أزمة ماكريستال والمأزق الأميركي
غالب
قنديل
2010-06-24
عندما اختير الجنرال ماكريستال لقيادة القوات الأميركية في أفغانستان قدم كنجم
سياسي و كبطل قومي ، و قد كان قرار تعيينه اقتراحا لقائد هيئة الأركان الأميركية
المشتركة الأميرال مولين ، و بتزكية من خليفة ماكريستال المعين حديثا في هذا المنصب
الجنرال بترايوس الذي عينه الرئيس أوباما يوم أمس.
تمت إقالة تحت عنوان غير مقنع هو ارتكاب ماكريستال ، لمخالفات مسلكية تضر بوحدة
الفريق السياسي والعسكري الذي يقود الحرب كما أوجز أوباما الموقف.
في حين أنه و لأشهر خلت كانت الدعاية الأميركية ترسم صورة للجنرال ماكريستال تجعل
منه أسطورة في قيادة المعارك الميدانية و في القدرة على تنسيق الأنشطة السياسية
والمدنية للجيش الأميركي في مسرح العمليات و هي نسبت إليه إنجازات كثيرة.
قبل سنة بالتمام برز الخلاف الأول والعميق بين قائد القوات الأميركية في أفغانستان
والرئيس أوباما وإدارته السياسية، وكان الموضوع المختلف عليه يتصل بحجم القوات
الأميركية المطلوب حشدها في هذا البلد لمحاولة تلمس المخارج من الفشل المستمر منذ
العام 2001.
التعديلات التي أدخلت على خطة الجنرال ماكريستال، تحت عنوان التحضير للانسحاب في
العام 2011 قضت بعدم إرسال عديد الجنود الذي طلبه الجنرال ماكريستال بمساندة من
قيادة الأركان و تحت ضغط الاعتبارات السياسية الداخلية جرى خفض ذلك العديد و تم
إدخال تعديلات هيكلية على خطة الحرب ، و قد حشدت في الخطة ، سلسلة من الحملات
العسكرية الأميركية والأطلسية على معاقل حركة طالبان وتوقع أوباما في حينه بعد
إقناع القائد العسكري المعني بحدود القدرة على حشد الجنود و رصد المزيد من
الاعتمادات ، أن تأتي ساعة تمناها جورج بوش طيلة إقامته في البيت الأبيض، يعلن فيها
النصر النهائي في أفغانستان و مباشرة سحب القوات الأميركية وإعادة الجنود إلى
ديارهم وعائلاتهم.
السنة المنصرمة شهدت مجموعة تغيرات متلاحقة في الإستراتيجية الأميركية لإدارة الحرب
تحت ضغط المأزق الخطير والاستراتيجي وبنتيجة الهزائم المتعاقبة التي منيت بها هجمات
ماكريستال في أكثر من منطقة على الأرض الأفغانية ، بحيث لم تتمكن قوات الاحتلال من
الاحتفاظ بسيطرتها على أي من الراضي التي تقدمت إليها و تحولت الحرب إلى معارك كر و
فر تقدمت معها سيطرة مقاتلي طالبان نحو أجزاء رئيسية من العاصمة كابل التي شهد
عمقها كثيرا من العمليات التي استهدفت المقرات الرئيسية و طالت قواعد الناتو
الأميركية واقعيا.
أولا: اضطرت إدارة اوباما إلى تعديل شعار الحرب من تصفية طالبان لحصر الأمور في
معادلة تفكيك القاعدة واستمالة القوة الأساسية من طالبان لمسار العملية السياسية
التي يرعاها الموفد الرئاسي ريتشارد هولبروك بالتعامل مع السلطة الأفغانية المحلية،
وهذا التحول الذي يعبر عن الفشل شكل بذاته مادة مثيرة للسباق السياسي بين الفريق
الأميركي لإدارة الحرب وبين حامد كرزاي وأثار العديد من الإشكالات التي اقتضت
استقبال الرئيس الأفغاني في البيت الأبيض مؤخرا لتهدئة الأمور.
