21/06/2010
بشأن ديناميكية الصراع مع العدو الصهيوني -
غطاس أبو
عيطة
يرى محللون سياسيون, بأننا في الجانب العربي لم ننجز شيئاً من حالة الردع المتبادل التي نشأت مع العدو الصهيوني, فقد بتنا قادرين في هذه الحالة, على تفادي عدوان واسع يشنُّه علينا هذا العدو لما يترتب على ذلك من خسائر لديه بات يحسب حسابها, لكننا عاجزون بالمقابل عن المبادرة إلى خوض حرب تحرير ضد هذا العدو لعدم وجود إجماع في صفوفنا على تحمل الآثار المدمرة لمثل تلك الحرب, وهكذا فإن الرابح من هذا الوضع هو الجانب الصهيوني المتمسك بالأراضي التي احتلها عام 1967 أو التي اغتصبها عام 1948, وما يبدو واضحاً, هو أنه كما شكلت حرب تشرين آخر الحروب النظامية مع الصهاينة, فإن حرب تموز وربما حرب غزة, ستكون بدورها آخر الحروب بالنسبة لحركات المقاومة, وبذلك يكون الصراع قد دخل إلى أجل غير منظور في حالة من الستاتيكية.
وإذ نتصدى لهذه الرؤية الميكانيكية فيما يتعلق بالصراع مع العدو الصهيوني فإننا نتوقف عند التالي:-
أولاً- إن ما أنجز على جبهة الصراع مع هذا العدو, هو تكبيل وظيفة الكيان الإخضاعية في المنطقة. وإذا ما أخذنا في اعتبارنا بأن هذه الوظيفة تشكل ركناً أساسياً بالنسبة لوجود الكيان في قلب هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للمراكز الاستعمارية الغربية, فإننا ندرك بالتالي, أي خسارة تكون قد لحقت بهذا الكيان, لما يترتب على ذلك من تقلُّص الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الذي ظل يتلقاه من تلك المراكز لكي يواصل الاضطلاع بوظيفته في استنزاف وإخضاع دول وشعوب المنطقة لهيمنة المستعمرين.
ثانياً- ولأن قيادة الكيان لن تسلم بهذه الخسارة التي تمس جوهر مشروعها الاستعماري الإستيطاني, فهي معنية بأن تعمل على كسر معادلة القوَّة التي نشأت, ويفرض عليها ذلك أن تضاعف القدرات العسكرية التقنية عالية الكلفة للكيان التي تجنبه تحمُّل خسائر بشرية في الجنود والمدنيين, ليكون ثمن ذلك, المس بمستوى معيشة المستوطنين, بما يترتب على هذا الأمر من تراجع الهجرة إلى الكيان ومن تنامي الهجرة المعاكسة, وما يضاعف عمق هذا المأزق, هو نشوب الأزمة المالية والاقتصادية في المراكز الرأسمالية الغربية التي طالما غطت الاحتياجات الأمنية لهذا الكيان.
ثالثاً- وقد خسر الكيان على المستوى الإستراتيجي, ما جرى من انتقال إيران من موقع الحليف له إبان عهد الشاه, إلى موقع العداء والتهديد.. ومع السياسة التركية الجديدة الآخذة في الترسُّخ تجاه قضايا المنطقة, فإن الكيان لا يملك إلا أن يضع نفسه في تصادم مع هذه السياسة لكي يخسر الحليف الإقليمي الآخر.
ولتوضيح هذه المسألة نريد القول, بأن ما تتطلع له حكومة أردوغان, هو إقامة حالة من الاستقرار في المنطقة تتسق مع مصالح تركيا كمركز إقليمي, ومن أجل ذلك فهي تسعى لنزع فتيل عدم الاستقرار في هذه المنطقة عن طريق الوصول إلى تسوية متوازنة للصراع الدائر فيها, وذلك ما يتعارض على طول الخط مع طبيعة المشروع الصهيوني, ويفسَِّر ذلك الحماقة التي ارتكبها قادة الكيان في عدوانهم على اسطول الحرية الذاهب إلى غزة ضمن محاولة منهم للجم التحوُّل الجاري في السياسة التركية التي قطعت شوطاً عل طريق إقامة نظام إقليمي يشكل البديل لمشروع صهينة المنطقة. وغني عن الإيضاح, بأن السياسة التركية الجديدة ما كان لها أن تنطلق من دون داعمين لها في المنطقة, ومن دون معادلة القوَّة التي نشأت في هذه المنطقة والتي فرضت التراجع على المشروع الإستعماري ومن خلفه الصهيوني.
رابعاً- وما خسره الكيان كذلك في ظل الظروف التي نشأت, هو حلمه بأن يستحوذ على حصة مجزية من ثروات المنطقة, المائية والنفطية والتجارية.. الخ. ولنتذكر هنا بأنه في أعقاب حرب عاصفة الصحراء عام 1991 وما نجم عنها من إطلاق عملية السلام أي الإخضاع الأمريكية, أن بيرز قد سارع إلى طرح معادلته الإستعمارية عن زواج يقوم بين العقل اليهودي وبين الثروات واليد العاملة العربية, وأن رابين أيضاً, راح يقسم ثروات المنطقة بين أمريكا وكيانه, بحيث لا تنقص حصة الكيان عن 50% من تلك الثروات, وقد تبدد هذا الحلم في ظل موازين القوة التي نشأت لتتبدد معه فكرة جمود الصراع, إذ مع الإعلان عن اكتشاف حقول غازٍ في الشواطئ الغربية للمتوسط, تحسَّب الصهاينة بأن حزب الله قد لقي قضية يحشد من حولها الإجماع اللبناني على دور المقاومة أما على الصعيد الفلسطيني والسوري فأسباب التحشيد لا حصر لها.
