13/07/2009
فعلاً،
أكاد أختنق، و أنا أتابع هذه الحوارات الطاعنة، الراشحة بالحسد و الكراهية حيناً، وباللوم و التكفير الوطني حيناً آخر، و النعي الثقافي لكل إبداع حيناً ثالثاً.
حوارات يتبادلها أدباء، و كتّاب، و أهل رأي... فلا تبدو منها سوى الشماتة والتخوين، و لا عنوان لها سوى التحطيب من أجل موقدة نارها حامية.
لا أدري حقاً، كيف تتعايش هذه الثنائيات العجيبة داخل الذات الكاتبة أو المبدعة، رهافة هنا، و قسوة هناك، حساسية مذهلة هنا، و جلافة موجعة هناك، ثقافة عالية في النصوص، و وضاعة و سطحية في الحوارات المكتوبة، الجنة هنا، والجحيم هناك، روح الملائكة هنا، و أفعال الشياطين هناك... تسامح و قبول بالآخر هنا، و عدوانية ورفض للآخر هناك..
أي عالم من التحارب هذا؟ و أي أحكام جائرة تصدرها ذوات لم تعرف، من قبل، سوى الدروب الظليلة؟! و أي عيون هذه التي ترصد كل حركة، و نَفَس، و لمح و إشارة.. كي تُصدر أحكاماً شديدة العنف و القسوة... لا غاية لها سوى الإلغاء و التحطيم.
قد تكون القسوة رابخة في النصوص، في الأفكار التي روجعت مرات و مرات تحت مراس البصر و البصيرة، فبدت بعد التأمل و التفكر الطويلين، و قد تكون المكاشفة الحادة و الجارحة في النصوص بعدما شوتها نار العقل... لكن أن تكون القسوة و المكاشفة والحدة و التحطيب و الإقصاء.... كلها وليدة حوار انفعالي محتشد بالشتائم و اللوم فهذا ما لا يقبل به عاقل أو منصف.
أمد هذه العتبة المثلومة، بعدما تابعت عشرا الحوارات الثقافية بين أدباء، و نقاد، وأهل رأي، و فن، و ما من شيء فيها، أي الحوارات، سوى رأيين، الأول: يريد التحطيب، والإقصاء، و الإماتة للآخر، و الثاني: يريد الدفاع عن نفسه، وبيان موقفه، ورد التهم، و تفنيد الأحكام الجائرة... و في كلا الأمرين لا ينفع تاريخ أدبي، و لا تشفع موهبة، ولا يؤخذ بالمواقف الثقافية السابقة، و لا يحسب أي حساب لتجربة أدبية تكاد تلتهم العمر إلا قليلاً... و ليت الأمر يقتصر على المتحاورين الاثنين، عندئذ نكون قد حددنا إطار الحوار و عرفنا مداه، ليته يقف عند آرائهما و ما يخص تجربتيهما أو القضية التي يناقشانها... لو حدث ذلك لخرج المرء /المتلقي/ المتابع بأقل الأضرار التي لا تتعدى نطاقهما وحدهما... و لكن الحوار، و بسبب انفعاليته، و غضبته العارمة، يجرف في طريقه آخرين، و تجارب، و تواريخ، و مقامات، و بلاد، و كرامات... دون الانتباه إلى ما يحدثه الأذى من تدمير في الذات الإبداعية، و الذات الإنسانية في آن معاً...
أعرف أن ما من عاقل يقف ضد الحوار، فالحوار يبني حين يكون مؤسساً على أخلاقية أدبية، و اجتماعية، و وطنية، و من دون هذا التأسيس يصير الحوار رجماً بالحجارة، و تقطيعاً بالمُدى، وحرقاً بالنار...
من دون الأخلاق الأدبية و الاجتماعية و الوطنية يصير الحوار مرضاً ثقافياً غايته غاية الأمراض الأخرى، أي القتل، و الإبادة، و ليس الإنهاك، و الإضعاف وحسب. عندئذٍ لا بدّ من مواجهة هذا الحوار القاتل و لجمه نهائياً كي لا يتكاثر أو يتوالد... أو يقوى... بقولة أخرى لا بد من الحضور الإنساني في صلب أي حوار لأن ملح المصداقية لأي حوار هو إنسانيته... و من دون هذه الإنسانية يغدو الحوار عدوانية ما بعدها عدوانية...
إن الغاية الأولى للحوار ليست التعارف و كشف الغوامض، و بيان المتواري، ومعرفة الآخر، و جلو الأفكار و حسب، و إنما هي تقريب المسافة ما بين الأطراف المتحاورة من أجل شق درب واضح تمشيه الأطراف مجتمعة... لذلك حين ينحرف الحوار عن غايته الجوهرية، أي الاعتراف بالآخر، و قبول تجربته و أفكاره، و التسليم بخصوصيته... عندئذٍ يغدو الحوار عدواناً، و تحطيباً، و اقصاءً للآخر... و هذا ما لا يقبل به عاقل وعى أن الحياة اجتماع، و أن ليس خارج الاجتماع سوى العزلة القاتلة.
