لبنان وسنواته!
- عبد الحليم قنديل
15/06/2009
ربما لا جديد في الانتخابات اللبنانية سوى أنها جرت هذه المرة في هدوء تام، وبإقبال
واسع، وبصورة متحضرة مبهجة مثيرة للإعجاب
قيل أن قوى الموالاة فازت، وأن تحالف المعارضة خسر، وربما لا جديد سوى أن المعارضة
لم تربح كما كان متوقعا، فقد ظلت التوازنات الكلية في المجلس النيابي على حالها، 71
مقعدا لتيار الأكثرية بقيادة سعد الحريري، و57 مقعدا لتحالف المعارضة المكون من حزب
الله وحركة أمل وحزب ميشيل عون، وهو نفس توزيع المقاعد الذي كان قائما قبل
الانتخابات الأخيرة، والذي عكس التوازن الحرج بين الطرفين، وتعطل عمل الحكومة ومجلس
النواب بسببه، وتأجل اختيار رئيس الجمهورية، وإلى أن جرى توافق الدوحة، وتشكلت
حكومة وحدة وطنية بثلث ضامن للمعارضة، والتراضي على اختيار العماد ميشيل سليمان
كرئيس توافقي، والالتزام بتهدئة معقولة تفضي إلى انتخابات انتهت بدورها إلى تجديد
المعادلة الحرجة ذاتها، فقد حصلت قوى الموالاة على نسبة 55' من مقاعد مجلس النواب،
وحصلت المعارضة على 45 ' من المقاعد، فيما بدا التصويت الشعبي لصالح المعارضة، فقد
زاد عدد المصوتين لصالح مرشحي المعارضة على 839 ألف صوت، فيما حصل مرشحو الموالاة
على 693 ألف صوت، وهو ما يعني فوز المعارضة بنسبة 54 ' من الأصوات مقابل 45 '
للموالاة، أي أن المعارضة فازت عند القواعد الشعبية، وفازت الموالاة تحت قبة مجلس
النواب، وبنفس النسب الإجمالية، والمفارقة مفهومة، فالانتخاب الفردي أهدر أصواتا
ذهبت لمرشحين لم يحالفهم الحظ لنيل مقاعد نيابية .
ومؤدى ما جرى بسيط واضح المغزى، وهو أنه لا غالب ولا مغلوب في الانتخابات اللبنانية،
وفارق الأربعة عشر مقعدا بين الموالاة والمعارضة جاء بسبب ما جرى في 'زحلة'، فقد
كانت مقاعد 'زحلة ' السبعة لكتلة إيلي سكاف الشريك في المعارضة، ولو ظلت على حالها،
لتعادل الطرفان في قسمة عدد مقاعد مجلس النواب المكون من 128 مقعدا، لكن ما خسرته
المعارضة في 'زحلة' جرى تعويضه في دوائر أخرى، واحتفظت بنفس عدد مقاعدها الكلي الذي
كان لها من قبل، ولم يختلف المشهد في مظاهره العامة، فقد ظل تمثيل الشيعة محجوزا
ومحتكرا بالكامل لحزب الله وحركة أمل، وظل الجنرال ميشيل عون ـ وتياره الوطني الحر
ـ زعيما بلا منافس في أوساط المسيحيين، بل وزاد حجم كتلته النيابية ـ التغيير
والإصلاح ـ بتحالفات جديدة.
وصار له 27 مقعدا بزيادة خمسة مقاعد عما توافر له في مجلس النواب المنقضية مدته،
والأهم: أنه صار زعيما وبطريركا سياسيا للطائفة المارونية بالذات، وصارت له السيادة
المطلقة في دوائر الجبل الماروني، فيما بدا حزبا 'الكتائب' و 'القوات اللبنانية' في
وضع قزمي تماما، ورغم دعمهما المطلق من قبل البطريرك نصر الله صفير، وكنيسته
المارونية، فقد خسرت الكنيسة والكتائب والقوات اللبنانية، وفاز عون، وأضيف فوز
سليمان فرنجية وتيار المردة في ' زغرتا ' إلى فوز عون، وبدا المزاج الشعبي الغالب
في أوساط الموارنة ميالا لتقبل التحالف الصريح مع حزب الله وسلاح المقاومة، وإلى
بناء علاقات طيبة مع سورية بل وإيران، وهو ما يعكس انفتاحا ملموسا للموارنة على
الشرق وقضية العروبة ومعاركها.
