلى عالمها الروائي تجربة جديدة لها آلية خاصة في التعبير عن أزمة المرأة المقهورة في بيئتها الخاصة والعامة، الباحثة عن الحنان وسط تأزمات الواقع، المستلبة في أدق دقائق حياتها، المتشظية في علاقتها مع الآخر، كما أن النص بإيقاعاته الخاصة شكّل في كل رسالة سردية، متتالية نصية معبرة عن معنى الهوية والانتماء عند كل من الأختين تجاه الأخرى، ومحاولة تحرير الذات من كل ما علق بها من خوف وقهر وتأزمات نابعة من غربة الذات وتحولاتها، وجد ذلك بصورة أو بأخرى داخل كل رسالة نصية في نسيج الرواية منذ بدايتها وحتى النهاية، إضافة إلى أن الشكل الفني الذي اختارته الكاتبة لهذا النص كان شكلا غير مألوفا في الرواية العربية، حيث تعتمد الرواية على تعدد الرؤية وصوغ تحولات الذات وتشكيل المادة الحكائية التخييلية عبر الرسائل المتبادلة بين الأختين، وعلاقتهما المزدوجة في غربة كل منهما تجاه ذاتها، ومرجعية هذه الغربة في علاقة كل منهما تجاه الأخرى.

فحقيقة الرواية – كما يقال – ليست أبدا شيئا آخر سوى التنامي في قدرتها على ممارسة الوهم." (2)

وهذا الوهم مصنوع فعلا داخل السرد في نسيج النص فهو يعيد تركيب الحكاية وترتيبها، في دائرية نصية تبدأ بهذا المشهد المأسوى الذي عاشته الابنة تمارا بعد انتحار أمها فهو أمامها وكأنه الوهم المجسد، وينتهى كما ذكرنا بمشهد عودة الأخت الكبرى نوّار من غربتها الأميركية إلى أرض الواقع في عمّان مرة أخرى لتواجه بهذه المفاجأة غير المنتظرة، وهى مأساة انتحار شقيقتها سارة التي كانت أمامها على صفحات رسائلها ملء العين والقلب.

كما يمثل ممكنات النص أيضا هذا النسق الخاص بإعادة تخليق المادة الحكائية بتفصيلتها المتبادلة بين الأختين، كلما جد جديد فى حياة كل أخت، في كل رسالة، هي بتتابعها وتراسلها سلسلة متداخلة من عناصر البناء الفني الناتج عن خط درامي متواتر تمارس فيه الشخصيتان المحوريتان مظهرا من مظاهر سيرتهما الذاتية النابعة من واقعهما الخاص.

يقوم السرد داخل النص بتمثيل دور التوتر الذاتي المتفاعل مع كل شخصية في مكانها المحدد لها داخل النص، حيث يلجأ النص إلى تواتر العلاقات الحادثة داخل الأسرة عند سارة، وسطوة القهر الواقعة عليها من زوجها وأولادها، وسلبيتها الحادة في نواحى حياتها مع زوجها وبين أولادها، ونفس العلاقات الحادثة في مجتمع نوّار حيث خواء الحضارة وزيفها يسيطر على شكل المعاملات بين الناس فى المجتمع الأمريكى، والعنصرية، وعدالة التعامل بميكالين هو المناخ السائد فى هذا المجتمع.

كل ذلك كان له تأثير كبير على حياة نوّار وانتمائها الخاص وهويتها التي كانت تحاول أن تتملص منها في غربتها، لكن نوّار كانت على عكس سارة في تعاملها مع الواقع فقد كانت ممارساتها الخاصة تتسم بالإيجابية بدءا من قرارها الأول الخاص بهجرتها إلى أميركا وقرارها الأخير بالعودة إلى أرض الوطن.