وكي لا أظل متلبثاً عند هذه العتبة أقول، لقد أثار الحوار الدائر بين د. عادل سمارة، والأديب ابراهيم نصر الله حزني، و أصابني بالاختناق، و قذف بي إلى دائرة الخوف الحقيقي، ذلك لأن الدكتور عادل سمارة، و منذ استهلال الحوار الذي بدأه، حاول أن يمحو تجربة ابراهيم نصر الله الأدبية الضافية بجرة قلم كما يقول العامة، وأراد أن يكفره وطنياً، و أن ينقل اسمه إلى القائمة السوداء المرجومة التي يعرفها أطفال فلسطين، و التي تعني الخيانة أياً كانت مقاييسها و أشكالها... و هذا ما لا يجوز بالمطلق، بل إن هذا... (و هو كبير جداً، و فظيع جداً) لا يصدر عن أديب متبصر صاحب روية..
أنا شخصياً لا أعرف د. عادل سمارة عن قرب فهو يعيش في (أرض الله الصغيرة) التي أعشقها، و أعشق خطا أهلي التي تمشي عليها، و أعشق نعالهم (القديمة والجديدة) في آن... وقد حدثني عنه أصدقاء من داخل تلك الأرض العزيزة فأثنوا عليه، و قرأت له كتابات رائعة أدركت من خلالها وطنيته العالية، و عرفت مواقفه النضالية... منذ مستهل التسعينيات كفاصلة تعارف، و حتى يومنا الراهن، وأتابع ما ينشره على المواقع الالكترونية، و هو في جلها، رجل وطني، و رجل علم، و أهل للثقافة و المناددة و المحاورة، كما أنه جهة اعتبارية يعتز المرء بمعرفة رأيها في الكثير من القضايا الثقافية و الوطنية، و أعلم أيضاً أنه من (أهل عدم الرضا) لدى أصحاب النفوذ و الحول و الطول، رجل يعمل بعلمه و وفق بوصلته الوطنية. هذا حقاً ما أعرفه عن الرجل، و كثيراً ما حرصت على أن أستقبل مقالاته في بريدي الالكتروني، عبر أصدقائه و معارفه الذين كان لهم الفضل في معرفتي به و متابعته... و لأن د. عادل سمارة هو على هذه الصورة المبهجة، أقول إنه أخطأ في حديثه عن ابراهيم نصر الله، و قسا عليه كثيراً إلى حد (تكفيره وطنياً).. و ابراهيم نصر الله هو من هو... شجرة زيتون فلسطينية زيتها الشعر، و الرواية، و الثقافة، و الأدب، و الحوار، و الهمة العالية، و المواقف الوطنية الصافية... قبل وقت من وقتنا هذا، و خلال هذا العام، جاءني من قال لي إن قائمة أسماء وزارة الخارجية الاسرائيلية تضم اسم ابراهيم نصر الله فقلت على الفور، إطلاقاً، ليس صحيحاً، فهذا الرجل الوطني النزيه، لا يمكن أن يكون اسمه من بين تلك الأسماء، و إن حدث هذا فعلاً فغاية الصهاينة هي تسويد صفحته، و لأنني كنت فزعاً جداً، اتصلت بأستاذي رشاد أبو شاور و سألته، فكان رأيه جازماً بأن ابراهيم نصر الله خارج إطار هذا اللعب العدواني، و قد اتضحت الحقيقة بأن اسم ابراهيم نصر الله أنظف من الثلج... ثم إن ابراهيم نصر الله أوقف عمره كله من أجل الكتابة عن فلسطين و أهلها، و لم يخرج من دائرة الفعل الثقافي الفلسطيني حتى في نومه... مناماته أشواق لأرض الله الصغيرة... و ابراهيم نصر الله ورشة عمل (إبداع، و ثقافة، و حوار، و مشاغلات الكترونية، و سفر)... هدفها الأول و الختامي فلسطين و قضاياها... و شاعرية ابراهيم نصر الله ليست بحاجة إلى شهادة مني، فهو من أهم شعراء فلسطين طُراً القدامى و المحدثين، الذاهبين و القادمين أيضاً، ورواياته مدونات للألم و الحلم الفلسطينيين... و صداقاته واسعة ، و متعددة في المكان و الزمان و الأجيال...
الآن، و قد وضحت صورة المتحاورين د. عادل سمارة، و الأديب ابراهيم نصر الله... أقول هل من الممكن، و لو في الحلم، على أن يتهم أحدهما الآخر باللاوطنية، أو يكفره ثقافياً، أو ينعى عليه سلوكاً أو صورة؟! لا أظن، فكلاهما على درجة عالية من الاعتبار و الأهمية سلوكياً و ثقافياً. إذن، لماذا وقع أخي الدكتور عادل سمارة في مطب اتهام ابراهيم نصر الله بـ (التطبيعي)، و لماذا (كفره وطنياً)، و لماذا نزل بأسلوبه (وقلمه أيضاً) و ذائقته إلى حد السخرية عندما تحدث عن النساء الفلسطينيات اللواتي حضرن أمسية ابراهيم في مركز خليل السكاكيني في رام الله؟! أنا شخصياً لا أدري لماذا؟! و لا أقدر على تسويغ الأمر سوى أنه سقطة أو كبوة لحصان ثقافي مهم اسمه عادل سمارة لأن ابراهيم نصر الله حين يدخل إلى رام الله... يدخل إليها مواطناً، وفلسطينياً، و مثقفاً، و رائداً مبدعاً، و كائناً له أشواق ضافية في صدور أهلنا في رام الله. صحيح أنه يعبر الجسر المحروس بالأذيات الصهيونية، و يمر من بين الجنود الصهاينة... لكن الصحيح أن هؤلاء فقاعات بادية، خاوية من الداخل، و وجودها فوق جسر (اللبني) أو غيره من جسور العبور... هو وجود قشري مؤقت تكفله القوة الغاشمة... ، و ستمحوه الإرادة الوطنية الآتية لاريب.
