منير مزيد

من يشنق الشموع

منير مزيد

أرحلي
تطفأ مصابيح مشكاة
أثقلها ضباب ورماد في القلب
قمر مطعون في الظهر
مرثيته تخط على جدار كابوس
يحاصر شموعا
تكاد تضيء.....
يشنقهم بحبل أكاذيب من مسد
أنهض.. أنهض
وحوش الظلام
خفافيش الموت
تبحث في العتمة عن أحلام تذبحها
والدم المسفوك على عتبات البيت العتيق
ثلج حار

آه.. أيتها الشياطين الهاجعة في ممرات الهاوية
توقفي...توقفي
شمعتي
شمعتي الوحيدة
والأخيرة في الظلام
تصارع الموت والريح.....

غبار الأمس يتلاشى
في دوّامة الرغبة
الريح تعوي هناك.....
دع الشيطان يغادر
ويأخذ معه كلّ إغراءاته
تاركا مسكنه يحترق.....
هيئي في البرية طريقاً
طريقاً لسطوع الشمس
الإمرأة الحزينة
التي تحترق بعاطفة الحنين
تتحرر.....

 

+++++++++++++++++++

منير مزيد يغني لبغداد
فليرحل المحتل الغاشم عن عاصمة هارون الرشيد

لأجلك يا بغداد
يا حاضنة التاريخ والأحلام
أصلي
أغني....
بغداد يا نخلة تنام على سعفها
كل المجرات ....

من سمائك العلياء
تتنزل الملائكة ليل نهار....
من ترابك الطهور
يتيمم الأنبياء والشهداء....
ومن ماء دجلة والفرات
تستحم كل حوريات الأكوان....

آه بغداد يا هالة الروح!
في حزنك، أنا الألم،
وفي قلبك، أنا النبض
تناقضات الأشياء تحتجزك رهينة
في فهم الرؤية
الخريف جن جنون نهايته
والطيور تغادر أعشاشها

عبثا نفكر
عبثا نسأل
عبثا نحزن
عبثا نتأمل
عبثا نحب
الحياة وهم
حلم يبهر الروح...

آه بغداد يا هالة الروح!
صوتك إمرأة عارية
أنام على صدرها
أسمع نغما ترددة الساقية
صوتك جدول جار يتدفق
يتساقط من شفة عليا
يلتقيان
يفترقان
أسمع في صوتك إمرأتين ...
أتساءل
هل حزني قد أبصر
أو هل هي أحزانك تعكسها روحي... ؟
لذا يتمردون
يثورون
يشجبون

آه بغداد يا هالة الروح!
إعتنائي
قلقي
مخاوفي
يصعدون حلما من الغيب ...

أهات الحب
وأرتعشات الروح
كلها حاضرة
تتمرد ضدّ ضجري
لذبح اللحظات العصبية من الإحتراق
التي ليس لها نار أو لهب

بغداد يا هالة الروح!
دع الحاضر يموت...
دع حلمنا ينهض من بهجة الغد
أنا حيّ
أحرقت أكفان الماضي
وأسكنت أحلامي في عينيك

بغداد
أراك تركضين على حيطان الرؤية
مثل نقاط الضوء
تسيل من حجرة الشمس

بغداد يا هالة الروح!
عبثا نفكر
عبثا نسأل
عبثا نحزن
عبثا نتأمل
عبثا نحب
الحياة وهم
حلم يبهر الروح..
فلنبحر معا بقارب الروح
في البحر الإلهي
لنبلغ المدى
سدرة المنتهى
ونسكن معا في حضن الله ...
فلن نخسر شيئا
إذا أبحرنا في البحر الإلهي
فلدينا ناي الملائكة
وصوت الله
صوت الحق.....

بغداد
في ظل أهداب عيونك
تنام أحلامي ورغباتي
مدّ يدّك
خذني إلى أرض النخيل....
حيث النخيل سيد الأبدية
حبّك سيحطّم جسمي الطيني
علّك تعيدني تمثال روح
شبحا
وميضا ....
فأنا متعب من الحزن
من الغربة
والرحيل....

آه يا بغداد
تظهرين كما لو أنك جئتي من مملكة نائية
مملكة مبنية من بقع الظلّ
ومستنقعات الظلام
في تلك المملكة
صور كتبت بأصابع ملهمة لمجانين عظام
رسموا شكل الحلم
ولون الشهوة بأطيافها السبعة....

آه يا بغداد....
تبدين كما لو أنك جئتي من عالم وحيد وغريب
وتظهرين كقرص القمر البارد
هشة كجذع قديم
غريبة
مندهشة وحائرة
كملكة فقدت تاجها....
أجبرت على التنحي عن عرشها
لا تحزني...لا تتألمي
اعداؤك الذين تلذذوا بوهم إنتصارهم
يتساقطون مسحوقين
مقهورين
تحت نعال الأحرار.....

قريبا الطفل سيكون مليئا بالشباب
سيقابلك عند الباب
وسيرحل إنتظارك
ويصبح سدى
فهذا الفراق كان بحرا من سراب .....

آه يا بغداد....
على رمال شواطئ روحي
حيث المدى اللانهائي
لـ مملكة الماء
بكلّ جزره وإنهياراته
تقطن الأبدية
هناك أتمشى مع شعري
أزرع وروودة

آه يا بغداد....
يحاصرني ألوان الغروب
ألوان أحرقت على لوح البلور
لا شيء يعنيني
دون حضورك
حتى المطر
لم يعد رومنسيا
دون حضورك
ولا حتى بكاء السماء
ولا قبلات الشمس على شفاه الأرض
حضورك كل الأطياف
حضورك نبيذ معتق
يشعرني بعطش روحي
ولا شيء يرويها غير حضورك

آه يا بغداد....
على الشاطئ الحجري القديم
جلسنا بينما غزت السحب أرواحنا
نظرت إلى شفتيك
فرأيت ألوان جحيم الشهوة
والصبا يرقص عليهما

آه يا بغداد....
على الشواطئ حيث تنمو أحزان البشر
وأشجار الذنوب ترتفع عاليا
وفي ليلة عاصفة بالغضب
رجل ما سيتوقف عن جريانه
ستهبطين
غريبة
صامتة
وعيناك متسعتان
سوف تتحدثين بلا كلام
وتضحكين بلا سبب
بينما أبقى في الليل العاصف
سيد أرض الظلّ،
سيد الظلام الأعظم

بغداد...
منذ الأمس
مرت اللحظات مسرعة
والساعات
حتى أجنحة الأيام طارت مسرعة
عشنا هذه اللحظات والساعات والأيام
على السلالم البيضاء للسماء

بغداد
لقد جعلتك حديقة حلمي
جدول عواطفي،
وأرض ذنوبي

يا بغداد فأنا
لم تزل روحي وفية
كطائر نشوان
يتلذذ في العش مع أنثاه
يغرد أسمك
على أغصان الأحلام....

 

الشاعر والروائي منير مزيد