مناقشة لخطاب مثقف من الناصرة 

غطاس ابو عيطة 
 

في مقالين نشرا أخيراً على الشبكة الألكترونية, يزجي كاتبهما النشط السيد نبيل عودة من أبناء الناصرة, كل المديح للصهيوني إبراهام بورغ, الذي يرى فيه المنقذ للشعب الفلسطيني من المصير المحتوم الذي حمله له المشروع الصهيوني, ومقابل ذلك, فهو يوجِّه أعنف النقد للأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية داخل الكيان الغاصب التي لا تهتم حسب رؤيته, بغير تزعيم قياداتها في إطار القوانين العنصرية التي يفرضها اللصهاينة على الجماهير الفلسطينية, ليطال نقده بعد ذلك حركة حماس, التي قامرت بدماء الشعب الفلسطيني في غزة كما يقول, متوهمة أن بمقدورها مواجهة آلة حربية هي الأكثر حداثة في العالم.

وما يستوقفنا في الخطاب الذي يعبر عنه كاتب المقالين, هو استصغاره لقوى النضال التحرري التي أفرزها الشعب الفلسطيني بما في ذلك حركة فتح التي لا يبرئها من الفساد فيما هو يهاجم ما اعتبره إنقسامية حماس, وتعلُّقه بالتالي, بالظاهرة الهامشية التي يعبر عنها بورغ من داخل المشروع الصهيوني, وكأنه يريد القول, بأن الشعوب العربية والإسلامية, لا تملك القدرة بسبب تخلفها على المساهمة في صنع التاريخ, وأن المجتمع الصهيوني بجيناته الغربية, هو وحده القادر على إفراز قوى حداثية تصحِّح مسار التاريخ بالنسبة لوجهة الصراع في المنطقة.

وفي ردنا على هذا الخطاب الذي توقع له الكاتب أن يثير حملة من التنديد ضده,فإننا نقول التالي:-

أولاً- أن تنامي نضال جماهير شعبنا في المناطق المحتلة عام 1948, بات يثير أعمق القلق لدى الغزاة الصهاينة, فدور لجنة المتابعة العليا في بلورة وحدة هذه الجماهير الوطنية, غدا بنداً دائماً على جدول أعمال مؤتمر هرتزيليا السنوي الذي يعقده قادة الصهاينة, وبالنسبة للتيار الإسلامي, الذي تعاظم حضوره وسط تلك الجماهير وعلى امتداد المنطقة, فقد اعتبره الصهاينة كتيار مقاوم , بمثابة تحدٍ وجودي غير مسبوق بالنسبة لكيانهم, وغنيٌ عن القول بأن النهوض النضالي لمليون وربع مليون فلسطيني توهم الصهاينة بأنه قد جرى تدجينهم, هو نتاج عملية تراكم لخبرات كفاحية ما كانت لتتحقق دون دور الأحزاب والقوى السياسية الذي يستخف الكاتب بنضالاتها.

ثانياً- وبالانتقال إلى قاعدة المقاومة التي جرى انتزاعها في قطاع غزة تحت أنف المحتلين, فقد بات واضحاً أن صمود هذه القاعدة بوجه آلة الحرب الصهيونية وبوجه الحصار المجرم, قد وضع الكيان أمام مأزق يتعمق كلما حاول الخروج منه عن طريق العدوان, ذلك أن هذا الصمود لم يعمق ويوسع جبهة القوى العربية والإقليمية المناهضة للمشروع الصهيوني ووظيفته الإخضاعية في المنطقة وحسب, بل إنه سياسات الكيان التي باتت مصدر التهديد الأساس لاستقرار المنطقة والعالم, وذلك حين بات اليهود المستندين إلى سياسات هذا الكيان كما يشير بورغ, يشكلون ما نسبته 30% من مجموع تجار السلاح والحروب في العالم.

ثالثاً- وإن المأزق التاريخي الذي دخل فيه الكيان ومشروعه العدواني التوسعي والإخضاعي, هو ما دفع وزيرة خارجية أمريكا وليس بورغ وحده, إلى دعوة قادة الكيان لأن يسارعوا بالخروج من هذا المأزق قبل فوات الأوان, غير ان هذا المازق الذي هو نتاج البنية والإيديولوجيا التي تأسس عليها المشروع الصهيوني, قد دفع التجمع الإستيطاني إلى انتخاب الحكومة الأشد عنصرية وعدوانية في تاريخه, بما يؤكد لنا, أن أوهام الكاتب بشأن تولي رجل مثل بورغ رئاسة حكومة الكيان في المستقبل القريب, كي يحرره من نزعته العنصرية والفاشية, ولكي يقيم على أرض فلسطين دولة لمواطنيها, هي مما لا يتسق مع الآليات التي تحكم هذا الكيان.

رابعاً- وبعيداً عن الإطالة في الشرح, فإننا نخلص إلى القول مع السيد وليد جنبلاط, الذي عاد له العقل بعد مروره في "لحظة تخلٍ" راهن خلالها على المشروع الأمريكي- الصهيوني, بأن القافلة تسير, وانها لن تنتظر المشككين بقدرة شعوب المنطقة وقواها الحية على دحر هذا المشروع, بل على إطلاق عملية نهوض في المنطقة طالما احتجزتها القوى الإستعمارية والنظم العميلة التابعة.

وفي الختام نقول, بأننا ناخذ في اعتبارنا ما بات يطرحه بورغ وأمثاله من قادة المشروع الصهيوني, غير أننا نضع ذلك في سياقه الموضوعي, الذي يقوم على الرؤية بأن تشبُّث الشعب الفلسطيني بحقوقه في وطنه وتقديمه التضحيات دفاعاً عن تلك الحقوق,منطلقاً من عدم تعلقه بأوهام التعايش مع المشروع الاستعماري النقيض, هو الذي يقود إلى هزيمة هذا المشروع التي باتت منظوره بالنسبة للمنطلقين من حسابات علمية, ترى بأن شعوب الغرب ومن ضمنها التجمع الاستيطاني الصهيوني, ما عادت قادرة على خوض حروب مكلفة دفاعاً عن المشاريع الإستعمارية بعكس الشعوب المناضلة التي تضحي من أجل حريتها.