يا أخي د. عادل... لو كفّرنا ابراهيم نصر الله وطنياً لأنه دخل إلى أرضنا المباركة، عبر نقاط التفتيش الصهيوينة، نكون قد اقترفنا فعلاً شائناً يتمثل في محو تجربته، ووطنيته، كما نكون قد أيدنا عدونا الصهيوني الهادف إلى عزلنا داخل أرضنا العزيزة و خارجها في آن معاً.. يا أخي د. عادل... أهلنا في فلسطين لا يعرفون الكتّاب الفلسطينيين في المنفى... إنهم يسمعون بأسماء: فواز عيد، و يوسف الخطيب، و خالد ابو خالد، و فيصل دراج، و يوسف اليوسف، و جمال ناجي، و ابراهيم نصر الله... فيظنون أنهم من الكتاب الناشئين أو الشباب، مأساة أن يقول لي أحد مثقفي أرضنا العزيزة، أرجوك عرفني بغسان كنفاني، و فواز عيد.. قلت له: لقد رحلا. قال: كيف، ومتى، و نحن لم نسمع بهما إلا في الأمس. ثم قال لي شاهقاً: حتى ادوارد سعيد ما إن سمعنا به حتى مات؟! أترى معي حجم المأساة؟ هل وقعت يدك على فداحة هذه القطيعة؟ لا أشك أنك تعي هذا و تدركه فأنت من الرموز الثقافية التي نقدرها ونحترمها، و نتطلع إلى سماع رأيها و معرفة مواقفها... ثم ما الجريمة التي اقترفها ابراهيم نصر الله حين ذهب إلى رام الله في رحلة مسافتها ليست سوى كيلومترات، لكن أشواقها لا تحد بالمسافات، أنا شخصياً أحسده و أغبطه ثم أحسده و أغبطه لأنه رأى البلاد، و مشى في دروبها، و التقى النساء الفلسطينيات أمهات الشهداء و زوجات الشهداء، واستظل بأشجار الزيتون التي استظل بها سيدنا المسيح، ولعله شرب من ماء البلاد العزيزة... يا للهناءات الثقال. صدقني يا أخي عادل... هذا ما شغل بال ابراهيم نصر الله... الأشواق هي التي حملته، و لو أراد (التطبيع) كما قلت (لا سمح الله) لكان (طبّع) و هو بعيد جداً، فأنا أعرف، و لعلك تعرف أيضاً أن ابراهيم نصر الله دعي مرات عدة إلى حضور مهرجانات شعرية لدول (حوض البحر الأبيض المتوسط) و هي مهرجانات سنوية و لم يذهب إليها لأن دعوات مماثلة وجهت إلى شعراء من الكيان الصهيوني. ابراهيم نصر الله هو الذي تحمل أذيات الصحف الإيطالية في السنة الماضية لأنه كشف نيات أهل (معرض تورينو) الهادفة إلى استضافة الكيان الصهيوني بمناسبة مرور ستين سنة على قيامه، هو من كان الرافعة الثقافية العربية التي أدّت إلى مقاطعة هذا المعرض، و فضح توجهات القائمين عليه التي نسيت أن الفلسطينيين أهل نكبة وأذى عمرها أيضاً ستون سنة و سببها قيام الكيان الصهيوني... أرجوك يا أخي عادل لا تدفع أدباءنا و كتابنا إلى أحياز و مواقع لم يخلقوا لها، هؤلاء هم أجنحتنا، خلقوا كي يطيروا بها، أما الزحف نحو التطبيع، فهو وقف على الذين خلقوا كي يزحفوا... و ابراهيم نصر الله ليس من هؤلاء بالمطلق، إنه فارس يطير منذ نصوصه الأولى...
ثم إنك، يا أخي عادل، هاجمت الكبيرين ادوارد سعيد، و محمود درويش، واتهمتهما بالتطبيع. يا رجل... الولايات المتحدة الأمريكية كانت تحسدنا نحن الفلسطينيين، هذا الشعب الصغير... لأن من أهلنا ادوارد سعيد، و تحسدنا الدنيا كلها و ليست الولايات المتحدة الأمريكية وحدها... لأن محمود درويش من أهلنا. ادوارد سعيد الذي رفض كل المناصب و الرتب السياسية التي عرضت عليه من قبل م. ت. ف. كي يبقى المفكر الحر من جهة، و كي يخلص لقولته و رأيه من أنه يخدم القضية الفلسطينية، بفكره وموقعه الأكاديمي أكثر مما لو قبل بمنصب أو رتبة سياسية داخل منظمة التحرير الفلسطينية أو وزارة... و شأن محمود درويش كان كذلك، صحيح أنه قبل بعضوية م.ت.ف. لكنه خرج منها، و انظر ملياً من سوى محمود درويش خرج منها حياً، الذين عرفوا خيراتها و امتيازاتها لم يغادروها، الذات الشعرية، والموهبة، والحرص الثقافي، والقلق الوطني. كل هذا هو من جعل محمود درويش يترك موقعه في م.ت.ف. ادوارد سعيد، و محمود درويش... كلاهما يعد من أهم الأسماء الثقافية و الإبداعية في العالم... إنهما شمسان لا يمكن تغطيتهما باتهام، كلاهما عصيان على التطبيع، و كلاهما فعل ما فعله ابراهيم نصر الله حين أرادا الدخول إلى الأرض المباركة/فلسطين... محمود درويش ومن أجل زيارة أمه احتاج إلى قرار مركزي من الحكومة الاسرائيلية، وهذا يدلل على خطورة محمود درويش الفلسطينية، فلو كان مطبعاً لزار و زار و زار من دون تصاريح وأنت تعرف أكثر مني (بألف مرة) ما أعنيه وأقصده.
