أدب أميركا اللاتينية تاريخ شعوب...الرواية اللاتينية إنجاز أدبي فني مدهش

2010-06-28 
 

احتلت روايات أميركا اللاتينية التي يرى بها الكثير من الأدباء والكتاب العرب وشائج قربى مع أدبنا العربي وخاصة أن هذا الأدب يشاركنا في الكثير من الهموم السياسية والاجتماعية والاقتصادية (التخلف، الاستبداد، الهيمنة الغربية...) مكانا مهما في الساحة الثقافية العالمية، ومنح أدباؤها جوائز عالمية منها جائزة نوبل لشعراء (غابرييلا 1945، بابلو نيرودا 1971، أوكتافيو باث 1990...) وروائيين (ميغل أنخل أستورياس 1967، غابرييل غارثيا ماركيز 1982...)، إضافة لمنح جائزة رفانتس لعدد كبير منهم (كارنتيير 1977، بورخس 1979، أونيتي 1980، باث 1981، ساباتو 1984، فونتيس 1987، بوي كساريس 1990...).
ومن خلال قراءة لعديد من الكتب نلاحظ أن رواية أميركا اللاتينية حلّقت بنا في عوالم مدهشة استطاع روائيوها أن ينطلقوا بنا في فضاء روائي متنوع بفضل امتلاك كل منهم صوته الخاص حيث إن كل روائي في أميركا اللاتينية قدم مع كل رواية جديدة يبدعها إنجازا فنيا مدهشا، ولا يمكن أن ننسى المؤسس للحداثة الروائية (خوان رولفو) الذي اكتفى برواية واحدة حين وجد نفسه لن يستطيع تقديم رواية أفضل من بيدرو بارامو! ومع ذلك تركت بصمتها على الإبداع في أميركا اللاتينية وربما في أماكن غيرها! لذلك لم يسقط الروائي الأميركي اللاتيني في فخ تكرار الذات، على الصعيد الفني، الذي سقط فيه بعض الروائيين العرب.
وهكذا نجد أن كل روائي استطاع أن يضع بصمته الخاصة على إبداعه، رغم أنه يشارك المبدعين الآخرين في همومهم وطموحاتهم، كما مارسوا جميعا النقد الذاتي الذي أسهم في تطور إنتاجهم الإبداعي بفضل تطوير رؤيتهم للحياة وثقافتهم.
عاش معظم روائيي أميركا اللاتينية أياما مملوءة بالندوب والجروح، ومع ذلك لم تهزمهم الحياة، بل تمكنوا من الانتصار عليها بفضل ممارستهم للكتابة الإبداعية! ونسج سيرتهم الذاتية بيد الخيال المبدعة فأغنت فضاء الرواية، حين انطلقت من (الأنا) إلى عوالم رحبة تمس كل إنسان! بفضل حساسية اللغة التي تراوحت بين لغة الأعماق ولغة الحياة اليومية، كما تراوحت بين لغة الأسطورة والحلم والتوثيق التاريخي! بل نستطيع القول إن الروائي الأميركي اللاتيني استطاع أن يبني عالمه الروائي بناء محكم العناصر، كي يستطيع جذب المتلقي منذ الكلمة الأولى في الرواية حتى الأخيرة. فكان الروائي مشغولا بهمّ الإبداع وهمّ جذب المتلقي وبناء وجدانه، من هنا كان سعي الكثير من الروائيين إلى اقتران الحكمة بالبساطة المبدعة، كي يستطيعوا بناء إنسان يواجه القهر والظلم، وبذلك كانت الكتابة لديهم مسؤولية أخلاقية بقدر ما هي مسؤولية فنية، سعوا من خلال الرواية إلى تزويد المتلقي بقوة روحية تجعله أقوى، فلا تدمره صعوبات الحياة.
استطاعت هذه الرواية أن تدهشنا بقدرتها على مزج الناحية الجمالية بالناحية الإنسانية، وقد ظهر ذلك واضحا في أبرز سمة فنية عرفت بها رواية أميركا اللاتينية (الغرائبية) التي قد يظن البعض أنها أبعد ما تكون عن الإنسان وأقرب ما تكون إلى السحر والوهم والخرافة!
ومن هنا نلاحظ أن الغرائبية في رواية أميركا اللاتينية غامرت في الولوج إلى عوالم مجهولة أشبه بالسحر، لكن روعتها تكمن في كونها لم تهرب إلى عالم (الفانتازيا) وتحلق بعيدا عن هموم الإنسان وقضاياه!
كل هذا يجعلنا نستنتج بأن أدباء أميركا اللاتينية كانوا أصحاب مشروعات ثقافية نهضوية، حاولوا مخاطبة واقعهم، دون أن يتخلوا عن الاستفادة من الإنجاز الأوروبي، لهذا كرسوا أدبهم كما كرسوا حياتهم ليزدادوا التصاقا بشعوبهم، ويعبروا عن هويتهم المتنوعة (الأوروبية، الإفريقية، الهندية) وبذلك استطاعوا تقديم أدب ينطق بخصوصيتهم!
وهكذا أسهم الانفتاح الثقافي الذي كان رديفا للانفتاح الإنساني في جعل قراءة رواية أميركا اللاتينية رحلة متعة في عوالم الدهشة والجمال والعمق، فغذّت الروح والعقل والمخيلة.

