شكراً لجنبلاط.. ولكننا نخالفه الرأي

افتتاحية القدس العربي
17/06/2010
الجدل الدائر حالياً في مجلس النواب اللبناني حول مسألة منح الفلسطينيين اللاجئين
في لبنان حقوقهم المدنية والانسانية، وما ورد فيه من مواقف رافضة ومعارضة من قبل
معظم نواب اليمين المسيحي، يسيء الى لبنان، مثلما يسيء الى هؤلاء اللاجئين في الوقت
نفسه.ما لا يعرفه الكثيرون خارج لبنان، ان اللاجئ الفلسطيني في لبنان (300 الف لاجئ)
يعيش في ظروف انسانية صعبة للغاية، وممنوع عليه العمل في اكثر من ستين وظيفة، وغير
مسموح له ادخال كيس اسمنت واحد الى المخيمات من اجل اصلاح بيته المتآكل بسبب القدم
وعوامل التعرية، او التوسع قليلاً، مثل بناء غرفة اضافية لايواء اعداد الابناء
المتزايدة.
يستطيع اي مواطن على وجه الخليقة ان يذهب الى لبنان ويشتري قطعة ارض، او يعمر بيتاً،
الا الانسان الفلسطيني، فهو ممنوع من التملك حتى لشراء قبر، وينطبق هذا القرار
التمييزي الظالم على الفلسطينيين الذين يحملون جوازات سفر اجنبية.
المفارقة ان هذا الجدل يأتي في وقت يستعد فيه احرار لبنان لارسال سفينة محملة
بالاغذية والأدوية لكسر الحصار على قطاع غزة، وتحمل على ظهرها مجموعة من الفتيات
والسيدات اللبنانيات من مختلف الطوائف والمذاهب والأديان.
فكيف يمكن التضامن مع المحاصرين في قطاع غزة، والقوانين اللبنانية تفرض حصاراً على
اشقائهم في مخيمات الشتات في لبنان، سؤال نوجهه الى النواب اللبنانيين الذين عارضوا
تعديل القوانين بطريقة معيبة تكشف عن عقليات ترفض تفهم الحد الادنى من الحقوق
الانسانية، لأشقاء يعانون من حرمانهم منها لاكثر من ستين عاما.
السيد سعد الحريري رئيس الوزراء كان اكثر انسانية وانسجاما مع ضميره الوطني والخلقي
من الكثيرين من اعضاء كتلته في الجانب المسيحي، عندما تساءل في جلسة المجلس نفسها 'اننا
في لبنان نعطي الحق لاي مواطن غير فلسطيني بان يعمل ويُطبّب، ولا يجوز ان تأتي
الوفود الينا لكسر الحصار على المخيمات'. اما النائب نواف الموسوي فقال 'لا يجوز
الاستمرار بفرض حصار وعقوبات مصطنعة على اللاجئين الفلسطينيين وعندما نصوت فاننا
نصوت ضد سياسة الحصار وفرض الشروط والمحاذير عليهم'.
المعارضون لاعطاء الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين يستخدمون 'فزاعة التوطين' وهي
الفزاعة نفسها التي استخدموها على مدى الثلاثين عاما الماضية على الاقل لاذلال
هؤلاء، وتصعيب ظروفهم المعيشية لدفعهم الى الهجرة ومغادرة لبنان الى المنافي
الاوروبية.
الفلسطينيون لا يريدون ان يتوطنوا في لبنان او غيره، والا لما انخرطوا في فصائل
المقاومة جنبا الى جنب مع اشقائهم اللبنانيين، وقدموا مئات الشهداء في معاركهم
وحروبهم ضد الغزاة الاسرائيليين.
هناك فارق شاسع بين رفض التوطين الذي هو عمل مشروع، وتجويع اكثر من ربع مليون
فلسطيني وحرمانهم من ابسط حقوقهم المدنية في عملية تمييز عنصري وانساني تشوه وجه
لبنان الديمقراطي والانساني وتسيء الى تضحيات شعبه الهائلة لنصرة القضية الفلسطينية
العادلة.
السيد وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني كان بليغا، عندما قال في
فورة غضب ناجمة عن تدني الحس الانساني والاخلاقي لدى الكثير من النواب اليمينيين
اثناء مناقشتهم هذه المسألة 'ان الكلام اليميني لم يتغير منذ 62 عاما، وانه لم ير
اغبى من اليمين اللبناني في حياته'.
نختلف مع السيد جنبلاط في هذا التوصيف لان اليمين اللبناني ليس غبيا وانما هو يمين
عنصري متعجرف، وعجرفته هذه هي احد اسباب غرق لبنان في الحروب الاهلية، وتمزيق وحدته
الوطنية، وزعزعة استقراره الاجتماعي، واغراقه في مستنقع الديون الخارجية.