استراتيجية لأوباما .. أم وثيقة للأزمة ؟

 ابراهيم البدراوي
 

كان الاعلان عما سمى " استراتيجية أمريكية جديدة " أصدرها الرئيس الأمريكي فرصة – لفترة قصيرة –  مارس فيها المتشبثون بالحذاء الأمريكي الطبل والزمر والرقص والتبشير بالايجابيات التي سوف تعود على العرب والعالم . 
 

سرعان ما غرقت عملية التسويق المبتذلة لهذه الأوهام في مياه البحر المتوسط في نفس لحظة اقتحام العصابات الصهيونية لأسطول الحرية واعمال القتل فيمن كانوا يتوجهون لكسر الحصار على الأشقاء في غزة سلميا . اذ كان انحياز العدو الأمريكي للعدو الصهيوني فوريا وعلنيا ومطلقا . 
 

هل المطروح هو استراتيجية جديدة ؟ 
 

ما تم طرحه ليس استراتيجية جديدة . ذلك أن الاستراتيجيات تتصف بالثبات لارتباطها بمجمل عناصر النظام السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي . في ارتباط بالجغرافيا والتاريخ والحاضر

( الزمان والمكان ) لضمان تحقيق الأمن القومي . وعلى ضوء ذلك يجري تحديد الأهداف البعيدة ، التي لا يجري تبديلها مثل الجوارب والأحذية . 
 

ما تم الاعلان عنه هو نتاج لعملية مراجعة لعناصر ممارسة مفردات ( تكتيكات ) تطبيق الاستراتيجية للكشف عن الاخفاقات والنجاحات ، واعادة بناء تكتيكات متلائمة مع نتائج هذه المراجعة . وهذه العملية تتم بشكل دوري وغير دوري في الولايات المتحدة . ولذلك فان التغيير كان محدودا ، وتناول التكتيكات  التي تصب في مجرى الاستراتيجية العامة بارتباط وثيق بمفهوم الأمن . 
 

أهم ركائز بناء الاستراتيجية الأمريكية : 
 

ثمة ركيزتان تعتبران أهم ركائز بناء الاستراتيجية الأمريكية ( تاريخيا ) . هما  " التوسع " و

" الأمن المطلق " . 
 

كان التوسع ملازما لولادة الولايات المتحدة منذ تكونت مستعمرة صغيرة على ساحل الأطلسي شرق القارة الأمريكية الشمالية . تحول التوسع الى حالة كيفية جديدة  بعد اقامة الدولة عقب حرب الاستقلال أواخر القرن الثامن عشر. ورغم أنها كانت حتى أوائل القرن العشرين مجرد ظل لأوربا . الا أنها لم تكف عن التوسع وبسط نفوذها في أمريكا اللاتينية . 
 

تلازم ذلك مع انتاج مفهوم " الأمن المطلق " أمريكيا . كانت بعيدة وراء المحيط ، وباستثناء حرب الاستقلال والحرب الأهلية الأمريكية فقد كانت كل حروبها على كثرتها خارج أراضيها . العالمية منها أي العالمية الأولى والثانية ، أو حروبها ضد المكسيك وأسبانيا وكوريا الديمقراطية  وفيتنام وأفغانستان والعراق ... الخ . لذا كان " الأمن المطلق " يعني الحروب العدوانية الأمريكية بهدف التوسع . خصوصا بعد بروزها على المسرح العالمي عقب الحرب العالمية الأولى والثانية على وجه الخصوص ، وانعكس الوضع السابق اذ تحولت أوربا الى مجرد ظل للولايات المتحدة الأمريكية . وجرى التركيز على مصطلح " الأمن العالمي " بحيث أصبح زادا يوميا . رغم أنه في الجوهر يستخدم لتحقيق " الأمن المطلق " لأمريكا ، وعلى أساسه جرت ولاتزال كل حروبها . أي أنه مفهوم تم توظيفه لحماية التوسع الأمريكي بالحديد والنار .