يا أخي عادل، و أناديك باسمك الكبير، حالك من حالنا... نحن في عزلة، وتضييق، لا دور نشر تقبل بنشر ما نكتبه لأن مادته عن فلسطين العزيزة، لا مهرجانات لنا... لان (كتاب المقاومة) مرفوع، غائب، محيّد، عناوين المهرجانات لا تلتفت إلى المقاومة وموضوعاتها... الجامعات لا تدرّس موضوعات الأدب المقاوم، الفضائيات لا تأتي بأحدٍ منا إلا من أجل قصف الآخر و دك مواقعه، و شرذمته، يأتون بنا من أجل اصطفافات وهمية كاذبة و خادعة.. من أجل أن نكره كباراً و مثقفين مثل يحيى يخلف، و محمود شقير، و محمد علي طه، و سميح القاسم، و المتوكل طه، و أحمد رفيق عوض، و لماذا؟ لأنهم داخل الوطن العزيز، و في المنفى يريدون استعداء الساحات الثقافية العربية، ساحة الثقافة في سورية ضد من فيها في الساحة الثقافية الأردنية أو اللبنانية و هكذا دواليك... معارض الكتب لا تنقل كتبنا، وإن نقلت، الجمارك تمنعها... النقاد لا يلتفتون إلى ما نقوله، و إلى ما نصدره، و إلى ما تذوب أرواحنا من أجل إبدائه... لأنهم يقولون بأن الكتابات الفلسطينية كتابات متحيزة (تناصر الفلسطيني و تعادي الصهيوني) تصور! البلاد سرقت، الوطن استبيح، التاريخ دمر، الجغرافية يجري تزويرها و تحويرها يومياً، و مقابر الشهداء صارت أكثر امتداداً من المدن و القرى، و دماء الشهداء لو قيض لها و صارت أنهاراً لكانت أكثر غزارة من نهر الأردن المقدس... كل هذا معروف و مدرك... و مع ذلك أهل النقد العربي يقولون عن كتاباتنا إنها (متحيزة)، و آخرون مرضى من أهل الإبداع العربي يقولون عن رواياتنا ونصوصنا القصصية إنها ضعيفة، و لا معمارية لها، لأن المكان الفلسطيني غائب... تصور يا أخي عادل يريدون عودة المكان كشرط لكتابة الرواية... أي حقد هذا، و أي عدوانية هذه؟! و أي قلة فهم لـ علم النصوص.
أعرف ، يا أخي عادل، بأنك لست قناصاً على الجسر، و أنك لست عدواً، و أنك لست جهة تصدر صكوك الخيانة... كما أنني أعرف بأن أخي ابراهيم ليس مطبعاً، ولن يكون... كلاكما... من أهل ثقافتنا التي نعتز بها... و علينا جميعاً، و رجاءً، أن نتخفف من قسوتنا تجاه بعضنا، و ألا نجعل هذه الضغوط الكثيرة و الشديدة التي نتعرض إليها... تفعل فعلها فينا، فينبري أحدنا لتكفير الآخر إبداعياً و وطنياً، بل على العكس تماماً علينا أن نستفيد من هذه الضغوط كي تشتد أواصر المحبة، و كي تعلو راية الوطنية... فظلها يتسع للجميع... و حسبي أن أقول لك، و أخي ابراهيم يعرف هذا، أنني لم أعرف المال الفلسطيني يوماً إن كان أحمر أو أسود.
ومع ذلك لم أشارك يوماً في اتهام أحد بما لا يحب، مع أنني أعرف الكثير الكثير، ذلك لقناعتي أنه من المبكر (فتح السجل السود) كي نحاسب الآخرين و أن نتهمهم. و أنت تعرف جيداً أن الكثير من كتابنا و أدبائنا و مثقفينا، ناهيك عن جميع حملة الوثيقة الفلسطينية، لا يدخلون البلاد العربية لعلة وحيدة هي (فلسطينيتهم)...
ما أرجوه و أنا هنا لا ألبس ثياب الكاهن، و لا عمامة الشيخ، أن نخفف الوطء قليلاً، وهذا لايعني أن نتخفف من وطنيتنا أو حماستنا لقضايانا إطلاقاً... و إنما يعني أن نصبر على بعضنا، و أن نعذر بعضنا... كي لا نشارك الآخرين في قتل أنفسنا أو تجريمها.
أقول كل هذا، لأن المستفيد من هذه العدوانية البشعة هو المحتل، و لا أحد غيره، فالمحتل حين لا يقوى على ابراهيم نصر الله، يريد من أي أحد من الكتّاب و الأدباء الفلسطينيين (أو العرب) أن يجهز عليه، و المحتل نفسه حين لا يقوى على عادل سمارة، يريد من أي أحد من الكتاب و الأدباء الفلسطينيين (أو العرب) أن يجهز عليه... إن وعي هذا الأمر و العمل ضده (أي توحيد الصف الثقافي) يفسد على المحتل مخططاته و أهدافه لأنه يدرك المفاعيل العظيمة للثقافة الفلسطينية...