خامساً- لقد أحدثت"قافلة الحرية" المتجهة إلى قطاع غزة المحاصر, منعطفاً حاسماً في مسار الصراع, فما جرى من عدوان همجي على القافلة, لم يحاصر الصهاينة وحسب ويضعهم في قفص الاتهام كقراصنة وكعصابة قتلة كما كلن حالهم دائماً, بل إنه حاصر كذلك, أطراف معسكر الاستسلام, وعبثاً حاول النظام في مصر تخفيف جرمه بحق أبناء غزة من خلال تخفيف إغلاقه لمعبر رفح أمامهم, وجاء استنجاده بمجرم مثل سمير جعجع, لكي يقرِّه على سياسته المحابية للكيان والمعادية لقوى الصمود والمقاومة, أوضح تعبير عن حالة العزلة التي باتت تحيق بهذا النظام. لكن التحول الأهم الذي أحدثته القافلة في وجهة الصراع, أنها فتحت آفاقاً لأساليب جديدة من المواجهة مع الكيان الغاصب, تواصل تكبيله عن استخدام ترسانته العسكرية ضد المدنيين العُزل, وكأن الصراع على الساحة الفلسطينية, قد أدخل في نمط جديد من تفاهم نيسان الذي أدى إلى اندحار الصهاينة عن جنوب لبنان.
سادساً- وإذ نتوقف عند ما أنجز على ساحة الصراع الفلسطينية من دون إغفال مفاعيل ذلك على المستوى الإقليمي والدولي, فإننا نلفت نظر أصحاب الرؤية الميكانيكية, بأن قضية الشعب الفلسطيني في ظل المستجدات التي نشأت, قد خرجت عن مسار سلخها عن عمقها العربي والاسلامي وعن بعدها التحرري والإنساني على المستوى الدولي, وهكذا فإن كفاح هذا الشعب من أجل انتزاع حقوقه الوطنية, لم يعد خاضعاً للمعادلة التي طالما عطلت مفاعيل هذا الكفاح, وبالتالي فإن التضحيات التي يبذلها هذا الشعب في سبيل نيل حقوقه, لم تعد خارج سياق النضال الذي تخوضه دول وشعوب المنطقة لبناء نظام إقليمي تحرري فيها, ولم تعد خارج إطار النضال الذي تخوضه شعوب العالم, من اجل بلوغ نظام دولي لا تتحكم فيه المراكز الرأسمالية الإستعمارية, ومثل هذا التحوُّل في وجهة الصراع الفلسطيني- الصهيوني, بتنا نشهد معالمه من خلال حملات فك الحصار عن غزة كما سبق وأن أشرنا.
سابعاً- ويوصلنا ذلك إلى القول, بأن الصراع الدائر في المنطقة هو في حالة احتدام, وأنه في الوقت الذي يعمل فيه الحلف الاستعماري حاشداً كل أعوانه, على استعادة موقع المبادرة في المنطقة, فإن الحلف المضاد لا يقف ساكناً بل هو يعمل على تعزيز ما حققه من تقدم. وينقلنا ذلك إلى الرؤية النافذة التي طرحها الراحل جوزيف سماحة في كتابه(( سلام عابر)) الذي أتى تعليقاً وتعقيباً على صفقة أوسلو, إذ رأى في هذا الكتاب, بأنه ليس المطروح أن نقضي على المشروع الصهيوني الذي يشكل امتداداً عضوياً للمشروع الاستعماري الغربي عن طريق الضربة القاضية, بل عن طريق إيجاد محيط متماسك يتصدى لهذا المشروع ويحول دون تقدمه, بما يضعه على سكة تراجع تاريخي, بحيث تتم هزيمته بالنقاط, ولعل ذلك ما أخذت تعبر عنه السياسة التركية مدعومة من القيادة السورية ومن كل قوى المواجهة والمقاومة في المنطقة ضمن تحولٍ أتى أسرع من كل توقعات جوزيف سماحة.
ونخلص إلى القول في الختام, بأن نهوض قوى المقاومة في المنطقة مدعومة من قوى الصمود والمواجهة العربية والإقليمية, قد غيرت وبصورة جذرية المعادلة التي سعى الحلف الاستعماري إلى فرضها من خلال حملته العدوانية التي ابتدأت مع حرب عاصفة الصحراء عام 1991, وأنه في ظل هذا التغيُّر الجذري والتاريخي يتم رسم مستقبل المنطقة, وهكذا فإنه في الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى أن صراعنا مع العدو الصهيوني قد دخل مرحلة مديدة من الستاتيكية, فإن وزيرة خارجية أمريكا بدت أكثر استيعاباً لما جرى من تغيُّر, بما دفعها لأن تحذر مؤتمر الصهاينة الأمريكي, بأن يسارعوا إلى حل متوازن لقضايا الصراع في المنطقة قبل أن يصبحوا في مواجهة الحل الجذري الذي يضع علامة استفهام على مستقبل نظام استيطاني بات خارج سياق تحولات التاريخ, حيث بات هناك من يتجرأ على الطرح, بأن ما جرى من حل للمسألة اليهودية على حساب الشعب الفلسطيني وعلى حساب استقرار ورخاء شعوب المنطقة, كان خطئاً تاريخياً يجب تصحيحه.