بعض الجديد في الوثيقة : 
 

طرحت الوثيقة  بدائل عن الحرب الاستباقية . اذ تحت وطأة الهزائم والخسائر في العراق وأفغانستان صدر في سبتمبر 2009 قرار باحلال شكل جديد للحروب الأمريكية تتمثل في عمليات  " حربية عسكرية – استخباراتية " مشتركة يجري تنفيذها بين البنتاجون والمخابرات . وهي عمليات عسكرية محدودة ميدانها الشرق الأوسط وافريقيا وصولا الى " الدول الصديقة وغير الصديقة " أي العالم أجمع . من أهم أهدافها التصفية الجسدية لقادة وكوادر ومنظمات ...الخ معادية لأمريكا . لكن الأخطر هو اسناد الأوامر بالتصفية للقيادات الوسطى في البنتاجون والمخابرات ، بعكس ما كان متبعا في السابق بصدور هذه الأوامر من الرئيس شخصيا . ولدى السؤال عن كيفية التنسيق بين البنتاجون والمخابرات ( تجنبا للحساسيات ) كانت الاجابة أن هناك عمليات تكفي للجميع !! . والهدف هو أن تسفر هذه العمليات عبر تأثيرها التراكمي عن تحقيق نفس أهداف الحروب .  
 

وطرحت الوثيقة أيضا ضرورة التركيز على الأمن الداخلي وكذا الاقتصاد . وهو ما أطلقوا عليه القوة الناعمة . غير أن الأمن الداخلي – مع تعمق الأزمة – سوف يفتح الباب واسعا  للفاشية . كما أن الاقتصاد مأزوم لدرجة لا يمكن الفكاك منها . وكلا الأمرين في الحقيقة يصادران على امكانية صياغة قوة ناعمة جاذبة قادرة على اعادة الهيبة وتحقيق الأهداف الأمريكية. 
 

المأزق الأمريكي : 
 

كان السلوك الاستراتيجي الأمريكي " عسكريا " مخالفا للسلوك الأوربي . اذ بينما كانت أوربا تذهب الى الحرب في خضم أزمات عاتية ( الحروب الصليبية نموذجا ) حيث تقوم بتصدير أزماتها الى الخارج . فان ذهاب أمريكا الى الحرب كان يجري في ظل نمو اقتصادي تال لفترة كساد وأزمة . هذا  ماكان في الحرب ضد المكسيك . ثم ضد الأسبان عام 1898 . وأبرز النماذج هي الحرب العالمية الأولى التى دخلتها أمريكا متأخرة فتجاوزت حالة كساد . اذ استفادت اقتصاديا من حلفائها الذين يخوضون الحرب بما أهلها لدخولها متأخرة، وبالمثل الحرب العالمية الثانية في أعقاب الكساد الكبير ودخلتها بالمثل متأخرة . ثم كانت حروبها  ضد كوريا ثم فيتنام  ثم الخليج الثانية ... الخ في  اثر أزمات أعقبها نمو . 
 

راهنا تواجه الولايات المتحدة مأزقا غير مسبوق . دخلت حربين واسعتين في أفغانستان والعراق  لم تجن منهما سوى خسائر فادحة اقتصادية وعسكرية وفي هيبتها ( على سبيل التذكير فان قصف الأهداف العراقية  في مرحلة الهجوم  كان مخططا وفق عمليات الاعمار التي ستسند للشركات الأمريكية بعد الاحتلال وهو ما أجهضته المقاومة العراقية ) . كما  كشفت الحرب ضد البلدين عن عمق الأزمة الكامنة في الاقتصاد الرأسمالي بوجه عام والأمريكي بوجه خاص . 
 

لقد أنتج ذلك عناصر أربعة متشابكة ومتفاعلة  تمثل المأزق الأمريكي الراهن : 
 

ان تناقضا عميقا قد انتصب بوجه الامبريالية الأمريكية  ( والامبريالية عموما ) . أدى الى طرح  " وثيقة الأزمة " . 
 

           فأين نحن منها ؟ 
 

           لنا عودة . 
 

  ابراهيم البدراوي