المبدع محمد الماغوط : بدأ وحيدا وانتهى وحيدا

 

نضال حمد - اوسلو

 

 03.04.2005

 

بدون سابق إنذار وكعادته متكئا على سيجارته رحل محمد الماغوط وحيداُ كما جاء من السلمية النائية... من غربة التي صارت غربته في الوطن.. رحل فأذهل رحيله محبيه ومبغضيه .. فالموت خائن حين يأتي ربيعي وفجاءي... وحين يختطف من كان يخط الوطن بالحب حبرا وحياة .. من كان شفافا وشفافيا وواضح كجنين مكتمل التكوين.. كان الوطن الذي ينتمي لأمة والأمة التي تؤلف الوطن .. سمح لدمه بتعبئة  محابر الكتابة وكتب بالدم للوطن الكبير الذي كان يتصاغر ويصغر مع كل طلعة فجر حزين.

 

كتب لسوريا الكبيرة ولسوريات سوريا اللواتي أحب ونحب... كتب للشام أم الدنيا وعنوان البقاء رغم العواصف والزوابع والظلم والمقت والأعداء من كل الأصناف والأجناس. وكتب للوطن العربي الكبير حكاياته وهو الفتى الذي لا يعرف الصمت ...

 

 كتب الماغوط فأتحف الأمة بروائعه التي تحاكي الوجع اليومي والمزمن، فجاء بشقائق النعمان وكاسك يا وطن وضيعة تشرين وغرفة بملايين الجدران وحزن في ضوء القمر وسياف الزهور. ...

 

محمد الماغوط هو الذي انشد يوما :

 

" اهربي أيتها الغيوم
فأرصفة الوطن
لم تعد جديرة حتى بالوحل
..".

 

 طبع انفعالاته وآلامه في كتابه الوطني الجميل المعنون  سأخون وطني ... ذاك الوطن الذي أحبه الماغوط حبا جما وظل وفيا له حتى آخر ثانية من حياته ، بالرغم من الوحل وهروب الغيوم وانكماش الأرصفة تحت أكعاب الأحذية المستوردة.

 

ودعت بلاد الشام وسوريا كاتبا كبيرا وشاعرا محدثا  سيبقى علما من أعلام الشعر النثري في وطن العرب وبلاد الضاد. حيث لم يكمل الفقيد شهر نيسان الربيعي الذي يشتري الحب ولا يبيعه ويوزع الأزهار مع حكاياته والورود على الجنود على الجبهات وعند الحدود.. يوزعها على الذين يحرسون الوطن بما تيسر من عذاباتهم اليومية وقدرهم المحتوم. ..

 

محمد الماغوط  هو الذي قال في دبي يوم تسلم وهو على عربته النقالة جائزة العويس :

 

من يدعوني لافتتاح أي معرض منتظر "
كمن يدعو الخريف لافتتاح معرض زهور
ومهما كتبت وأبدعت في أي مجال
أظل ضيفاً عابراً على هذا الوطن الخالد والمفدى
فإلى الوطن الذي يستقبلني
والوطن الذي ينتظرني
وإلى المحكمين الذين لا أعرف عنهم أكثر مما
أعرف عن مواقع الغيوم واتجاهاتها دون نظارتي
الطبية
كل ما أملك عدا عكازي وحزني،
من قبل قلت: آه لو يتم تبادل الأوطان كالراقصات
في الملهى
والآن أقول: آه لو يتم تبادل الأسرى مع أوطانهم
في كل حرب
لأني منذ الطفولة وحتى الآن: كلما تحركت
ستارة سترت أوراقي بيدي
.".

 كبغي ساعة المداهمة

 

 لم يستطع قلب الماغوط ان يوقف الموت مع أنه واجه الكبت والطاغوت ، وقاوم كل ما كان يمنع الحجر عن النطق والصخر عن الكلام. استسلم قلبه الذي ثقبته رصاصات المرض العضال للموت على مرأى السماء وفي وسع مساحة الوطن الممتد من النهر إلى البحر.. استسلم قلبه للتابوت الصغير ولم يستسلم هو أبدا في حياته للتابوت الأكبر، حيث كانت تحتجز الأماني والأغاني والأحلام وحريات العصافير. ظل وفيا للانتماء وللخيار الذي لا يقبل القسمة.. يتقاسم الهموم والخبز والمعاناة مع محبيه.. وكان مع الفقراء من الناس في سراءهم وضراءهم ، مع الحاملين مشعل الثورة من أجل الخبز والحرية ورفضا للجوع والتجويع ، وللركوع والتركيع ، وللواقع العربي المزري ، حيث توقفت عقارب ساعة الزمن العربي العظيم. وحيث اغتصبت كان العربية وأخواتها في وضح النهار.

