هذا الذي بقي من أوسلو

نضال حمد

24-03-2006

بعدما مات اتفاق اوسلو أو بالأحرى فطس كما تفطس البهائم .. وهذا ما كنا كتبنا عنه قبل سنتين أو أكثر من الآن.. بعد أن مات الاتفاق الذي حمل اسم أوسلو عاصمة النرويج هذا البلد الجميل الذي يسكنه شعب صغير ، أقل من خمسة ملايين نسمة، استطاع هذا الشعب العملي والشغيل بالعرق والكدح والجد والشفافية بناء كيانه الوطني، وتشييد دولته النرويجية الحديثة التي أصبح إنتاجها القومي أكثر من مائة مليار دولار (حصلت السلطة الفلسطينية على أموال كثيرة منها خلال سنواتها الأوسلوية ).. هذا الشعب الذي يؤمن بالإبداع وبالإنسان كمبدع لم يكن يريد لاسم عاصمته الجميلة اوسلو أن يرتبط بما يؤلم الشعب الفلسطيني أو غيره من الشعوب ، بل كان يبحث فعلا عن سلام حقيقي وعادل يعطي الفلسطينيين حقوقهم والاحتلال ما يسميه المجتمع الدولي مطالبه بالأمن والاعتراف بالوجود. لكن بعد ان تعرف النرويجيين على فذلكة وفهلوة أهل الشرق ، عرفوا أنهم يتعاملون مع أمزجة غريبة عجيبة ومع بشر يختلفون عنهم بالتفكير والتخطيط والإدارة وطريقة وأسلوب العمل. ورغم هذا لم تقم النرويج بإصدار بيان نعي رسمي لاتفاقية اوسلو ، بل أكتفت بتقطيب الموضوع ومحاولة رأب الصدع وحل المشاكل بالطرق الحسنى.. لكن هذا لا ينفع مع الصهاينة ولا يغير عقلية أهل اتفاق اوسلو من الفلسطينيين.

 

 بعد أن مات اتفاق اوسلو تاركا خلفه عجائز وأشبال سلام الشجعان الذين أساءوا لكل ما هو جميل وعظيم في التجربة الفلسطينية.. وبعد أن ترك وراءه فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة والمجزرة والمجزأة والمنخورة والمحاصرة ، مكبات ضخمة من نفاياته النتنة.. حيث تجمعت على تلك المكبات كافة أنواع الأوساخ والقمامة والحشرات التي  تتكاثر تكاثر الذباب على الجيفة.. مات اتفاق أوسلو المولود قيصرياً في غرفة الإنعاش الأمريكية، ليترك وراءه الموت الذي يأتي على الفلسطينيين وهم ليسوا في أبراج مشيدة بل يمارسون حياتهم اليومية ككل البشر وكسائر الناس.

 

ترك اتفاق اوسلو الميت آثاره وبصماته الصهيونية الدموية على كل شارع وفي كل زقاق وحقل وارض فلسطينية مسلوبة ، محروقة ، منهوبة أو مصادرة لراحة المستوطنين اليهود ولتمدد الجدار والطرقات الالتفافية. ولمشاريع ترسيم الحدود كما يريدها اليهود الصهاينة وقادتهم الدجالين. فبفضل عبقرية الطرف الفلسطيني الذي فاوض في اوسلو وأخواتها من المدن والعواصم ازدادت المستوطنات بشكل مخيف ومرعب، وتوسعت وصارت طرقها الالتفافية مع الجدار العازل تأكل الأخضر واليابس، وتوسع وتعزز وتكاثر الاستيلاء على القدس وتهويدها بشكل أسرع مما كان عليه قبل اتفاقية سلام الشجعان. وكان كل ذلك يحدث بمشاركة وجوه سلطوية مقدسية وغير مقدسية في عملية السطو والبيع والشراء والسمسرة مقابل مبالغ من المال. وهؤلاء السماسرة لازالوا أحياء ويعيشون بين الفقراء ويتحدثون أحيانا عن السلام والشرعية الدولية والتطرف والإرهاب ومنظمة التحرير الفلسطينية وإحياء روابط القرى وهي رميم.