كانت كل من الأختين تعيشان على طرفي النقيض. سارة متزوجة ولها بنتان وولد، ونوّار لم تتزوج، تزوجت من العلم على حد قولها، سارة كانت جميلة في شبابها، لكن نوّار كانت متواضعة الجمال، كانت أمهما تتعاطف كثيرا مع سارة على حساب نوّار مما أوجد في الماضى شرخا كبيرا بين الأختين وهو ما دفع نوّار إلى التفكير في الهجرة إلى أميركا، وفى إحدى رسائلها قالت نوّار:

لم أعرف الحقد يوما، ولكننى تعلمت وبإتقان فن الإنزواء عن الآخرين، البحث في أعماق نفسي عن شئ جميل، أي شيء، حتى ولو كانت فكرة مطرزة بخيوط من الخيال وشيء من الفرح، منذ أن
بدأت أدرك الأشياء حولي خلال طفولتى البعيدة، جعلتني أمي أتعلم معنى الوحدة، ألا أكون كما ترغب تلك الأنسانة التي أحببتها أكثر من أي إنسان في حياتي، أشد مشاعري قسوة كانت أن أحاول خنق التوازن بين حبي لها، وشعوري بالظلم الذي تمارسه ضدي، حين كنت طفلة صغيرة لم يكن ذلك صعبا، فالطفل ينسى الظلم بسرعة، ويعيش بكل إرادته وطاقته في اللحظة الحالية، ولكن حين بدأت أكبر، وبدأت الخيوط تتخذ أشكالا في عقلي ونفسي، أصبح السؤال الشديد التعقيد والصعوبة، وكلما كبرت أنت، وازداد جمالك تقلصت مساحة وجودي لدى أمي، لقد كنت جميلة جدا، وأنا كنت متواضعة الجمال بل عديمة الجمال إذا ما قورنت بك، الوحيد الذي ساعدني هو أبي، لقد أدرك مبكرا اللعبة الصعبة التي كانت تمارسها أمي بوعي أو بدون وعي، لست أدري!! ولهذا السبب كان الوحيد الذي وافق على سفري" (3).

لقد شكل هذه التدفق في المشاعر، وهذه الذكريات الخاصة جزءا كبيرا من ممكنات السرد في صلب هذه التجربة عند كل من الأختين من خلال ذكرياتهما معا، كما أن المفارقات النابعة من رؤية كل منهما تجاه حياتها الذاتية وحياة أختها كانت هي الأخرى البعد السائد في مبتدأ كل رسالة من الرسائل حيث الفرضيات التي تبثها كل أخت للأخرى والنابعة من هذا الشوق الكبير التي تكنه كل منهما في محنتهما الاغترابية الذاتية كان هو المعادل الذاتي التي تتعامل به كل منهما مع الثانية وبينهما هذا البون الشاسع من المسافات المكانية البعيدة.

ولعل المجتزآت النصية من الرواية تدخل بحسها المأسوى في مجال تفسير وتأويل الأبعاد المتحلقّة حولها تجربة الشخصية عند كل من سارة وشقيقتها نوار، من خلال المفارقات الحادثة في حياة كل منهما سواء في الاغتراب الحقيقي الذي تعيشه سارة في عمّان، وهي وسط أسرتها المكونة من زوجها منصور وأولادها تمارا وهاشم وسهاد، أو في تلك الغربة المزدوجة التي تعيشها نوار على الأرض الأميركية، وسط مجتمع يمثل الآخر فيه كل شئ بكل توجهاته الاجتماعية والثقافية والسياسية، لذا نجد أن الاستهلال الأول للنص والذى استهلت بها الكاتبة روايتها على لسان الابنة تمارا تجسد في هذا الاستهلال عظم المأساة التي حلت بهم جميعا:

"رغم مرور أشهر على رحيلها، فإننى لا أجرؤ على النظر إلى صورتها! ولكنني ما زلت أحفظ كل التفاصيل الصغيرة لملامحها وحركاتها، أحملها في أفكاري، وتغرق مشاعري بذكراها، أرى طيفها الطويل يسير بين غرف المنزل، وأسمع صوتها الهاديء ينادى أحدا منا، وأكاد أشم رائحة شعرها وعطرها. إنها أمي...!" (4).