أدب فترة الاستعمار
بدأت الفترة الاستعمارية بالاكتشافات الإسبانية والبرتغالية الأولى للعالم الجديد في أواخر القرن الخامس عشر، وانتهت بحروب الاستقلال بعد أكثر من 300 سنة. تألّف الأدب المبكر لفترة الاستعمار بشكل رئيسي من كتب التاريخ والقصص التي كتبها الجنود والمنصرون الذين وصفوا ماشاهدوه من مناظر طبيعية جديدة وحضارات مدهشة. ومزج المؤلفون الخيال الشديد بالواقع في وصفهم للمغامرات والاحتكاك بسكان وعادات وحيوانات ونباتات لم يألفوها.
كتب هيرناندو كورتيز المستعمر الإسباني لإمبراطورية الأزتك سلسلة من خمسة تقارير أرسلها لملك إسبانيا تشارلز الأول. وهذه التقارير التي تعرف باسم الرسائل الخمس (1519-1526م)، هي عرض أخّاذ ومفصّل لحملته. وكتب برنال دياز دل كاستيلو الذي خدم في الحملات الأزتكية التي قادها كورتيز كتابا بعنوان التاريخ الصحيح لفتح إسبانيا الجديدة (1522م).
وهناك أعمال كثيرة تناولت فترة الاستعمار هذه، ففي كتاب بعنوان تدمير الأِنديز: انتقد المنصر الدومينيكاني بارتولومي دي لاس كازاس المعاملة الوحشية التي لقيها الهنود على أيدي الأوروبيين، وأعطت تعليقات ملكية لجارسيلاسو دولافيجا صورة دامية لتاريخ إمبراطورية الإنكا، وكتب الشاعر ألونسو دي أرسيلا واي زونيجا أشهر قصيدة لهذا العصر بعنوان لا أروكانا (1569-1589م) وهي تصف شجاعة الهنود التشيليين الذين قاوموا المستعمرين الإسبان. وكان بنتوتكسيرا بينتو أول شاعر في فترة الاستعمار يكتب بالبرتغالية. ففي ملحمته بروسوبوبيا (1601م) عالج موضوع الفرد والطبيعة في البيئة الأميركية.
وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي ظهر نوع جديد من الأسلوب يسمى الباروك. كتب المؤلفون الباروك بأسلوب منمق ومتصنّع، كما استعملوا فكاهة ساخرة وتلاعبوا بتعقيد الألفاظ. وقد نتج عن الأسلوب الباروكي المعقد مؤلفات يصعب فهمها أحيانا كثيرة.
تُعتبر المكسيكية سورخوانا إنس دولاكروز الكاتبة الأولى لفترة الباروك، وهي بشكل عام أبدع كاتبة في فترة أدب عصر الاستعمار في أميركا اللاتينية. فقد كتبت مسرحيات ونقدا لاذعا وأعمالا فلسفية وأشكالا مختلفة من الشعر.
نظم خوان دل والي إي كافْيديس من بيرو شعرا هجائيا انتقد فيه الفساد الذي رآه في مجتمع عصر الاستعمار. كما قام جريجوريو دو ماتوس من البرازيل هو الآخر بكتابة شعر نقدي لاذع. وكتب الشاعر البرازيلي توماس أنطونيو غونزاجا بعض إبداع الشعر الغنائي باللغة البرتغالية وبشكل خاص قصيدته في الحب بعنوان ماريليا دو ديرسوا. أما الشاعران البرازيليان خوسيه باسيليو داغاما، وخوسيه دو سنتاريتا دو دوراو فقد تابعا السير حسب تقاليد الشعر الملحمي. تصف ملحمة داغاما بعنوان أروجواي (1769م) الحرب بين المستعمرين الأوروبيين والهنود. أما قصيدة كارامورو (1781م) للشاعر دو دوراو فتروي قصة اكتشاف البرازيل واستعمارها.

القرن التاسع عشر الميلادي
بدأت معظم مستعمرات أميركا اللاتينية القتال من أجل استقلالها عن إسبانيا والبرتغال في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وقد أدّى العداء للقوى الاستعمارية إلى مايسمى حروب الاستقلال التي بدأت عام 1810م، واستمرت لمدة ستة عشر عاما. وألهمت الحروبُ الشعراء، فنظموا الشعر والفن القصصي الوطني الذي انتقد بشكل لاذع القوى الاستعمارية. وربما كانت رواية الببغاء الغاضب (1816م) للكاتب خوزيه خواكين فيرناندز دو لزاردي أول رواية أميركية لاتينية. فهي قصة تنتقد بشكل لاذع المجتمع الاستعماري الفاسد في مدينة المكسيك، وكتب خوزيه خواكين أولميدو من الإكوادور القصيدة الوطنية الشهيرة بعنوان أغنية إلى بوليفار (1825م).





لمى طباخة - الوطن السورية