 

الاتفاق الفاطس حول كافة مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة إلى سجون جماعية بدءا بسجن المقاطعة في رام الله حيث حوصر وقتل وغيب فيما بعد ياسر عرفات سيد رجالات سلام الشجعان الأوسلوي. وصولا إلى سجن مقاطعة أريحا حيث هدم مؤخرا قبل أن يتم اختطاف القائد الوطني الأسير احمد سعدات ورفاقه الذين اغتالوا المجرم زئيفي، بالإضافة لفؤاد الشوبكي وعشرات المناضلين المطاردين. كل ذلك بدون ان يبدي الذين أشبعونا خطابات وتصاريح وبيانات عن الشرعية والسيادة والدولة والقانون وأجهزة الأمن والشرطة والمخابرات وحفظ الأمن والهدوء وحياة الناس والنظام أي مقاومة عملية. ونفس هؤلاء كانوا قد حرموا المقاومة ورفضوها. لا يريدون المقاومة ولا يريدون لغيرهم ان يقاوم. فما الذي يريدونه وما هي أهدافهم وهل يعتقدون ان طريقة غاندي السلمية ستنفعهم او ستعيد للفلسطينيين ولو جزء من حقوقهم؟ وهل الذين استباحوا أريحا وأرغموا حراس المقاطعة من عناصر وضباط الأمن الوطني على الخروج عراة بكلاسينهم الداخلية فقط لا غير، كأنهم في فيلم هوليودي يهودي يعيد قراءة تاريخ هجوم وغزو يهوشع لأريحا، ثم تدميرها بعد أسر وقتل وإذلال وسبي و سلب ونهب أهلها.. هل شريكهم في سلام الشجعان يريد مثلهم سلام ووئام وتعايش وجوار حسن ؟؟

 

كل هذا أيضا جزء مما تركه لنا اللا مغفور له بإذنه تعالى اتفاق اوسلو سيء الصيت والسمعة... فقد ترك لنا اوسلو أيضا مهندسه من الجانب الفلسطيني محمود عباس ابو مازن ، ومعه لفيف من المنتفعين والمتسلقين والبياعين والمبتاعين من كل الألوان السياسية الفلسطينية بدء من سارقي تاريخ وتجربة فتح ، الذين غلبوا غلابة يا فتح يا ثورتنا غلابة.وليس انتهاءا بشراذم بعض قوى اليسار الفلسطيني التي كانت تيسرت وصارت من آل ياسر وقوم فتح منذ حصار طرابلس الشهير سنة 1983 . هؤلاء الذين بقوا بعد زوال اوسلو وبقاء نتائجه على الأرض أيضا يتحدثون بنبرة عالية وبحماس عن م ت ف وعن الشرعية الفلسطينية والقرارات القانونية واللجنة التنفيذية التي أكل عليها الدهر وشرب. لكنهم عندما يتحدثون يذهب عن بالهم أنهم صناعة فتحاوية ، والأصح صناعة عرفاتية ، فلولا قوة وسيطرة الراحل ياسر عرفات لما كنا عرفناهم ، لكانوا ذهبوا مع الريح كما ذهب غيرهم من الأبوات وعتاريس التجارب الأردنية و اللبنانية والتونسية للفصائل والفسائل الفلسطينية.