والمقطع الأخير من الرواية والذي يشير إلى استمرار الحياة، تمشيا مع الأهداء الذي صدّرت به الكاتبة روايتها والذي قالت فيه "إلى نظرة رحلت ولكنها لم تمت" (5).

كان المقطع الأخير أيضا والذي جاء على لسان الأخت نوار يحمل نفس المعنى ونفس الدلالة وكأنها تشير في النهاية إلى دلالة استمرار الحياة وتدفقها:

"تمارا، لقد عشت أحزانا كثيرة، أكبرها هو موت سارة. ولكنني لا أريد أن أحيا أحزانا أخرى، دعينا نبدأ من جديد، ولتكن البداية مشوارا طويلا غدا في الشوارع العتيقة، أنا مشتاقة للأرصفة والبيوت والشرفات.. مشتاقة لحبات الرمال، وضوء الشمس. وحين تنتهي جولتنا خذيني لبيت أم مروان صديقة والدتك.. لقد اشتهيت لسنوات طويلة صحنا من ورق العنب!!"(6).

بهذين المقطعين المجتزأين من بداية ونهاية النص، تكمن كل ممكنات النص السردية، والنصية بكل ما تحمل من رؤى ومشاهد استطاعت الكاتبة من خلالها أن تجسد ملامح الحياة عند كل من الأختين سارة ونوار بما حملت من تأزمات ومآسٍ وفعل وردود فعل لها، حيث مثلت الرسائل المتبادلة بين الأختين هذا الفعل وردوده، الآتية من خلال الذكريات والأحداث والوقائع الحادثة لكل منهما في بيئتها، فقد كانت مشاعر الفعل في رسائل أي أخت منهما يقابله رد فعل من الأخرى تفرضه أواصر الدم والحنين والحب والذكريات والمشاعر النبيلة التي كانت تسم كل منهما تجاه الأخرى.

كما يندرج تحت ممكنات النص أيضا العنوان بما يمثله من تأويل وإيحاء مجازي يدل على المعنى الكبير الذي يحتويه النص داخله، فالعنوان كما جاء على غلاف الرواية "رائحة الميرامية" يحمل نكهة الرائحة لهذا النبات الرامز إلى صلب الحياة العربية في المنطقة، هذه الرائحة التي تميز المناخ والواقع المعيش داخل الشخصيات الرئيسة في النص، المعنى الذي وجد في صلب الهوية، وفي محور الانتماء لتعبيره عن رائحة الوطن، وعطر الأحباب، وطعم هذا النبات الموجود داخل كل منا في هذه البيئة المحلية.

لقد تمثل العنوان كمعادل موضوعى معبرا عن معنى الحنين وسط أجواء الغربة، الغربة الذاتية عند سارة، والغربة المزدوجة عند نوّار. وهو يمثل جزءا معبرا عن سيكولوجية المكان بكل ما يحمل من
معنى ودلالة، كما كانت تحولات النص الروائى في ممكناته الآنية وما تتيحه هذه التحولاّت من بحث عن أشكال جديدة وأنساق وصيغ تتمحور حولها أطر الكتابة الروائية، وما يتيحه لها السارد من أبعاد مستمدة من واقع المكان وأثره على الشخصية وتأزماتها الخاصة. لذا كان المكان في نسيج النص هو البعد الذاتي الفاعل والمؤثر على طبيعة الشخصية في غربتها سواء داخل عمّان أو على الأرض الأميركية.


سيكولوجية المكان


إن هوية المكان تمثل في حقيقتها جزءا من هوية الإنسان، لذا كان الإدراك الحسي بطبيعة المكان والمتشكّلة عبر الذكريات والأشياء الحميمية التي لها دبيبها غير المسموع داخل النفس هي التي تمنح لمجريات النص فاعليته وتأثيره على شخوص الرواية، ويحّول هذا المكان داخل النص إلى بعد جمالي لما يمنحه من إمكانية الغوص في أعماق البنية السردية ورصد تفاعلاتها مع واقع الشخصية.