أخي عادل، أعرف أنني لم أناقش كل ما جاء في مقالتك، و لم أقف عند كلامك الجميل حول أهل الموسيقى (برنباوم و أمثاله) إلا من أجل أن أرى صورتي... و لم أناقشك فيما قلت عن المفكر الكبير عزمي بشارة كي لا يتشعب الموضوع. ما أردته هنا هو الحديث عنك و عن ابراهيم... و قد قرأت مقالته أيضاً... و فيها قسوة و عنف أيضاً جاء انفعالاً بما كتبت، كي أقول إن أهل الكراهية و الحسد ينتظران منكما المزيد من القسوة والعنف... تماماً مثلما يريدون المزيد من التباعد و الشقاق و التنافر بين أهل الحوار السياسي... كي يظل التحارب وجهاً شائهاً لنا... لا يرى الآخرون سواه.
*حسن حميد - كاتب عربي فلسطيني
**********************************
كنعان النشرة الألكترونية
Kana’an – The e-Bulletin
السنة التاسعة ـ العدد 1946
5 تمّوز (يوليو) 2009
فلسطين المحتلة:
◘ التطبيع: صهينة، أسرلة أم تهويد؟ من ملك البحرين إلى مدافع "إلهام"! عادل سمارة.
◘ ردٌ من إبراهيم نصرالله.
◘ وتعقيب من عادل سمارة.
* * *
التطبيع: صهينة، أسرلة أم تهويد؟
من ملك البحرين إلى مدافع "إلهام"!
عادل سمارة
نشرت مجلة محلية عام 1978 مقابلة مع راسمالي محلي قال فيها:
"إذا كانت م.ت.ف ستأتي هنا بالتحرير فلا بأس، أما إذا كانت ستأتي بالمفاوضات
فنحن أهل البلد وأولى بذلك".
يعرف راس المال التابع والكمبرادوري مصالحه جيداً حتى دون إجراء دراسات جدوى أوَّلية Pre-Feasibility Studies أو كاملة.
لكن منظمة التحرير عادت إلى الأرض المحتلة عبر اوسلو الذي ما زال بعض موظفيها يزعم أن أوسلو لم تعترف بإسرائيل. نعم ايها البليغ سياسياً، هل اتيت أنت هنا بالمظلة، كما فعل أحد ابطال الجبهة الشعبية القيادة العامة بالطائرة الشراعية؟ أم أن المنظمة اعترفت بجمهورية "حمدان قرمط"! إذا لم تعترف فقد اتت بالتحرير إذن! شكراً على إفهامي. نحن نرفل بالحرية إذن. سامحك الله لو قلت لي هذا يوم قدومك 1994، لأرحتني خمسة عشر عاماً! كم شبر بأيدينا؟ هل يعرف العرب أن ما من فلسطيني في الضفة والقطاع يحمل رخصة ملكية لمكان بيته. تقول الرخصة: "هذه الرخصة تعني أن حاملها يملك البيت وليس الأرض" البيت يُهدم والأرض تبقى لهم. أليس من العيب هذا الزعم على المكشوف!
لكن من يزعمون أن أوسلو الفلسطينية لم تعترف بالكيان، ليسوا ضعفاء، وأوسلو ليست ضعيفة. لقد تمكنت خبرة الاستعمار التاريخية ولا سيما البريطانية أن تخلق حالة رهيبة في الأرض المحتلة. حالة سكانية ممن يدافعون عن أوسلو لأن معيشتهم مرهونة بها، وليأخذ كل فلسطين الطوفان.
كان لا بد من طرد الذين يعملون داخل الكيان وإنشاء جهاز بيروقراطي مدني وشُرطي يقارب مئتي ألف شخص. (من بينهم مثقفون يعيشون في الخارج ويعملون ويتقاضون رواتب).
اذن مئتا ألف مع اسرهم... نتحدث عن طبقة (تفارقية Differentiated التركيب، فيه المليونير وفيها آذن المدرسة، شبيهة مع عدم المؤاخذة بالهستدروت التي تضم نتنياهو وحتى عامل تنظيف إثيوبي لا يُسمح له بالموت في مقبرة يهود بيض)
متراكبة ومتفارقة التكوين تصل إلى مليون شخص.
وبالطبع، هناك من هذه الطبقة من يدافع عن أوسلو بعقيدة تطبيعية، وهناك فقراء يقول: "يا سيدي بدنا نعيش" ويتمنى لو يكون للشهر نهايتين ليأخذ راتبين!
من هنا يصبح لزعم المدافعين بأن "اوسلو لم تعترف بإسرائيل" جمهور هائل.
الصهينة
كتبت منذ سنين، وخاصة في نقدي لعضوية فلسطينيين في الكنيست، أتساءل: هل الاعتراف بالكيان الصهيوني وقسم يمين الولاء للدولة اليهودية هو اسرلة أم تهويد أم صهينة؟
ليس أسرلة لأن الأسرلة جنسية تُحمل وتُسحب وتُرمى ويُفترض أن لا يتبعها التزام عقائدي. والتهويد غير وارد لأن هذا العرق يشترط الانتماء اليهودي ليس من حيث الدين بل بالخروج "المؤكد" من رحم إمرأة يهودية. طبعاً لاستجلاب مستوطنين ليسكنوا في جوار الأقصى وقريباً فيه نفسه، وفي رام الله، بجانب القصر الثقافي الذي يستضيف المطبعين العرب.