وخلافا لما كان الأمر عليه من قبل، وحيث كان الموارنة أقرب إلى مزاج العزلة، وحفظ
روابط 'الحبل السري' مع الغرب وفرنسا بالذات، وهذا التحول قد تصح نسبته إلى الجنرال
عون بالذات، تماما كما قد تصح نسبة التحول في مزاج السنة إلى ورثة المرحوم رفيق
الحريري، وإلى نجله سعد الحريري الذي يقود تيار المستقبل، ويحظى بدعم أمريكي وتمويل
سعودي مفزع بأرقامه، فأغلب مقاعد المسيحيين ـ خارج دوائر نفوذ عون وفرنجية ـ تابعة
بالجملة لتيار سعد الحريري، وممولة بكرم العطف السعودي، فوق أن مقاعد السنة كلها
صارت لتيار الحريري، وإلى حد بدا معه أن السنة في لبنان، وهم ـ تاريخيا ـ القاعدة
الصلبة لعروبته، وبمزايا توزيعهم الجغرافي الفريد شبه المحتكر لمدن لبنان الكبرى من
طرابلس إلى بيروت فصيدا، بدا أن طائفة العروبة اللبنانية ـ هذه المرة ـ تتنكر
لتاريخها، وتميل إلى صدام حدي مع الشيعة وتيار المقاومة، وتلعب أكثر الأدوار فعالية
وحسما في الانتخابات الأخيرة، فهي التي حسمت معركة 'زحلة '، وهي التي حشدت من
وراءها ما تبقى من وجوه الإنعزالية المسيحية التقليدية، بدا الصدام المذهبي للسنة
مع الشيعة هو العنصر الحاسم في قصة لبنان اليوم، وقد يصح تفهم بعض الدواعي، وخاصة
لجوء حزب الله إلى السيطرة العسكرية على بيروت السنية في حوادث 7 ايار (مايو) 2008،
وكإجراء دفاعي لحماية شبكة اتصالاته التي تعرضت للتهديد بقرار مريب من حكومة
السنيورة قبلها بيومين.
وقد جرى استثمار تلك الحوادث ـ وغيرها ـ في الشحن المذهبي للسنة، وعلى طريقة ملصقات
'ما ممننسى والسما زرقا'، وتعميق الكراهية لحزب الله وحلفائه، واعتبار كل مساند
للمقاومة كما لو كان خارجا عن الإجماع السني، و'سعودة' التصور السني اللبناني
بالكامل، وهو ما كان سببا ـ مع تدفق الرشاوى المالية ـ في هزيمة تيار القومية
العربية بأوساط السنة، فقد خسر تيار عمر كرامي في طرابلس، وخسر أسامة سعد مقعد
التنظيم الشعبي الناصري في صيدا، وخسر عبد الرحيم مراد مقعد حزب الإتحاد في البقاع،
وخسرت لائحة حركة الشعب ـ بزعامة نجاح واكيم ـ في بيروت، وبدا الأمر ـ في أحد وجوهه
ـ كتصفية لحساب قديم و'ثأر بايت' بين السعودية والتيار القومي الناصري بالذات،
وربما يكون مجلس النواب اللبناني الجديد فريدا من نوعه، فقد خلا هذه المرة ـ ومن
زمن طويل ـ من أي نائب ناصري، وعلى الرغم من حصول عبد الرحيم مراد على 46' من
الأصوات، وحصول أسامة سعد على 36' من الأصوات في معركة صيدا مع بهية الحريري وفؤاد
السنيورة .
إذن، فقد لا يكون جرى جديد يذكر في توازن الكتل النيابية، وإن كان الجديد ـ حقا ـ
هو التغيـــر في مزاج الموارنة إلى الأفضل العروبي، والتغير في مزاج السنة إلى
الأسوأ الانعزالي، وهو ما يعني أن معارك السياسة سوف تتصل بصور أعنف بعد الانتخابات،
ومن البيان الوزاري إلى تشكيل الحكومة، وإلى الثلث الضامن أو المعطل على اختلاف
زوايا النظر، لكن قضية سلاح حزب الله سوف تظل هي أم المعارك اللبنانية، وهو السلاح
الذي عجزت أمريكا وإسرائيل عن توقيه أو نزعه، وهما تعولان الآن على تيار الحريري
وتأثيرات المال السعودي في ساحة لبنان المفتوحة، والتعويل أو التوكيل لا يبدو في
محله، وسعد الحريري أخذها من أقصر طريق كما يقولون، وقال 'أن سلاح حزب الله ليس محل
بحث'، فالحريري يتطلع إلى مجرد كسب نقاط في تشكيل حكومة، ويأمل في تفهم وتعاون حزب
الله، وليس إلى صدام لا تحمد عواقبه.
كاتب مصري