وقد شكّل المكان في الرواية بعدا سرديا له توهجه الخاص بما يحمل من إيحاءات ونظرات خاصة تطول الواقع المتأزم عند كل من سارة ونوّار، وقد اعتمدت الكاتبة على هاجس المكان في تحولات الشخصية واصطدامها بالواقع المأزوم لدى كل منهما، لذا لجأت كل منهما إلى مكانها الأثير تستمد منه راحتها وتعادل ذاتها في صدامها الدائم مع مجريات واقعها.

كانت عمّان تتماهى في هاجس سارة عندما تتعرض للقهر الواقع على ذاتها نفسيا وجسديا نتيجة معاملة زوجها وأولادها السيئة لها والتي تصل في بعض الأحيان إلى حد الإهانة والضرب والقطيعة. كانت تلجأ إلى شوارع عمّان ودروبها تسير فيها على غير هدى وتبثها ذاتها بل وتتوحد معها كملاذ للهروب من بيتها الذي اعتبرته مكان الغربة القسرى في حياتها. تقول سارة في إحدى رسائلها لأختها:

"أسير ببطء في الشوارع، وأشعر لأول مرة بإحساس ما تجاه هذه المدينة، التي أصبحت عاصمة ضخمة مترامية الأطراف، لم أكن لها أي شعور ليس لأنني لم أجدها جميلة، ولكن لأن إحساسي بالجمال قد انطفأ، أو ربما تلاشى، فمنذ سنوات طويلة لم أراقب الشوارع، كل همي يتركز في مرافقة أولادي إلى المدرسة، أو إعادتهم إلى البيت، وشراء حاجيات البيت، وها أنت تدخلين الجمال من جديد إلى قاموس مفرداتي، الذي كان يفقد في كل يوم معنى لكلمة أو لشعور، يبدو أنك تعيدين إحساسى بالحياة من حولي مثلما أعيد لك ذاكرتك المردومة خلف سنوات من الغربة." (7)

إن سيكولوجية المكان في هواجس سارة هي التي كانت تعيد التوازن إلى نفسها، وتمسح عن ذاتها سطوة الواقع، الواقع عليها من أسرتها، حتى إنها كانت تلجأ في بعض الأحيان إلى الأماكن الحميمية لديها عند صديقات أمها أو البيت الكبير للأسرة، تحاول أن تبث حزنها الآني فيه، فكانت بعض هذه الأماكن ملاذا لذاتها والبعض الآخر يثير لديها كوامن الحزن والشجن، وهو ما فعله المكان الأصيل في ذكرياتها وهي تبث لأختها هذه التحولات التي طرأت على بيت الأسرة الذي باعه شقيقهما ناصر إلى رجل أعمال فحوله إلى مقهى ومطعم.

حكت سارة في إحدى رسائلها كيف زارت هذه المكان، والوقع المؤلم الذي أحست به جراء هذه الزيارة، وارتباط تفاصيل البيت بغرفه وشرفاته وحديقته الواسعة بذكريات الطفولة، حيث تبدع الذاكرة السردية المكان وتخلقه من جديد، وتحرره بواسطة الخيال من ارتباطاته المادية ببعدي المكان والزمان، ولأن حميمية بيت الأسرة كمكان له إيحاءاته ودلالاته التي تخرجه من حيز المكان إلى حيز الذكريات، لذا كان هذا المكان بمثابة التفاعل الضدي المؤلم والمسبب لكثير من التأزمات عند سارة عندما زارته.

