ما لم يقل عن خطاب دايتون

 شوقي العيسه


 22/06/2009 


عندما يقرأ إنسان فلسطيني خطاب دايتون الذي ألقاه في 7 أيار 2009 في واشنطن فانه يقرأه بطريقة مختلفة عن أي إنسان آخر ، ومختلفة خاصة عن الأمريكيين والإسرائيليين ، الفلسطيني يشعر مع كل سطر يقرأه أن كرامته تنزل إلى أسفل حتى تصل مع نهاية الخطاب إلى تحت حذائه ، بالضبط كما فعل السيد دايتون حيث من الواضح انه وضع كرامة وعزة الفلسطينيين جميعا تحت حذائه قبل أن يدخل إلى معهد واشنطن الصهيوني لإلقاء خطابه .

أهم ما في خطاب دايتون، )وهذا ما لم ينتبه له الكثيرون ممن كتبوا عنه والذين كان همهم الوحيد كما العادة استخدامه لشتم وتحقير الفلسطيني الآخر الذي ينسق ويعمل مع دايتون( ، أقول أهم ما في الخطاب ، أن السيد دايتون انطلق في كل ما قاله من منطلق صهيوني بامتياز ،حين بنى نظريته )إذا جاز التعبير( على أساس أن كل المشكلة في الفلسطينيين ، وحلها يمكن الوصول إليه فقط إذا نجح في تحويل الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى أجهزة تحمي امن إسرائيل أولا ، وتحمي امن الفتاة الفلسطينية التي تود زيارة صديقتها مساء ، وتعتقل السارق دون تدخل عشيرته . ولذلك سمى نظريته السلام من خلال الأمن وقال أن السلام من خلال الأمن لم يعد حلما مستحيلا ، وهنا انسجاما مع نفسه ومنطلقاته استشهد ب هرتزل زعيم الحركة الصهيونية في قوله إذا أردت شيئا فلن يكون حلما .

من الواضح أن السيد دايتون لم يحضر دروسه جيدا ولم يفهم معطيات التاريخ ، وهذا طبيعي فعلى الأقل نعرف مما قاله أن الأمريكيين من أفراد مؤسسته بخلاف غير الأمريكيين من العاملين معه ليس مسموحا لهم الاختلاط بالفلسطينيين أو دخول مناطقهم دون إجراءات خاصة كما سماها (قيود السفر) وقال بنفسه أن الولايات المتحدة لا تفهم أن العيش مع الناس الذين تعمل معهم أمر ثمين ، ومع ذلك تحدث وكأنه الخبير العالم بكل شيء متناسيا أو معتمدا على قلة ذكاء مستمعيه بأنه وفريقه الأمريكي لم يحصلوا على الشيء الثمين الذي تحدث عنه وهو العيش مع الناس .

فجغرافيا عمله كما قال مكاتب القنصلية الأمريكية في القدس حيث يتواجد فريقه ليلا نهارا وفي العطل الأسبوعية ، هذه القنصلية المحصنة في القدس التي ممنوع على أي فلسطيني الوصول إليها إلا بعد حصوله على تصريح خاص من المخابرات الإسرائيلية ، حتى الفلسطينيون الذين يحملون الجنسية الأمريكية ويسكنون في الأراضي المحتلة يمنع عليهم الوصول إليها إلا بموافقة المخابرات الإسرائيلية ، ولذلك اعتقد السيد دايتون لم يسمع بقصة ذلك الضابط الفلسطيني ليضيفها إلى قصصه عن تشرتشل ، ذلك الضابط الذي عمل ضمن طاقم القوات المشتركة الفلسطينية الإسرائيلية بعد أوسلو ولعدة سنوات وكانوا يجوبون شوارع الأرض المحتلة سويا لحماية المستوطنين ويتحدثون في كل الأمور ألحياتيه ، وعندما بدأت الانتفاضة وشاهد جرائم جنود الاحتلال الإسرائيلي ضد أطفال شعبه الفلسطيني قام بإطلاق النار على الجنود الإسرائيليين الذين معه، اعتقد يا سيد دايتون أن هذه القصة لوحدها تنسف كل نظريتك .