ولكن، قرر الكيان الصهيوني منح اليهودية أو قبول تهوُّد من أتو من أرحام أخرى. إلا أن هذا ظل استثناءً بعد.
أما الصهيونية، فهي موقف عقيدي وسياسي. هي اعتبار فلسطين وحتى من "الفرات إلى النيل أرض إسرائيل" وأن ما احتل عامي 1948 و 1967 هي خطوات على طريق استكمال المشروع، اي "تحرير أرض إسرائيل من الغبار العربي". ولذا، بإمكان أي رجل أو إمرأة أو حتى من هو بينهما أن يكون صهيونياً. وعليه، فمن يعترف بالكيان قولا أو تطبيعاً، هو صهيوني. عرف أم لا، هذه مشكلته.
صاحب العَظَمَة وصاحب النغمة
لست أدري إن كان الرفيق المناضل "سعيد سيف – الإسم الحركي ل عبد الرحمن النعيمي"، لا أدري إن كان حياً أم رحل بعد الغيبوبة "ال كوما" التي حيَّدت عن أوغاد المرحلة واصابته! سعيد سيف اسمه الحركي لمدة 25 عاماً قضاها لاجئا سياسيا في سوريا ولبنان هربا من طاغية البحرين السابق وابنه الحالي. في البحرين حين قام القوميون بهبة 1965 قتل منهم ملكها الالاف. أما الملك الحالي الذي طلب من الناس أن يسموه "صاحب العظمة"! فسجونه مليئة بالضحايا وشرطته تقتل من يرفع راسه.
فهل إرسال وفد رسمي إلى الكيان كله اهتمام بخمسة بحرينيين (لا اقول مواطنين) لأن العربي ليس مواطناً لدى هكذا أنظمة. هو رقم وحسب.
أم أن الحقيقة أن صاحب العظمة على عظمته كان مثل لصٍّ صغير يتحين فرصة التقرب من سادته الصهاينة ليمارس التطبيع فالتقط فرصة وليس أتفه. فمن قال له أن هؤلاء الشباب لم يتوقعوا من الصهيوني حتى الاغتيال؟ هل فعلها بأمر من الرئيس الوسيم أوباما؟ أعتقد نعم.
وحتى لو طلبوا منه أن ينقذهم فلن يفعلوا ذلك بهذه الطريقة، وحتى لو بهذه الطريقة، فهل يحب شعبه إلى هذا الحد، وقواعد أميركا في البحرين وقيادة الجيش والشرطة بأيدي الإنجليز والأمريكان!
ولكن، طالما أن الفلسطيني يُطبِّع، ماذا نقول لصاحب العظمة!
قبل ايام كان إلهام المدفعي يغني للجمهور نفسه الذي يتمنى التطبيع. والمدفعي ليس بلا عقل حتى لا يعرف أنه ذليل على الجسور في الذهاب والإياب. لكنه مثل ملك البحرين يستدعي إهانات الصهاينة لأنه يشعر بالدونية تجاههم. اية لذة جنسية في غير مكانها.
كثير من جمهور القصر الثقافي لا يرى نفسه عربيا ولا ضفاوياً، ولا حتى لرام الله. هم أناس يبحثون عن قتل الوقت بالطرب والرقص. لا بأس، فلينتمِ المرء لما يريد. ولكن الحد الأدنى أن لا يهين الوطن. هناك فرق رقص محلية، ليحضرها من أراد، ولكن حين يتعلق الأمر بمن يأتي من الخارج، علينا أن نتذكر أن الصهاينة يريدون منا: "أن يقوم كل فرد عربي بفرديته، برأسه بالتوقيع على نص التطبيع المذل" فهم يعرفون أنه بهذا فقط "يملكون فلسطين ويشطبون حق العودة. يريدون صك اعتراف من كل فرد.
لنخرج نحن إليهم
يزعم بعض المطبعين انني أنادي بمحاصرة أهل الأرض المحتلة لأنني ضد التطبيع! جميل، ألا يحاصر الكيان أهل غزة؟ ألا يحاصرهم حاكم مصر؟ سيكون حصاراً جميلاً طالما التطبيع هو إقرار بأن هذا الوطن لمن يحتله. هذا هو معيار التطبيع، "الأرض لمن يغتصبها، ولا شك أنهم يؤمنون بأن المرأة لمن يغتصبها"، فالأرض هي الأم الكبرى ومن يفرط بها يفرط بالأم الصغرى.
ولكن، لماذا لا نزور نحن الوطن العربي والعالم؟ ولماذا لا ندعو غير العرب لزيارة الأرض المحتلة؟ ولماذا لا نقول لهم إن زيارة العرب للأرض المحتلة هو تطبيع، ليعرفوا معنى الإصرار على تحرير الوطن، وليس التكيُّف مع مناخات الهزائم.
ولكن، كثيرون منا هم الذين زاروا ذلك الوطن، ورأوا اي حال هناك؟ وربما كل سوء الحال ذاك هو الذي أوصل البعض هنا إلى عدم رؤية مخاطر التطبيع، اليس هذا أرذل الزمن!
( *** )
ردٌ من إبراهيم نصرالله
وتعقيب من عادل سمارة
ردّ أخير وإضافة
هل المطلوب فرض الحصار على الضفة كغزة؟؟؟؟؟؟
إبراهيم نصر الله
من المحزن أن الدكتور سمارة بدأ مقالته الأولى بافتراضات لا أساس لها من الصحة، دون أن يعتذر عن ذلك!! وانهاها بافتراضات قائمة على (يقال) ولا شيء أكثر من هذا، ولذا كان من الطبيعي ألا يعلق على أي حقيقة وردت في ردي عليه، سوى كلمة قناص.