أشار باشلار صاحب كتاب "جماليات المكان" إلى ذلك المعنى "في وصفه لمعاداة المكان أو المكان المعادي، وهو ليس بطبيعته مكانا معاديا، وإنما يصبح كذلك حين يكون المكان له إيحاءات الكراهية والصراع." (8)، كما هو الحال في بيت الزوجية عند سارة، وفي الحرم الجامعي عند نوّار على الأرض الأميركية، بل وفي بيت الأسرة الكبير الذي تحّول إلى مقهى بعد أن باعه الشقيق ناصر.

تشير سارة في إحدى رسائلها عن هذا البيت "الدوار الثاني، البيت الكبير، الذي أصبح مقهى، ومطعم له شهرة واسعة، الغرف التي ضمتنا أصبحت تضم غرباء يتغيرون في كل ساعة، يدخلون ويغادرون، الشرفة الكبيرة المطلة على عمّان الشرقية ببيوتها القديمة وأشجارها القليلة، وبسحر الليل الشرقي ذي القمر الكبير والنجوم القريبة من الأرض، أصبحت شرفة لغرباء، يدخنون الأرجيلة ويسترخون من عناء يوم طويل، الحديقة الواسعة امتلأت بالمقاعد والطاولات المصنوعة من القش، وأضواء خافتة، تلف المكان، وتمنح انتماء دافئا لمن يجلس بها، وغربة جليدية لي، ذهبت هناك مرتين بعد أن باع ناصر المنزل لأحد رجال الأعمال الذي حوله إلى مطعم ومقهى، أحضر لي الخادم الطعام، أردت أن آكل، ولكنني لم أستطع، فبكيت.. وتجوّلت في المكان – كأنه لا يزال منزلنا – تحت نظرات العاملين هناك، فقد شعروا بأنني لست زبونة، وكذلك بأنني غريبة متطفلة، خرجت إلى الشرفة، وقفت أتأمل كل شيء، ونسيت وجود الأشخاص الذين يجلسون بها." (9)

وبقدر ما كانت الحياة في عمّان تتماهى في ذاكرة سارة كانت الحياة على الأرض الأميركية تتماهى هي الأخرى في هاجس نوّار خاصة حين اصطدمت بالآخر بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، ومحاولة احتواء هذا الصدام بالصبر وقوة التحمل إلا أن الأمور كانت تتفاقم في كل مرة بحيث سببت لها الكثير من المضايقات من الطلاب داخل الحرم الجامعي، حتى اضطرت إلى ترك عملها بالجامعة، ومن بعض الموجودين معها في منطقة السكن.

لقد كان وقع سيكولوجية المكان الأميركي على نفس نوّار قويا من خلال تعرضها لكثير من المضايقات بسبب لون بشرتها. حكت نوّار لأختها في إحدى الرسائل واقعة الشاب الأميركي الذي كان يخّرب سيارات أصحاب البشرة السمراء، وواقعة القبض عليه واستدعائها إلى قسم البوليس لاستكمال بعض الاجراءات، وهناك وجدت أنه شاب صغير لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، فقالت لهم "إنه شاب صغير، يشاهد كل يوم برامج تغذي العنصرية، وتملأه حقدا وكرها لقد جعلوه يعتقد بأن أعداءه هم هؤلاء أصحاب البشرة السمراء الذين يتحدثون لغة القرآن، السجن لن يطهر نفسه من الحقد، ما يطهره من الحقد هو أن يفهم حقا ما يدور في أميركا، وما يدور خارجها." (10)

كذلك أخبرت نوّار أختها في رسالة أخرى بواقعة إلقاء الحجارة عليها "أختي الحبيبة سارة: لا تتفاجئي مما سأقوله لك الآن: لقد تعرضت للرجم بالحجارة اليوم.. سوف أعطيك فترة لاستيعاب الخبر.. وقف أمامي بوجه غاضب وحاقد، لا أستطيع تذكر ملامحه، كل ما تذكرته هو تعبير وجهه الحاقد المخيف، بشعور غريزي أردت أن أهرب، ولكنه كان أسرع مني، وكأنه كان يبحث عن وجه عربي يصب عليه جام حقده وعنصريته." (11)

