الاقتصاد السياسي لبيدق وأكثر من رُخٍّ

عن تركيا وإيران وأميركا... وسيد المقاومة

د. عادل سمارة

      الإنسان مدني بالطبع وسياسي بالفطرة والوعي. لا تكفيه حياة الاجتماع فلا بد أن يُقنِّنها ويقودها ويسوسها ويستثمرها.  حتى في حمأة القتال والجند يتساقطون كما الهوام، تكون للسياسي حساباته قبل الاشتباك وخلاله وبعده. وتكون نتائج الحسابات طبقاً لمواقف الساسة، هكذا أضاعت مدريد-أوسلو-ستان حسابات الأرض والبيدر، وها هي حسابات تركيا تحصد بأكثر مما بذرت. والويل لأمة لا حسابات لساستها، أو أن حساباتهم متخارجة لعدوهم. 
 

      بعد مجزرة قافلة الحرية، اتضح انقسام الشارع العربي إلى شعبي ورسمي. تسابق الشعبي على رفع العلم التركي تقديراً وابتهاجا بتضحية مواطنين أتراكاً وإكباراً لأناس سُمح لهم بالنضال بينما يحمل ابن المواطن العربي غدَّارةً من النظام لقتل أخيه إن تظاهر! نعم إلى هذا الحد وصل الفتك بالمواطن.  العربي . وبالطبع لا يجرؤ أحد على رفع العلم الإيراني رغم انتصار المقاومة 2000 و 2006 وصمود غزة، ولا يجرؤ حتى على رفع العلم السوري! فهل وراء هذا وذاك أموراً ما. والمهم، لا  يُسمح برفع العلم العربي!

تركيـا  ...أي طريق بعد قرن؟

      رغم شبوب العاطفة يجدر بنا التفكير الملي والهادىء وقراءة الشعبي في اي بلد بأكبر قدر من الابتعاد عن الرسمي. فالاندفاع والحماسة والتضحية الشعبية في تركيا أمر وحسابات القيادة السياسية وراس المال أمر آخر

      بعد قرن من الغزل مع اوروبا، وبعد ستة عقود من التحالف مع الكيان الصهيوني والتجنُّد في الأطلسي تبحث تركيا عن طريق آخر، قد يكون مختلفاً، ولكن ليس شرطاً.

      فمن جهة هناك مصلحة راس المال اتركي في أخذ حصة في الأسواق العربية مستخدماً الإسلام أكثر من استخدامه قطع العلاقات العسكرية مع الجيش الصهيوني. فرفع شعار الإسلام لا يكلف كثيراً ولا يهم العلمانية التركية اليوم إسلام على الطريقة التركية طالما يحقق التراكم، لماذا لا يُستخدم بيد الاقتصاد السياسي. ومن جهة أخرى، سيكون العسكر التركي سعيداً إذا كان ثمن عبور النخبة الاقتصادية في الوطن العربي بالإفراج عن المشاعر

الدينية للأتراك. وهذا يُسعد أوروبا إذا ما أُزيح عنها شبح الطلب التركي بالأوربة، وإذا ما تحولت منتجاتها إلى العرب بدل منافسة جنوب اوروبا ولا سيما اليونان الجريح بالأزمة المالية.

حتى الآن لا إزعاجاً كبيراً لأميركا التي تنظر بدقة إلى الخطى التركية وتحاول ضبط تلك الخطى ليكون الإيقاع مقبولاً. وبالطبع لا بأس بحفنةِ من الإعلام مثل الزعم أن تركيا رفضت مرور الطائرات الأميركية من أجوائها إثناء تدمير العراق الثاني بينما سمحت في التدمير الأوّلْ !

      في سياق إعادة أميركا هندسة البيدق (الوطن العربي) لا بد للاقتصاد السياسي أن يستخدم الإسلام السياسي ولنتنبه للفارق بين إعادة الهندسة باليد أو بيد الآخرين التي تُدار في الأحشاء وغيرها.  لا بد إذن من تنشيط الإسلام السياسي التركي كي ينافس أو "يُنفِّس" الإسلام السياسي الإيراني الذي يتخذ حالة مقاومة. فهو إسلام سياسي/قومي لم ينبت في حضن الأطلسي ولم يُواصل ترِكة الشاه في العلاقة بالكيان الصهيوني بل وجه له ضربات على حدود فلسطين وعمل على التسلُّح التقني العالي بما فيه تطويع الذرَّة.

      ولأن أميركا لا تريد لأي قُطرية عربية أن تحقق ولو انتصاراً شكلياً في معركة مع الكيان، لم تسمح لأي قطرية عربية أن تسجل موقف مقاومة ضد الكيان، ولكن حضور الدور الإيراني اقتضى تطوير منافس يمكن أن يقبله الشارع العربي، فكان إبداء تراخٍ معين للدور التركي.