أوسلو ترك لنا يسار فلسطيني محطم ومهشم وهامشي وغير سويّ ، يسار سقط سقوطا مدويا في الانتخابات التشريعية الأخيرة في الضفة والقطاع. لماذا سقط بهذه الطريقة المذلة ؟ لأنه يسار يركب قطار اليمين رافعا علم أحمر بالي اللون وبلا نكهة أو أي شيء يدل على أيام العز ووقفات الرجولة والكبرياء. يسار بلا إرادة وبلا مسار وبلا قوة وبلا برنامج يتناسب مع متغيرات الدنيا. يسار يذهب بعض من يتحدث باسمه وبرفقته وزراء ومستشارين وقيادات من السلطة وفتح واليمين وبعض ال: ان جي أوز (منظمات آخر زمن) مبعوثين ممن هم قادتهم في المنظمة والسلطة إلى جنيف ليوقعوا إعلانا يتنازلوا فيه عن حق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى أرض الآباء والأجداد المسلوبة والمستوطنة صهيونيا ويهوديا. يسار يشترط على حماس الاعتراف بالقرارات الدولية للاشتراك في حكومتها .. وهل يستطيع هذا الجزء من اليسار ان يحدثنا عن القرارات الدولية ولماذا لم تحمي تلك الشرعية الدولية اليساري الأسير احمد سعدات ورفاقه من الأسرى في معتقل المهانة الوطنية في أريحا. وهل أيها اليسار السعيد ستعيد القرارات الدولية احمد سعدات وعبد الرحيم ملوح ومروان البرغوثي وحسام خضر وسمير القنطار ووليد دقة وسعيد العتبة وناصر عويس وحسن يوسف وأحلام التميمي وكل الذين يقبعون في سجون الصهيونية الاستعلائية؟؟

 

مات اوسلو لكن آثاره وعواقبه لازالت حية ، موجود في مبادرة جنيف الجيفية الرائحة والمشهد ، وفي الذين وقعوا عليها وأخذوا مؤخرا يتحدثون عن اللجنة التنفيذية ورفضها لبرنامج حماس. هؤلاء يجب ان يحاسبوا ومن ثم يطردوا من مؤسسات العمل الوطني الفلسطيني بعد إعادة بنائها وتصحيح مسارها وتنظيفها من الفساد والترهل والسوس. وهؤلاء يجب ان يحاسبوا هم ومن أرسلهم ليوقعوا على اتفاقيتي بيلين و يعالون. أليس من العار ان لا يحاسب الشخص الذي دعا المعلمين والأكاديميين البريطانيين إلى عدم مقاطعة الاحتلال الصهيوني ، بعد اتخاذهم قرارا بمقاطعة جامعات الاحتلال؟؟. هذا وأمثاله من قادة المصادفة أساءوا كثيرا للشعب الفلسطيني ولحقوقه الوطنية عبر اتفاقاتهم المشبوهة ووثائقهم مع بيلين ويعالون وغيرهم من سارقي ارض ووطن الشعب الفلسطيني.

 