تلك كانت مظاهر سيكولوجية المكان المتفاعلة مع حياة نوّار على الأرض الأميركية. الأختان أحستا بالغربة الكاملة في بيئة كل منهما، المكان بالنسبة لهما كان تفاعله نسبي، فشوارع عمّان عند سارة كانت هي الملاذ والراحة، تسير فيها على غير هدى، تلجأ إلى صديقاتها عندما تتأزم الأمور عندها، والبيت عند نوّار ربما كان له نفس السمة فهو الملاذ الدائم، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول تحّولت الحياة إلى النقيض، فقد بدأت سلسلة من الممارسات العدوانية على المسلمين هناك، ولم تسلم نوّار من هذه الممارسات، حتى إنها فكرت في الهجرة إلى كندا مع أحمد الذي تعّرفت عليها هناك. وكان المناخ بالنسبة لنوّار جليديا إلى حد كبير حتى إنها عندما وقفت على ساحل الأطلنطي تتأمل عظمة الخلق والخالق شعرت بغربتها الذاتية أمام هذا العملاق الكبير، الرامز إلى وضعية الحضارة الأميركية في شكلها القبيح.

كانت العاصفة التى يمر بها الوضع المتأزم بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول تنذر بالخطر على الجميع "أقف على المحيط الأطلنطي، أشعر بالانبهار في كل مرة بمدى اتساعه وبعمقه الذي لا يعرف نهاية والذي أشعر به حين أنظر إلى الأفق اللامحدود الذي يترامى أمام ناظري، وأغرق بزرقته الغامقة التي تتحول إلى لون رمادي حزين في أيام الشتاء الباردة، فيصبح منظره مخيفا وأكره النظر إليه وهو يلبس ذلك الثوب الرمادي العملاق شديد الكآبة، أما اليوم فعواصفه قوية تضرب هذا الشاطئ اللامحدود، أحب رؤية هذه العواصف التي تحرك كل ما في أعماق المحيط، وكأنه يريد لفظ كل ما بأعماقه، أن يتحرر من قيوده ويجرف اليابسة أمام ضغط أمواجه الهادرة." (12)

لقد كانت هذه الوقفة المتأملة أمام المحيط هي نفس الوضعية التي عاشتها نوّار الآن على الأرض الأميركية، العاصفة القوية التي تضرب ذاتها وتضرب ما حولها بقوة.


تشظي الذات المغتربة


لقد كان هذا التشظي الذي طال الأختين في واقعهما يتقاطع في العملية السردية بإلحاح شديد حيث تمتاز عملية السرد في الأعمال الروائية ذات المستويات المتعددة، بأنها تمتح من عملية معقدة تأخذ من الحكاية محاور تشكيلها، كما تأخذ من السرد معظم فنونه اللغوية. وتشظي الذات من الأعمال السردية المتحلقّة حول تجربة الإنسان مع بيئته والمحيطين به، والسرد المتحّلق حول هذه التجربة خاصة التجربة التي تكتبها المرأة عن نفسها، أي تكتبها المرأة عن المرأة هي صلب التجربة التي تماهت في يد الكاتبة سناء أبو شرار في روايتها "رائحة الميرامية".