أحب أن أقول هنا أنني لم أكن مديرا عاما ولا نصف مدير، لا في وزارة الثقافة الفلسطينية، ولا في أي وزارة في العالم العربي أو حتى دول عدم الانحياز، بل لم أعمل في أي دائرة رسمية في حياتي، مع احترامي للبشر من معلمين وموظفين وجباة ضرائب ومهندسين وأطباء في مستشفيات القطاع العام والخاص والمتطوعين... وإلى ما لا نهاية.
ثم لماذا يسألني عن مصادر دخلي؟!!! هل أخبرته العصفورة بأنني الملياردير أوناسيس؟!!!
أما ما أريد أن أسأله للدكتور فهو كيف تطالب بفك الحصار عن غزة وأنت تطالب ضمنيا بفرض الحصار على الضفة الغربية، وأنت لا تريد من أحد أن يدخل إليها أبدا لا مواطن ولا كاتب ولا متضامن معها، عربيا كان أم أجنبيا؟؟؟؟؟؟
يكفي هذا القصف العشوائي الذي هو أسوأ بالتأكيد من القنص.
وأتمنى عليك كدكتور (وهذه مكانة من المفترض أن تكون علمية) أن تبني ما تكتبه على ثقافة الحقيقة لا على ثقافة الثرثرة والعصافير.
وإذا كان الدكتور سعيدا بما أثارته مقالته، فقد تحقق له هذا.
فهنيئا له بهذا وبمسلسل مقالاته القادمة التي وعد القراء بها.
إذ يبدو أننا لفرط ما قتل العدو الصهيوني منا بتنا نتشهى ضحية تسقط على أيدينا، ولأننا لا نستطيع أن نختارها من بين صفوف الأعداء، فلا بأس من أن تكون من بيننا
إنك تعمل بشكل رائع!! أطمئنك.
( *** )
تعقيب من عادل سمارة
أورد بعض الملاحظات العاجلة للتوضيح:
□ لم يكن قصدي مما كتبته عن التطبيع التعرض للاشخاص، وهو ما حرصت على تأكيده. ولم أقصد سوى فضح ظاهرة التطبيع وحصر المسألة في تعريته لمنع الاضرار التي يعود بها على الوطن. ولا رغبة عندي في شخصنة القضايا الوطنية، لانها، أي القضايا والاوطان، تبقى أكبر من الافراد.
□ ليس شرطاً أن تكون شهادة الدكتوراة مستوى علمياً، وخاصة بين عرب المرحلة، لكن المهم أن يكون المرء متطابقاً مع نفسه وأمته.
□ لا أملك رغبة ولا سلطة لتفتيش سجلات وظائف السلطة ومعرفة موظفيها. ولكن ما يجب أن يدركه اخوتنا خارج الوطن المحتل، انه أمر مألوف هنا، في الاراضي المحتلة، أن كثيرين ليسوا (هنا) ولكنهم على كادر السلطة الوظيفي، وهذا فساد.
□ ما قصدته في قولي حولي "مقالاتي القادمة"، هو الاستمرار في تعرية وفضح التطبيع، وليس الاشخاص. فامرهم لا يعنيني وليسوا هم موضوع النقاش. مرة أخرى، هناك شيء أهم من الفرد: الوطن ومصلحته.
******************************
كنعان النشرة الألكترونية
Kana’an – The e-Bulletin
السنة التاسعة ـ العدد 1949
8 تمّوز (يوليو) 2009
المايسترو الأسود.. واللحن النشاز..
مراد السوداني ـ فلسطين المحتلة
"ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا..." عمرو بن كلثوم
إذا كانت المصانعة والتصنّع صنعة العاطلين عن الحلم والفعل، فإن "إرادة الهجوم"، هي تميمة المثقف الكفء.. المتقحّم باقتدار.. والصلب كعناد الماء وبطشه.. ولعلّنا ونحن نتبصّر في المشهد الثقافي الكابي نلمح وبوضوح حالة التردّي والانكسار والإرتكاس، حين تنحال الأرواح مسوخاً ويصير التلطّي والمواربة سياق المتاجرين بقوت الصغار الثقافي.. لقد أشاع النقيض في بلادنا بذاره المسمومة.. ففاض سخامه وغبشه، من أغذية فاسدة ومصطلحات غازية.. ولقاءات تنال منّا نيل الفأس من الرؤوس.
وأمام هذه الصورة الشوهاء من الاستباحة كان من الاجدى والأجدر بمعشر المثقفين والمشتغلين بالحقل الإبداعي.. أن يسنّوا أقلامهم للدفاع عن الطفولة المغتالة.. ومناهج التعليم التي هي على مطحنة الهرس والاستبدال.. لم نحمّل مثقفينا عبء القتال الذي تثاقل الجميع من أجله.. وإن حمل الأجدرون الشهداء، مبدعين وكتاباً سلاحهم في كل مراحل الثورة.. وهذا واجب الوجود، في الأرض المحتلة التي يعتقد ذوو الفهم اليابس أنها كاملة السيادة والسؤدد.. وعلى رأسهم حفنة من فئران الثقافة الذين منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً وهم ينخرون في جدار وعينا تزييفاً والتباساً ومداورة.. فمرّة يريدوننا اقتسام الهواء مع المستعمرة الجاثمة على قلوب الفراشات والشتول والطيور والرضّع.. ومرّة نراهم يبسطون أيديهم لنظرائهم في الكيان بغية ترويضهم واستمالتهم – قلنا : سنّوا أقلامكم واكتبوا حكاية الشجر الذبيح والقباب المنسوفة، وقصة الأرض وحكاية البلاد من أول الشرد إلى آخر البرد.