مات اوسلو لكنه ترك لنا أيضا سلطة فاسدة وحزب سلطة تسيطر وتهيمن عليه مجموعة لا تقبل ولا تسلم بالهزيمة ، مجموعة من اللصوص الحركيين وقادة المصادفة، ومستشارون من صناعة ونتاج تجربة اوسلو وأخواتها .. هؤلاء الذين تطاولوا حتى على شخص رئيس الدائرة السياسية للمنظمة  وأمين سر اللجنة المركزية لفتح وآخر قادتها التاريخيين. والذين فعلوا الأفاعيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ، حيث كانوا اغتصبوها وغيبوها وركبوها مرارا .. لتتحول خلال عشر عجاف من عمر اوسلو الجيفي الى منظمة منهكة ، معدومة العافية ومسلوبة ومنهوبة ومغتصبة.. منظمة ظلت دائرتها السياسية بشخص أبو اللطف تقاوم الإعصار الاوسلوي فيها لوحدها، وحاولت مرارا إصلاح واقع الحال،لكنهم كانوا يحاربونها ويعارضونها ويلعنونها. فكيف ستصبح الأمور الآن بعدما استفاقوا على هزيمة انتخابية شعبية انتزعت منهم السلطة. طبعا سيحاولون إحياء عظامهم هم في المنظمة بعدما صارت رميم.. سيعودون إلى ركوب قطار الوحدة الوطنية من خلال تمسكهم بشكلية المنظمة مثلما هي موجودة الآن. لكن هل من المعقول ان يقبل الشعب الفلسطيني بعودتهم إلى المنظمة بدون تحديثها وإعادة ترميمها او بنائها وبدون إجراء انتخابات فلسطينية في الداخل والخارج حيث أمكن للمجلس الوطني الفلسطيني ، الذي يجب عليه ان ينتخب لجنة تنفيذية وطنية تحترم إرادة الشعب الفلسطيني وعظام وقمصان وشواهد قبور الشهداء. نقول انتخابات هنا وهناك وهنالك لأن شعب فلسطين ليس موجودا في مناطق الضفة والقطاع فقط لا غير. هذا الشعب موجود في كل أماكن تواجده من أعالي الجليل الفلسطيني الأشم وخلف أسوار عكا إلى مخيمات الكرامة والعنفوان والتضحيات في لبنان والأردن وسوريا والعراق وفي تجمعاته في الدول العربية والأجنبية كافة. هذا الشعب الكامل المتكامل يجب أن ينتخب قيادته وممثليه للمجلس الوطني الفلسطيني،الذي بدوره ينتخب اللجنة التنفيذية للمنظمة،والتي بدورها تقود السلطة الفلسطينية وتوجهها وتحاسبها. أما اللجنة التنفيذية الموجودة والحالية فقد صارت منذ زمن متقادمة وتالفة وغير صالحة للاستعمال المحلي أو الإقليمي أو الخارجي. لجنة فقدت الشرعية بموت وأسر وغياب معظم أعضاءها. كما أن حالها من حال اوسلو ، ومصيرها من مصير اوسلو. وبكل قبح وسوء نية وبلا خجل وحشمة تعلن هذه اللجنة التنفيذية أنها ترفض برنامج حكومة انتصر حزبها بالانتخابات على أساس برنامج سياسي وتاريخ نضالي وكبديل مرحلي لزمن تلك اللجنة التنفيذية المستنفذة.. بأي حق ترفض لجنة لم تعد تمتلك الصلاحيات برنامج حكومة تملك الأغلبية في سلطة كان من المسلم بها أنها تتبع للمنظمة وان المنظمة مسئولة عنها، لكن فهلوة المسالمين الشجعان من فرسان آخر الخيول الفتحاوية والفصائلية المعطوبة غيبت المنظمة وأحلت مكانها السلطة،وقلبت الأشياء رأسا على عقب، فصار الذيل رأسا والرأس ذيلا. وعندما مات أو غيب ياسر عرفات وعين أبو مازن خلفا له بطريقة غريبة عجيبة لا يفهمها إلا عجائز وأشبال سلام الشجعان. الحقيقة كذلك تقول بانه لا أبو مازن ولا من قبله أبو عمار احترموا القانون والمنظمة بل تلاعبوا بهما حتى وصلت القضية إلى الحضيض ، وفتح إلى الهزيمة والفصائل إلى الإفلاس السياسي . وهذا ما جعل حماس تفاجئ مثل كل الناس بحجم تأييدها في الانتخابات. لكن الأمر واضح حماس بفوزها تستثمر نضالاتها خلال سنواتها العشرين خير استثمار سياسيي وجماهيري أدى إلى فوزها بالانتخابات في الضفة والقطاع وتعزيز مكانتها بقوة.

 

هل السلطة الجديدة من نتائج اوسلو ؟

 

نعم لكنها جاءت لتمحو آثار أوسلو وتعيد طلاء اللوحة الفلسطينية بريشة فلسطينية جديدة تعرف كيف تظهر الصورة بشكل يليق بها. على الأقل نحن نعتقد انها بتاريخ وجوهها ووطنية شخوصها يجب أن تكون هكذا وهذا يظل مجرد اعتقاد سوف تجيب عليه الأيام والشهور القادمة.

 

 اقرأ أيضاً : فلسطينيو العراق إلى أين؟

     

 

 

To cover the expenses of the website, Advertisement Space available at special reduced rates. For details contact the website mail address.

       

لدينا مساحة للإعلان بسعر رمزي لتغطية تكاليف الموقع. لمزيد من المعلومات نرجو الاتصال بنا على بريد الموقع.

 

 Her kan dere ha deres anonnse, for mer info skriv til oss

 

Advertisement, Announcements, Competitions .. و   مسابقات    إعلانات