امتلأت الرواية بأساليب القص المختلفة في مستويات الحكي عبر تلك الرسائل التي وصلت إلى أربع وثلاثين رسالة متبادلة بين الأختين، والسرد عبر الراوي العليم، واللغة المقتربة في بعض الأحيان من الشاعرية، كل هذا عبّر وجسد تيمة رئيسية وهي تيمة الاغتراب من خلال الأخت الكبرى نوّار في غربتها الأميركية، والأخت الصغرى سارة في غربتها الذاتية، اغتربت الأختان كل منهما في واقعها الخاص، أحست سارة بالاغتراب وهي بين زوجها وأبنائها، من خلال مظاهر القهر الواقعة عليها من الجميع، فقد كانت سارة تعيش في ظل أسرة تتحكم فيها سطوة الأب باعتباره صاحب رأس المال المتحكم في بنية هذه الأسرة، الزوجة والأولاد، والعلاقة القسرية الظالمة الواقعة منه على زوجته تخيم بظلالها على الجميع بل وتؤجج العواطف والمشاعر المتباينة بينهم، حيث تحلم الزوجة دائما وسط هذا المناخ المتأزم بأيام الزواج الأولى، دون جدوى وينحاز الأولاد إلى أبيهم في حالة ممارسة سطوته الذكورية على أمهم بسبب أو بدون سبب لأنه هو المتصرف في شؤونهم ماديا، لذا كان التشظي الذي تعيشه هذه الأسرة خاصة ما تعانيه الأم وسط هذه الواقع المتأّزم هو صلب ما ترويه لأختها في رسائلها، حيث يقف الأمر على حد العقم الرامز إلى انعدام إنتاجية هذه العلاقة الأسرية بين الأولاد وأمهم.

تحاول سارة الهروب من عبوديتها واستلابها عن طريق صديقتها رندة التي سبق وتعرضت هي الأخرى إلى أزمة عاطفية تركت ندوبها على نفسيتها قرابة خمس سنوات، كما تعيش سارة أيضا حالة من حالات اليأس القاتل مع الجميع، مع هذا الزوج السادي المريض، وهؤلاء الأولاد العاقين لأمهم، هي تبحث دائما عن الحنان فلا تجده إلا خارج بيتها مع صديقتها رندة التي تستنجد بها في كل مواقفها.

إن تشظي ذاتها جعلها مسلوبة الإرادة، ضعيفة، سلبية إلى أبعد الحدود، حتى إنها تتعرض خلال هذه الأثناء إلى نظرة ذكورية غريبة من أحد الرجال، وتجد نفسها عرضة للاغتصاب الذاتي بينها وبين نفسها، هي ترفض الخيانة، ولكنها لا ترفض هذا الاهتمام بأنوثتها المفقودة والمستلبة في هذه الأسرة الظالم أهلها.

لقد تفتت شخصيتها، واستلبت روحها منها، وضاعت حياتها، عبر أمومتها التي حافظت عليها، ولكنها وسط هذه السلبية البغيضة ترنحت جراء هذا الصفعات التي كالها لها ابنها هاشم في إحدى مرات شجارهما، وكانت هذا الواقعة هي التي حركت داخلها عمق المأساة وجعلتها تقدم على الانتحار، بعد أن فقدت كل شيء، الزوج والأبناء، والعالم الذي حولها، لم تجد أي ملاذ آخر سوى الموت. وكانت هذه هي النهاية المأسوية التي عجلت برحيلها وانتحارها.


اللغة الفنية


اللغة الفنية في سرد النص تعتمد على سياقات مختلفة في الصياغة، فثمة حكايات تسرد وتروى في التحامات مزدوجة تنشأ من الفعل السردي في الرسائل المتبادلة بين الأختين، هي تنشأ من الذاكرة الجمعية للقص حيث ثمة عديد من الصدامات تعترض العملية السردية، أهم هذه الصدامات نجدها في رسائل الأخت سارة حين تخبر أختها عن اعتداءات زوجها عليها وإهانات أولادها لها، ثم لجوئها إلى الحبوب المساعدة على النسيان (حبوب السعادة) كما كانت تسميها، بل وصل الحد إلى أن هاشم ابنها صفعها على وجهها فأوقعها على الأرض عندما حاولت أن تمارس أمومتها وتحاسبه على معرفته بزواج أخته العرفي دون أن يخبرها بذلك.

