في ذكرى رحيل عزت الغزاوي واستشهاد بغداد

 

www.safsaf.org

بقلم : نضال حمد

 04.04.2006

 

قبل ثلاث سنوات من الآن ، تحديدا في الثالث من نيسان ابريل من سنة غزو واحتلال العراق ، وقبل يوم واحد من السقوط العسكري لبغداد ثاني عواصم الخلافة الإسلامية،على مرأى ومسمع الحكومات والقيادات وجيوش الطبيخ العربية.. بغداد عاصمة الخليفة الكبير أبو جعفر المنصور ، الذي فجرت عصابات الإرهاب الطائفي تمثاله البغدادي في وقت لاحق. وفي يوم استشهاد بغداد عاصمة الرشيد ومحبوبة السياب، كنت متوجها برفقة بعض الأصدقاء في سيارتي من العاصمة النرويجية اوسلو إلى مدينة مالمو السويدية التي تبعد حوالي 700 كلم عن عاصمة النرويج ، مكان سكني وإقامتي وعملي.

 

في الطريق إلى هناك كنا نتحدث عن المعارك غير المتكافئة التي يخوضها العراق وحده ودونما سند من عرب أو عجم وفرس وروم وسند وهند. إذ كان العراق وحده يقاوم وحدة الروح الأخيرة، يدافع عن كبرياء وكرامة وعزة وارض العرب، وكان الجيش العراقي يقاتل ببسالة العراقي الطيب والشهم ، ابن الأرض والقيم والشرف الرفيع الذي تسال على جوانبه الدماء لصيانته من العملاء والدخلاء والأعداء.. يقاتل العراقي بما لديه من سلاح أحدث ما توصلت إليه صناعة الموت والقتل الأمريكية ، الغربية والصهيونية. يقاتل ويدافع عن الخليقة ضد جيوش المغول وهولاكو العصر الحديث من الذين أبادوا الهنود واستعبدوا السود وألهوا صهاينة اليهود.

 

 وصلنا مدينة مالمو السويدية عند المساء... كانت بغداد لا تزال تصد العدوان والهجمات التي بدأت قبل انطلاقنا من اوسلو في الصباح .. وعند المساء يا صديقي عزت وبعدما شاهدت ما شاهدت من أفراد وآليات وجنود أمريكان قرب النهر .. وقبل ذلك طائراتهم التي قتلت الصحافيين العرب والأجانب والمدنيين العراقيين، تيقنت بان بغداد ستسقط شهيدة لا محالة.. وحضر أمامي مشهد ابن العلقمي متمثلا بكل الزعامات العربية والكردية والمحلية والإقليمية والدولية .... فقد اغتال العلاقمة الجدد بغداد من جديد .. فاستشهدت مدينة السلام لتعلن بداية زمن جديد سوف يبدأ باستعادة الكرامة العربية المداسة ببساطير الأمريكان والصهاينة.  ولا بد أن العراق الذي يشكل عمقا لفلسطين سوف يبدأ مرحلة جديدة ، مرحلة العراق العربي الأبي للخروج من الزمن الأمريكي بالتوقيت الصهيوني. فالعراق العزيز العظيم سوف يقبر الدخلاء والغزاة وان الزمن العربي العراقي سيكون خير شاهد على كلامنا هذا.

 

 لا بد ان صديقنا عزت الغزاوي في اليوم المشئوم  قد رأى من ضمن ما رآه نفس الذي رأيناه واستنتج نفس استنتاجنا فذهب للاستلقاء ولأخذ قسطا من الراحة عبر القيلولة، حيث كان يود ان يرتب في حلمه أحلاما بغدادية ، منها قيامة بغداد من جديد وقيامها بتنظيم العمل تحت الاحتلال. كان يريد ان يشاهدها وهي تنتفض لتقبر الغزاة وتعيد البهاء لقامة المنصور ، ولهامة الرشيد ولوفاء وإخلاص وتفاني المعتصم... كان يريد ان يرى في منامه طيور السلام تعيد ترتيب ما هدمته آلات القتل والدمار وعملاء الاحتلال. كان يريد استعادة المنهوبات من متاحف العراق الذي علم الإنسانية أبجدية القراءة والكتابة.. كان يريد ان يحفظ ذكريات وآثار نبوخذ النصر العظيم بعيدا عن متناول الحاقدين والمتخلفين ... كان يريد للعراق أن يظل عراقاً قويا يواجه أعداء الحياة ، ويعيد لأرض السواد الأمن والازدهار والحريات والعدالة و السلام.. وكان أيضا يريد ان يرتاح وان ينام ..

