العجز العربي و"شعر بنت خالتي"

*عوني صادق 
 

قضية "أسطول الحرية" والقرصنة الإسرائيلية والموقف التركي إزاءها، ثم الموقف العربي الرسمي مما جرى، كلها عناوين لا بد من التمعن فيها للخروج بفهم واقعي يصلح ليكون أساسا يمكن أن تبنى عليه المواقف اللاحقة.

لقد كانت الطريقة الإجرامية التي تعاملت بها الحكومة الإسرائيلية مع "الأسطول" تبدو حالة فريدة من الغباء الذي يدفع على التساؤل على طريقة الصحفي البريطاني روبرت فسك: "هل فقدت إسرائيل صوابها؟". إن التمعن في المسألة يوصل إلى رأي أخر أكدته شهادات الذين تعرضوا للهمجية الإسرائيلية. فمن جهة، أقدمت الحكومة الإسرائيلية على فعلتها عن سبق إصرار وتعمد وهي تعرف تماما ما ستتعرض له  من استنكار وتنديد رأت أنه سيتم في نهاية المطاف احتواءهما، ورأت فيهما ثمنا مناسبا لتحقيق نوع من "الردع" لكل من يفكر في إعادة محاولة كسر الحصار عن غزة. كان ذلك هو الهدف الأول، بينما كان الهدف الثاني إفهام تركيا "حدود" تدخلاتها في ما يعتبر "شأنا إسرائيليا".

لقد اجتمع القلق الإسرائيلي من نتائج كسر الحصار مع الغرور الإسرائيلي المعهود، الناجم عن القوة العسكرية والثقة بالدعم والتغطية الأميركيين، فأنتجا ذلك القدر من الغباء الذي سمح بقدر غير متوقع من إساءة التقدير. لكن الموقف الأميركي وقد ظهرت توجهاته سيجهد في الأيام المقبلة ليظهر أن سوء التقدير الإسرائيلي لم يكن بالقدر الذي بدا عليه.

لقد راقبت تل أبيب السياسة التركية خلال السنوات الأخيرة، ولم تعجبها. فالتعاطف التركي مع غزة لم يبدأ مع "أسطول الحرية"، بل ظهر واضحا أثناء الحرب الإسرائيلية التي شنها الجيش الإسرائيلي عليها في كانون الأول 2008/كانون الثاني 2009 التي كانت بداية "تراجع" العلاقات التركية- الإسرائيلية، والذي تأكد في الصدام الذي جرى على الفضائيات بين رجب طيب أردوغان وشمعون بيريس في مؤتمر دافوس، ثم في إهانة السفير التركي في تل أبيب. لقد ظهرت تلك المواقف التركية وكأنها حلقات في مسلسل مزعج للقيادة الإسرائيلية. أكثر من ذلك، لم تكن تل أبيب راضية عن الوساطة التركية بينها وبين دمشق، وأساءها أكثر الاتفاق الذي توصلت إليه تركيا، بمشاركة البرازيل، مع طهران بشأن الملف النووي الإيراني. كل ذلك أقنع القيادة الإسرائيلية أن أنقرة تسير في خط لا يلائم سياساتها في المنطقة، بل يخرب تلك السياسات ويساهم في فضحها وكشف حقيقتها المراوغة، ما أظهر لتل أبيب الحاجة لتوجيه "رسالة قوية" لأنقرة لعلها تتوقف عن سياستها "المناوئة" لها، وكان "أسطول الحرية" هو الفرصة التي لم تشأ أن تفوتها دون توجيه تلك الرسالة، فأقدمت على ما أقدمت عليه ضاربة بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني عرض الحائط، ومتهيئة لمواجهة الاستنكار والتنديد اللذين ستأتي بهما العملية، ونتائج ذلك لأيام أو أسابيع، كما تعتقد.

أما تركيا، فأولا، ليس من شك في التعاطف التركي مع أهل غزة، وكذلك ليس من شك في وجود مثل هذا التعاطف التركي مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وهو ما يجب أن يكون موضع تقدير كبير وعرفان بالجميل واضح. ولكن، ثانيا، ليس من الرؤية الواضحة تجاهل أن تركيا أهينت وجرى المس بسيادتها وبكرامة مواطنيها الذين استشهد بعضهم برصاص القتلة الإسرائيليين، وأنه كان لا بد أن تنتفض لكرامتها وسيادتها وأرواح وكرامة مواطنيها. وثالثا، ليس من فائدة تجنى من تجاهل عدد من الطموحات التركية، من تكريس نفسها قوة إقليمية كبرى لها مصالحها، إلى دولة لا بد أن يكون لها دور في السياسة الدولية... وكل هذه الطموحات التركية مشروعة من جهة، ويمكن أن تكون لصالح العرب، إن عرفوا كيف يقيمون علاقات صحية مع تركيا، من جهة أخرى.

يبقى الموقف العربي الرسمي وما أكد عليه من حقائق باتت معروفة. هذا الموقف لم تعد له سوى سمة واحدة هي العجز والعجز المطلق. ويكفي دليلا على ذلك ما خرج به وزراء الخارجية العرب من "قرارات" أهمها إعادة القضية إلى مجلس الأمن الدولي، الذي سبقها إلى الاجتماع وخرج هو الآخر ببيان هزيل، بفضل الولايات المتحدة الأميركية.

ما يثير الانتباه هو الموقف العربي الشعبي، الذي بقدر ما يؤكد العجز العربي الرسمي يثير الشفقة والحزن على الأمة كلها. لقد أصبحت الجماهير العربية تتعلق بأي صوت يعبر عن شيء مما تتمناه، فمرة ترى أن تركيا هي التي ستسترد الحقوق العربية المغتصبة وتضع حدا للصلف الصهيوني والتوسعية الإسرائيلية، ومرة ترى أن إيران هي التي ستخلصنا من هذا الكيان الغاصب، بل ووصل الأمر في مرة ثالثة إلى انتظار فنزويلا لتقوم عنها بالمهمة! لقد أصبحت أسماء أردوغان ونجاد وشافيز تعادل أسماء عبد الناصر وخالد و صلاح الدين! على الجماهير العربية أن تتذكر أن حقوقها الوطنية والقومية لا ولن يستردها لها أحد غير نضالاتها وتضحياتها، فلتركيا مصالحها وهي أولى بالاهتمام بالنسبة لحكامها وقيادتها، ولإيران مصالحها وهي الأولى أيضا بالنسبة لحكامها وقيادتها، فماذا لو اقتضت تلك المصالح أن تتخلى عن دعمها وتعاطفها مع القضية الفلسطينية والقضايا العربية، أو على الأقل أن تخفف من ذلك الدعم والتعاطف، أو ماذا لو كان لها رأي غير رأينا في الوصول إلى حقوقنا أو حدود تلك الحقوق ... كيف سيكون الحال؟ في كل الأحوال لن ينفعنا أن نتباهى بشعر بنات خالاتنا الجميل، بل لا بد أن يكون شعرنا هو الجميل حتى نستطيع أن نتباهى!    

 

*كاتب واعلامي فلسطيني مقيم في عمان

13/06/2010