كذلك نجد أن هذه الصدامات أيضا موجودة في رسائل الأخت نوّار حول ردود الفعل الناشئة عن أحداث 11 سبتمبر/أيلول، ولاشك أن التعامل مع الآخر بالنسبة لواقع الأخت نوار على الأرض الأميركية كان له بعد طال في شخصها محور إشكالية هذا التعامل خاصة حين تنشأ الأزمات المصيرية مثل أزمة سبتمبر/أيلول 2001 والتي استخدمها اللوبي الصهيوني داخل أميركا بمهارة شديدة في ترويج أفكاره المسمومة ضد العرب حتى ولو كانوا حاصلين على الجنسية الأميركية. نجد ذلك في الرسالة الثالثة المرسلة من نوّار حول هذا الموضوع "لم يمر وقت طويل على أحداث الحادى عشر من سبتمبر، ويبدو أن الجميع هنا مقتنعون أن العرب هم من نفذ تلك العملية، حتى دون انتظار نتائج التحقيق، وكأنهم يرغبون بإلصاق هذه التهمة بهم رغم تناقض الأدلة. كان لدىّ الكثير من الأصدقاء هنا، بل لقد تجنبت صداقات كثيرة من العرب، فلقد كنت أرى نفسي أميركية، ولا أرى أي قيمة لهويتى العربية، ولكن فجأة، وبعد هذه الأحداث، لم يعد لدي أصدقاء، أتصل بهم فيتعذرون، ومن يرد منهم لا يخفي بروده، أو خوفه من الحديث معي، أحدهم قال لي، وبلا تردد:

- هل ما زلت هنا بعد كل ما فعلتم؟

لم أفهم ما الذى يقصده، فسألته بفضول:

- ماذا تقصد؟

- أقصد أنكم العرب كان يجب أن تغادروا أميركا بعد الحادي عشر من سبتمبر" (13).

إن هذه الإحالات السردية المتواترة في نسيج النص إنما هي تعبير عن حالة من حالات التوهج السردي في وصفها لهموم وتأزمات حادثة على المستوى الذاتي إنما هي "تصريفا مشخصا لكميات زمنية لا يمكن إدراكها إلا من خلال (الحكي) فى تصور (ريكور)، إنها تجاهد لكى تجعل من الفعل السردي رؤية شاملة تستوعب داخلها مناطق تتجاوز الموصوف الحدثي المباشر من خلال فعل الشخصيات وقولها وردود أفعالها، لكي تحّول العالم إلى فرجة معرفية تعشش في الأوصاف والأفعال والإحالات الضمنية وتقدير المواقف." (14)

لقد شكّل هذا النص الروائي للكاتبة سناء أبو شرار حالة خاصة من حالات السرد الروائي الجديدة استلهمت فيها شريحة من الحياة، وجسدت فيها من تجليات الكتابة الأنثوية في عمق مأساتها وتماهي الشكل السردي ورواية المكان والاشتغال على الخطاب داخل الخطاب بحيث أصلت في ثالث أعمالها الروائية نصا جديدا يحسب لها في مسيرتها الروائية الخاصة.


شوقي بدر يوسف ـ الإسكندرية


الإحالات

(1) التخييل القصصي. الشعرية المعاصرة، شلموت ريمون كنعان، ترجمة لحسن أحمامه، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1995، ص 88.

(2) رواية الأصول وأصول الرواية. الرواية في التحليل النفسي، مارسى روبير، ترجمة وجيه أسعد، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق، 1987، ص 82.

(3) رائحة الميرامية (رواية)، سناء أبو شرار، مطبوعات القصة، الإسكندرية، 2005، ص 59.

(4) الرواية، ص 7.

(5) الرواية، ص 9.

(6) الرواية، ص 327.

(7) الرواية، ص 27.

(8) الرواية، ص 25.

(9) الرواية، ص 40.

(10) الرواية، ص 186.

(11) الرواية، ص 150.

(12) الرواية، ص 86.

(13) الرواية، ص 30.

(14) آليات الكتابة السردية، أمبرتو إيكو، ترجمة سعيد بنكراد، دار الحوار للطباعة والنشروالتوزيع، اللاذقية، 2009، ص 9.