 

نام عزت الغزاوي في اليوم الرابع من شهر ابريل ليرحل مع استشهاد العراق بخيانة الأنظمة وتواطؤ الزعماء وانحياز العالمين وانصياعهم لقوة بوش وتبعية بلير وعنصرية برلسكوني وهوارد وغيرهم من زعماء الغرب. بعد ذلك لم ينهض عزت الغزاوي من قيلولته تلك فودع الحياة في اليوم المذكور تاركا خلفه مؤلفاته وكتبه وما نشره من أعمال أدبية وثقافية. وقد قرأت في اليوم نفسه ، اليوم المشهود والمشئوم خبر وفاته في شريط أخبار قناة الجزيرة حيث ورد بشكل سريع لأنه جاء في خضم المعارك الدائرة في قلب بغداد العروبة.

 

لعل روح عزت الغزاوي استراحت بعد أيام من رحيله إذ أن المقاومة العراقية انطلقت فورا ولم تنتظر للحظة واحدة ، فعاجلت الاحتلال بانطلاقة قوية لبداية حرب التحرير الشعبية والمقاومة العملية ضد المحتلين الأمريكان وأعوانهم من العملاء والانفصاليين والطائفيين. وأصبحت أمنية كل مقاوم عربي أو إسلامي الذهاب إلى العراق للاستشهاد في مواجهة الأمريكان ومن اجل تحرير العراق. وتعززت موجات المقاومين التي وصلت الى العراق. خاصة المقاتلين الأشداء والمجربين ، الذي عرفتهم ارض الجنوب اللبناني ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان والأردن. وآخرين قدموا من بلاد عربية وإسلامية مختلفة. ليؤكدوا وحدة المعركة والمصير التي كان الراحل عزت الغزاوي كتب عنها في مؤلفاته ومقالاته.

 

رغم اختلافنا مع الصديق الراحل عزت الغزاوي على الموقف من العملية الاوسلوية، ومن سلطة اوسلو وما جلبته لفلسطين من ويلات ولعنات وتقسيمات ومصطلحات مع عدم نكراننا لبعض الحسنات ، التي تقاسمتها بعض الأوساط واستفادت منها بعض الجهات. ورغم بروز وجوه جديدة ذات مصالح لا علاقة لها بمصلحة فلسطين وشعبها ونضالنا الوطني الشريف والسليم. لكن الخلاف معه لم يفسد العلاقة التي بدورها لم تستطع الاستمرار طويلا حيث انتهت بالموت المفاجئ لعزت الغزاوي.

 

ها هو المنصور الذي كتبت عنه رسائلك يا عزت يشمخ فوق ناطحات السحاب الأمريكية ويعلو بقامته ليتخطى بيغ بن مدويا صوته وهو يوجه المقاومة في بلاد الرافدين.. وها هو الرشيد يقود الجهاد من اجل الحرية والكرامة أو الاستشهاد ... وها هو المعتصم يكبر فينا مع كل عربي معتصمي (من المعتصم) الإرادة ، ومع كل مقاومة عراقية تصرخ واعرباه  بصوت عموريّ (من عمورية) يعلن ان في الحق قوة وفي الشهادة انتماء وحياة.. فمجدا لبغداد العروبة التي لا تنتهي ولا تزول وهي تقاوم مع فلسطين نيابة عن العالمين.

 

ولراحة روحك السلام يا صديقنا عزت الذي نام ولم تنم أعين كلماته الباقية ..

 

مواضيع ذات صلة

عزت الغزاوي يترجل عن فرسه الفلسطيني

نضال حمد - اوسلو

09.04.2003