ثانيا: توسعت دائرة الورطة الأميركية في أفغانستان لتشمل العمق الباكستاني بعدما
كانت في السابق محصورة ضمن شريط حدودي باكستاني في إقليم وزيرستان، ويتعزز الفشل
الأميركي أكثر فأكثر كنتيجة للتداعيات الخطيرة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي
تثيرها العمليات الحربية والتدخلات الأميركية في باكستان بشكل بات معلنا ومعروفا
وهو يرفع الكلفة المالية والمعنوية للورطة بينما تواجه واشنطن خطر انفجار شامل
للعنف في باكستان قد ينشىء تمردا على سيطرتها تبدو بذوره مع تفسخ المؤسسة العسكرية
و اغلمنية المحلية و ظهور قوي لطالبان الباكستانية على المسرح بعدما فرض التدخل
الأميركي المباشر انتقالها من مرحلة إسناد طالبان الأفغانية على خوض حربها الخاصة
في بلادها و حيث أتاحت عمليات الأميركيين بيئة شعبية مناسبة لانتشار التنظيم
الطالباني تتكون من ملايين المشردين و المتضررين و آلاف الضحايا في ظل سلطة سياسية
مزعزعة و واقعة بين ضغوط محلية و خارجية متشابكة ، و يبدو هذا الواقع الباكستاني
أشد خطورة على السياسة الأميركية و على أدواتها من الواقع الأفغاني، وحيث يقلق
الأميركيين هاجس التسرب النووي العسكري المحتمل.
ثالثا: تحولت الحرب الأفغانية خلال السنة الماضية إلى حقيبة متخمة بالفضائح
والتراجعات ليس فقط على الصعيد العسكري فإضافة إلى تورط السلطة الأفغانية في تجارة
المخدرات و في مستنقع فساد خطير ، جاء التزوير في الانتخابات الرئاسية وتنصيب كرزاي
بقرار سياسي أميركي لينسف المزاعم الأميركية لتبرير الحرب و تضمينها رسالة عن
الديمقراطية و الحداثة وهكذا بدت علاقة القيادة العسكرية لقوات الاحتلال بأمراء
الحرب الأفغان، واضطرار هذه القيادة إلى دفع المليارات لشركات حماية تؤمن طرق قوافل
الإمداد والتمويل إلى قواعد الناتو، وقد تبين أن تلك الشركات في معظمها واجهات
مالية لحركة طالبان، و ذلك كله غيض من فيض يشير إلى تعفن المشروع الأميركي في
أفغانستان وعجزه عن التقدم وحيث يبدو أن الهزيمة والهرب أيا كانت معالم الإخراج
السينمائي، هما المآل الحقيقي لهذه المؤامرة الخاسرة.
رابعا: صيغ التعاون الأميركية مع دول الجوار الأفغاني تعثرت بسبب المنطق الاستعماري
الأميركي الذي يتحرك في دائرة الشروط و الاملاءات وليس ضمن معادلات المصالح
المشتركة وهذا ينطبق على كل من باكستان وإيران وروسيا بشكل خاص، لأن هذه الدول
وخصوصا روسيا وإيران هي بمثابة قوى عالية الفعالية والتأثير في التوازن العام للحرب
الأفغانية وللأحداث في بيئتها الإقليمية عموما وإدارة أوباما فشلت في تكوين المناخ
الثنائي المناسب مع موسكو أو طهران لتفعيل تعاون مثمر في الميدان الأفغاني وحاولت
التحايل غير مرة على القيادتين الإيرانية والروسية لتخطف تسهيلات من غير مقابل.
العديد من المعلقين الصحافيين يتوقعون أن يتدحرج بترايوس كما سقط ماكريستال في بؤرة
الفشل الأفغاني وهم يربطون بين إغماء الجنرال بترايوس في الكونغرس عند مناقشة الملف
الأفغاني ، وغضب ماكريستال وتهكمه على الرئيس ومساعديه الكبار الذي أودى بمنصبه يوم
أمس، وبعض المحللين من ذوي البصيرة والذاكرة يجدون في مسار الأحداث إشارات مشابهة
لآخر أيام الجيش السوفيتي في أفغانستان.