في كل الأحوال هذا كله ليس مهما، فالسيد دايتون ، غير معني بالبحث عن حل عادل ودائم ويعتبر كما هو واضح من حديثه أن همه الأساسي هو خلق فلسطينيين جدد كما سماهم تثق إسرائيل بأنهم يحمون أمنها لتستبدل بهم جنودها في الأرض المحتلة ، ليعم السلام .

وأمثلته عما جرى أثناء العدوان الإجرامي على غزة وعن كيفية نشر الفلسطينيين الجدد في الخليل والتي يعتبرها أمثلة رائعة ، قائلا في السياق وكأنه يلفظ جملة معترضة أو هامشية بان إسرائيل ورغم مخاطر انتفاضة ثالثة رغبت بإسكات صواريخ غزة، دون أن يقول كلمة واحدة وهو العسكري صاحب الخبرة الطويلة وفي مجالات متعددة كما بين في بداية خطابه حول هذا العدوان الذي لا علاقة له بإسكات الصواريخ كما يعرف حتى المبتدأ في العمل العسكري ناهيك عن جرائم الحرب التي لم تعد خافية على احد . هذه الأمثلة التي ساقها يمكننا التعامل معها وكأنها نكته أطلقها مثل عدة نكات قالها أثناء الخطاب ، واعتقد انه يعرف أنها لا تؤدي للسلام مثلما ادعى .

يجب على السيد دايتون أن يفهم جيدا أن أي باحث عن حل سلمي للقضية الفلسطينية ، لا ينطلق من حقائق ومسلمات أن الشعب الفلسطيني هو ضحية الفكر الصهيوني العنصري الإجرامي الذي تسبب في كل الجرائم هنا ، وان استمراره من خلال الاحتلال والاستيطان هو العائق الوحيد أمام السلام ، وان الفلسطينيين كافة من حقهم الاستمرار في اعتبار الصهيونية وإسرائيل عدوا إلى حين الوصول إلى اتفاقية سلام عادل وتنفيذها ، من لا ينطلق من هذه الحقائق لن ينجح في تحقيق أي سلام.

للحقيقة أنا لا يهمني إذا كان السيد دايتون يدرك ذلك أم لا ، ففي النهاية سيذهب مثل غيره وسيستقر في كتب التاريخ مثل بلفور وكيسنجر وانديك وروس وسيتبعه بلير وغيره ، ما يهمني هو إذا كان القادة الفلسطينيون يدركون ذلك ، وأنا اقصد الطرفين في جناحي الوطن أولئك الذين ينسقون مع دايتون وأولئك الذين ينسقون مع كارتر ، فالسيد كارتر في اليوم الذي فصل بين احتفال قيادات رام الله بتسليمه الاوسمه ، واليوم الذي جمعه بقيادات غزة يحتفلون به ويؤكدون له موافقتهم على دولة في حدود 1967 ، وموافقتهم على التعامل مع الحلول الوسط التي يطرحها لفك الحصار عن حماس مع الحفاظ إلى حد ما على ماء الوجه ، في تلك الفترة ما بين اليومين زار مستوطنة غوش عتسيون غير آبه بان القانون الدولي الذي يقول انه يحترمه يحرم الاستيطان وليس ذلك فقط كي نستطيع القول انه وهو المتدين المتسامح يريد أن يغفر الذنوب لتحقيق السلام ويقول المستوطنون اخطأوا وخالفوا القانون الدولي وسيعودون عن خطأهم من اجل السلام بل قال علنا للصحافة وهو يجلس بين مجرمي الحرب المستوطنين انه يعتقد أن مستوطنتهم مهمة وموقعها مهم ولا داعي لإزالتها. فهل سمعنا ولو انتقادا خجولا لهذا من قادة حماس أو غيرهم، لم نسمع سوى الإشادة بجهود هذا المناضل لتحقيق السلام.

لا أريد الخوض في تفاصيل الخطاب والاهانات التي وجهها لنا كشعب أو لوزير داخلية السلطة السابق ولغيره ، فما يهمني هو الأمور الجوهرية التي بنى عليها خطابه والتي لن تؤدي إلى أي سلام .