 

 كتب محمد الماغوط ما يحلم كل كاتب كبير بكتابته، كتب أشياء ممتعة وملتزمة ونابضة وراسخة ، فكتاباته ملهمة ويتمنى كل صاحب قلم ان يرقى بما يكتب لمثل روائع ابن السليمة ، ابن غربة ، صاحب ضيعة تشرين وكأسك يا وطن .. نعم كأسك يا وطن الملايين الذين هاموا لا يدرون ماذا يفعلون ، فالروم وضعوا خلف ظهرانيهم روم، واليهود وضعوا أمامهم وبينهم صهاينة.. فلم تعد عواصم الخلافة الإسلامية والدولة العربية سوى مدنا محتلة ، ساقطة بالضربة الأمريكية أو ميتة بالسكتة الاستسلامية. مضى محمد الماغوط قبل ان يرى أي انتصار عربي حقيقي على الأعداء والاحتلال والتخلف والاستعمار الأجنبي.

 

 لم تنته الحرب ولم ينته الماغوط عند الثالث من نيسان ابريل ، فهو حي في كتاباته التي لا تخون وطنها ولا ترتد عن أمتها. باق مثل جبل الشيخ ابيض الرأس وعالي الهامة وبهي الطلعة وسامي المكانة...

 

 لم تنته حكاية الماغوط مع التقرير و لا عند الحدود ، إذ لا حدود لحبه ، فكل قلوب الناس هويته، وكل حدود الدنيا حدوده، وكل بلاد العرب بلاده ، وكل إنسان فاضل وحكيم وعادل هو زميله وشقيقه.. فتقارير حبه هي تقارير قلبه ونبض عروبته وإنسانيته وروح الانتماء فيه للكل الجمعي.

 

محمد الماغوط كاتب نثر الشعر وشاعر  نظم النثر  بحس ومستوى ورونق وذوق وتحدي.. أسهم في نشر الوعي وثقافة الانتماء والالتزام في زمن صار فيه العربي رديفا للتخلف والظلم والقمع والهزيمة وبؤس المصير. واسهم أيضاً في إعلاء صوت الكاتب وهو الرديف لصوت الحق والحرية. وهو الساخن والطري كرغيف الخبز العربي اليومي .. فكان عونا لوطنه ولأمته طوال رحلة العمر المديدة. ظل قويا شامخا لا يهادن .. وسوف تحيا كلماته  " بدأت وحيدا وانتهيت وحيداً.."  طويلا لأنه بدأ وانتهى منتصب القامة...

 

 جاء وحيدا لكن وسط الجميع ، ثم رحل وهو محاط بالمحبين والمعجبين من الذين عرفوه عن قرب والذين لم يروه ولو مرة واحدة في حياتهم. فمحمد الماغوط الذي قد يكون مضى دون ان يودع أحداً ، تودعه اليوم سوريا من نهرها الى بحرها .. وتودعه العروبة من المحيط إلى الخليج .. تودعه الآن أمة بكاملها، وثقافة صمود ومواجهة ومجابهة وانتماء صلبة لا تلين ولا تتكسر. يودعه جميع  الأوفياء وكل الذين كانوا ينتظرون كتاباته مثلما ينتظر عاشق حبيبته.

 

فمن منا يمكنه نسيان " غربة" وغربة الماغوط في وطنه الكبير .. ومن لا يتذكر "الارجوحة"  حيث لازالت الأمة تتأرجح بالرغم عنها .. ومن سينسى "خارج السرب" إلا الذين سيخرجون عن سرب هذه الأمة الواحدة. ففي أعمال الماغوط سنبقى أحياء مع  "حكايا الليل" في" وادي المسك" بدون أي غلط وبدون ان نسال مثلما سال هو " وين الغلط ". وسنشرب نخب الوطن وندق الكأس بالكأس نخبك أيها الوطن الأكبر. نخب الذين يختصون " بالحشرات البشرية" وبتشريح الكلمات وتوزيع الأغاني والكتابات من اجل الاستفادة والمعرفة والانتماء والالتزام. فوطن محمد الماغوط سيبقى حيا فيه وفي مسرحياته التي مثلها الفنان الكبير دريد لحام في الثمانينات. وسيحيا على جدران آلاف الغرف الإسمنتية التي تحجب الشمس عن ملايين الناس في الأوطان القريبة والغريبة. ولا بد أن بعض تلك الجدران المرعبة في متحف التاريخ العربي الحديث ستذكر الماغوط  يوم استند إليها وهو يحمل هم الوطن على كاهله ويحاول الطيران به مع رف الحمام ليحط فوق مقبرة كبيرة للأحياء.. ومن هناك  يمضي الماغوط بعد سنوات إلى  قبرٍ حيث كتب على شاهده بخط يده وبعشق سوري  ووفي " هنا ترقد الشاعرة سنية صالح آخر طفلة في العالم".. وسنية الغائبة هي زوجة الشاعر التي رحلت سنة 1985. والتي يسافر شاعرنا إليها بعد فراق  سنوات طويلة..  ستبقى ذكرى الذي عبد دربه بالدفاع عن كان وواجه اغتصابها مع أخواتها حية ومنيرة ومشعة رغم قتل الأنفس التي حرم الله قتلها ورغم استعباد الناس الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

 

 

مواضيع ذات صلة

http://www.safsaf.org/06adab_arabi/mohammad_almaghuot.htm

*

  http://www.safsaf.org/06adab_arabi/muwasif_maghoutm.htm

*

http://www.safsaf.org/safsaf_nornews/news_02_06.htm