لم تعد السلطة الفلسطينية فقط سلطة رام الله، بل أصبحت منظمة التحرير منظمة رام الله. فبعد أن كانت منظمة التحرير الفلسطينية تمثل كافة أبناء الشعب الفلسطيني في كل أنحاء العالم وترعى مصالحه أينما كان، أصبحت صلاحيات ونطاق عمل المنظمة مقتصر على مدينة رام الله. إذ لا يوجد أدنى فعل من منظمة التحرير في القدس أو في 48 أو في غزة أو في الشتات. وأصبحت منظمة التحرير وعملها مقتصر على اجتماع هنا أو هناك لإعطاء غطاء لموقف السلطة في المفاوضات مع إسرائيل أو موقف داعم لحكومة فياض أو رئاسة عباس في أي شأن فلسطيني.
إن الذي يقود منظمة التحرير اليوم ليست فتح، أو فصائل منظمة التحرير، بل عدد محدد لا يفوق عدد الأصابع ومعظمهم يجلسون في المقاطعة بالإضافة إلى الدكتور سلام فياض الذي يدير أموال الدول المانحة وكل قرش يدخل إلى السلطة والمنظمة. وربما تكون إدارة د. سلام فياض ممتازة للأموال العامة، إلا أنه يجب أن لا تختزل القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين في مشروع إدارة مالية.
ولا يعقل أن لا يكون هناك استقلالية سياسية ومالية وتنظيمية وأمنية لمنظمة التحرير وكافة أجهزتها داخل وخارج فلسطين. فيجب أن تكون منظمة التحرير هي المارد الذي لا يقوى عليه أحد، لا العرب ولا الغرب. وهي الجسم الذي يجب أن يكون بيده المال والقوة والقرار الفلسطيني المستقل. فلا مال دول الخليج يجب أن يتحكم بالمنظمة، ولا مال أوروبا وأمريكا، لأن الفلسطينيين سيخسروا القرار الفلسطيني المستقل. وللأسف فقد نجح الغرب باحتكار تمويل المنظمة والسلطة وتطويعها لأجل غاياتهم المكشوفة في تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس وال 48 والشتات. إلا أن الشعب الفلسطيني شعب لا يمكن قهره، ولا يمكن هزيمته ولا يمكن تتطويعه بالمال والجاه، لأنه مصمم على نيل حريته وحقوقه مهما تكالبت عليه القوى العظمى بقيادة الصهيونية العفنة.
فالشعب الفلسطيني أدرك خطر المؤامرة، وخطر تحكم سلطة الحكم الذاتي الهزيلة بمنظمة التحرير الفلسطينية وبشرعيتها وبتمثيلها. وقد بدأت تحركات جدية خارج فلسطين للملمة الشأن الفلسطيني في الخارج، وبدأ الفلسطينيون بالتجمع تحت مسميات عدة في دول أوروبية وفي أمريكا وفي أستراليا وفي دول أمريكا اللاتينية. وحتى في فلسطين 48، بدأت القوى السياسية بتجميع قواها، بعيداً عن ضعف منظمة التحرير، لاستعادة الهوية الفلسطينية وأصبحوا رأس حربة في مقارعة الفكر الصهيوني وشرعيته.
وكذلك في القدس التي نفضت يدها كليّاً من أي أمل في سلطة أوسلو ومنظمة رام الله. وقد انتفضت غزة كذلك ضد كل ما لا يرضيها وأخذت قراراً حاسماً بالمضي قدماً على طريقتها بعيداً عن سلطة أوسلو ومنظمة رام الله. لا أحد ينكر اليوم ضعف وهرم منظمة التحرير الفلسطينية، ونحن لا نريد الإجهاز عليها بل إنقاذها من نفسها ومن المكائد التي تحاك ضدها ليل نهار، لأنها هي الأمل الوحيد للشعب الفلسطيني. فنحن بأمسّ الحاجة لجسم قوي يمثل جميع الفلسطينيين أينما كانوا، يعيدنا للثوابت الفلسطينية المتمثلة في تحرير فلسطين من النهر للبحر وعودة جميع اللاجئين إلى بيوتهم وقراهم التي تم تهجيرهم منها. نحن بحاجة لمنظمة تحرير تقودنا للتحرير الكامل من دنس الاحتلال الصهيوني، ندعمها وتدعمنا ونضحي بأرواحنا من أجلها وأجل فلسطين. لقد آن الأوان لهذه المهزلة أن تنتهي، وستنتهي قريباً.
القدس المحتلة 17-06- 2010