وماذا عن البيـــدق؟

      أكثر من رُخٍّ تحيط بالوطن العربي، الرخ الأميركي والرخ الصهيوني والرخ التركي والرخ الإثيوبي والرخ الإيراني. وليست جميعاً من نفس الطينة  وبنفس الموقف تجاه الوطن العربي، ولكن لكل منها مصالحه أولاً. وما الخطأ؟ فالعالم سياسة تفتح على بل تتولد من المصالح. ومقصود هنا الدور الإيراني تحديداً بما هو الدور المزدوج. فلا ينكر اشد اعداء إيران أن تحرير الجنوب اللبناني يدين بالكثير للسلاح الإيراني والتعبئة الفكرية والدينية. وقد يكون من المفارقة الكبيرة أن لإيران سياسة متضاربة تجاه أقطار الهلال الخصيب العربي (لم يعد خصيباً بالطبع) فهي تتوغل في العراق وهي حليف حميم لسوريا وهي في مقدمة رفض الكيان الصهيوني في فلسطين! ورغم التناقض التناحري بين المقاومة القومية في العراق بقيادة البعث وبين إيران، إلا أن كلتيهما ساهمتا في حماية سوريا من الغزو الأميركي. فلو بقي الغزو الأبيض للعراق بلا مقاومة وبلا جراح قاتلة أرغمت العدو على الاهتمام بجراحه التي تجلت في الأزمة المالية الاقتصادية، لواصلت جيوشه الطريق إلى دمشق لتلتقي بالجيش الصهيوني على شواطىء طبريا. أي لكانت سارت في الطريق التي عبَّدها صلاح الدين، ولكن لهدف قذر.وربما يصح القول أن هذه المقاومة العراقية قد حمت إيران كذلك.  وبدورها ساهمت إيران في حماية سوريا بدعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية مما قيَّد النزهات العسكرية الصهيونية في عدواناتها السابقة. لم يعد الكيان قادراً على اللعب على الحدود وحتى الغطرسة في العواصم. هل ندين لإيران بالمساهمة في هذا؟ نعم.

      هذا سؤال للبيدق الرسمي العربي. ولكن ليس صحيحاً التصور أن هذه الأنظمة القطرية لا ترى ولا تدرك ما يحصل أو لا تهتم بذلك. لا يوجد في السياسة عمىً، إنما توجد في السياسة مصالح وتوجهات والمصالح تُعلِّم صاحبها التفكير. فالأنظمة العربية، أو معظمها، تقاتل منذ قرن عدوها الداخلي أي القومية العربية. فبما هي أنظة قطرية، فعدوها المركزي في البيت اي الشعب العربي، لذا هي منشغلة في قتل هذا المارد بحرب أهلية محكمة ومتواصلة. وهي تدرك أن النزوع القومي الوحدوي لدى الشعب العربي يعني وجوب تفكيك مفاصل الدولة القطرية.

      لذلك، لم تقاتل هذه الأنظمة، ولن تقاتل، لتحرير فلسطين، بل هي تمارس التطبيع مع الكيان الصهيوني ليصبح التطبيع مشروعها ويصبح تحطيمه مشروع  النهضة العربية الشعبية. وربما لم ينطق سيد المقاومة عن الهوى في حديثه عن مجزرة قافلة الحرية حين ركَّز على التطبيع. ولا بد أن تُصبح مناهضة التطبيع قوتأ /واجبا يوميا للناس، ولن يكون هذا إن لم يُدرك الوعي أن التطبيع يبدأ بالرخاوة ليصبح إدماناً وينتهي بالعمالة. فمن يُدمن يعود، وطوبى لمن يدمن ولا يعود!

      أما مرجعية مواقف هذه الأنظمة فهي في التحليل الأخير في واشنطن مع استشارات ونصائح من العواصم البيضاء الأخرى كل حسب قامته ومصالحه. سيكون من الصعوبة والخطل قراءة مواقف هذا البيدق الرسمي ذي أل اثنين وعشرين إستاً على غير هذه الخطوط. وستكون كارثة إذا ما تمكنت هذه الأنظمة من تعويد المواطن العربي على انتظار صدقات نضال الآخرين نيابة عنه.

      وهذا يفتح على سر المرحلة: الصراع الخفي وإن سمعت بعض قرقعته ورؤيت ومضات لمعان سيوفه، وهو استهداف العدو الثلاثي (الغرب والصهيونية والكمبرادور العربي) للمقاومة والممانعة. فالمسألة تحديداً: يجب قطع يد المقاومة بل عنقها، وعنق من يدعمها بالسلاح من إيران والمعنوية من سوريا وحتى من يكتب سطراً.

واليوم القرار أشد وأعتى. فالوحش الأميركي في مأزق اقتصادي لن يُحلَّ بتدويره إلى أوروبا وبلدان المحيط بقدر ما يحل ببقاء الوطن النفطي بيده والسوق النفطي لسلعه، وربما بإشعال حروب حتى لو صغيرة لتشغيل وتجديد ماكينة راس المال وتعمية الجمهور عن سرقات أمواله . فالأزمة في الاقتصاد والنفط والسوق اقتصاداً، ولا يبقى سوى أن يقرأ أوباما بدقة الاقتصاد السياسي لبوش، فهذا أذكى وأمهر أي أخطر، ولكنها المدرسة إياها والمصلحة نفسها.

 

06/06/2010