وثمّة صنف ثالث – عزيزي القارئ - من الكتبة الكذبة الذين يمسكون بذيل السياسي.. ويبرّرون له أخطاءه وخطاياه.. فبدلاً من أن يكون المثقف هو الأساس وحجر الزاوية.. يستحيل ذيلياً.. رقعة في ثوب النخاسة السياسية.. هؤلاء وهم كثر – نقرأهم يومياً يقيئون كلاماً ثقافياً بارداً لزجاً لزوجة مواقفهم النافقة.
هؤلاء الذين يتسوّلون على أعتاب القناصل ويتمرّغون في وحل الأعطيات المشروطة ومشارط المانحين.. التي تشقّ جسر الثقافة بمباضع التشويه والاستلاب.. وقد نسي هؤلاء الفأريون أنهم وشعبهم يدفعون ضريبة وجودهم على هذا التراب الحيّ العنيد..
إن إضعاف المقولة الثقافية من شأنه إرباك الموقف السياسي بدلاً من تصليب بوصلة السياسي بنقدية المثقف واستراتيجيته الحاسمة.
أمّا وقد أطلق الصديق د. عبد الرحيم الشيخ من على صفحة الأيام الثقافية مقولته حول المايسترو الأسود بارينباوم.. فإنني أجد لزاماً علي التأكيد على الرفض التام لوجود هذا العازف الملغوم باستبطان الكراهية عبر مراوغة مدانة وحرباوية لا تنطلي على كل ذي عين وسمع.. محظوظ هذا المايسترو الماكر.. فثمة في فلسطين من ينوب عنه لتبرير وجوده.. وخلق الأجواء ليكون صداحه في قصر الثقافة.. محظوظ هذا العازف وقد انبرت الكثير من الحناجر لتهلّل باسمه ورسمه.. فبأي مهزلة سنؤمن !؟
إن حالة السقوط التي ألقت بظلالها على جمهرة من المؤسسات والأحزاب والمثقفين تجعل من الحالة الثقافية الآسنة الراكدة مستنقعاً للعفونة وفساد الطبع والطبائع..
إن استضافة غير المرغوب فيه تشكّل خنجراً في جسد المقولة الثقافية التي عمل على إنهاضها مقاتلون وشهداء وحرّاس كلمة أصرّوا ومازالوا على أحد الثقافة الفلسطينية ولم يهبطوا للمّ فتات الموائد وأعطيات الاستهداف ومؤسسات الاستطالة الاستعمارية بألوانها وتشكيلاتها التي باتساع بلادنا..
ألم يأن للمدافعين عن بيرنباوم أن يتذكّروا همجية الوحش الاحتلالي في غزة ولم تثر حمُيّاً المروءة والرفض المبين وقد أهدى بلدية القدس الاحتلالية أفضل بيانو لديه.. وإنه لعجب أن نغمض عين كرامتنا عن هذا الفعل الشائن المريب !؟
إذا كانت الوقائع بهذا الوضوح.. وكان المايسترو بهذه الصفاقة فإن من المخجل أن لا تكون مداخلتنا الثقافية تجاهه على أشدّها.. لأن فلسطين دون هذا المخاتل المريب ستكون أفضل وأجمل.. وإن خطاه على أرض بلادنا ستلوّث طهارة الأنساغ ونماء الأرض الوارف..
لقد كان لماراثون المفاوضات باعه الأطول.. ولم يتحقق على الأرض سوى توالد الحواجز والاعتقال والدماء وسلالات الشهداء واستهداف القدس ذبحاً واغتيالاً للبيوت والتاريخ والحجارة الشاهدة الشهيدة. فكيف يريد دهاقنة الثقافة أن يعدّلوا مزاج هذا المايسترو ليخجل من نفسه.. سنقول له ولهم : إن شبابة رعيان بلادي تختزل فرح البلاد.. وإن زفّات الأعراس يعلو هديرها على موسيقى الغريب.. وإن ترويدة الجبال ستبقى تنازل نشازهم الوجودي.. وستظل غرزة الثوب الفلسطيني.. وبركة أيدي الأسلاف وهي تعانق الأرض تطلق غريد أغاني الحصاد وتزرع الحرية على المفارق والطرقات.
كنت أرغب أن يهبّ المدافعون عن الوافد الماكر لتأصيل مقولة البلاد ومثقفيها الذي يليقون بفلسطين وتليق بهم.. إن ما يصرف على مثل هكذا استضافة يوثّق الأدب الشعبي والفولكلور بما ينفع الأجيال ويربطها بجذورها الحقّة..
إنّ انحراف الأجندة الثقافية عبر تقليعات من يسعون لاقتلاعنا يؤكد ضرورة تسمية الأسماء بمسميّاتها دون لبس أو التفاف غثّ..
لقد طفح غثاء المقولة الداجنة.. وزحف على روض الأرواح العاطرة.. وصارت المدينة مكاناً لاستزراع فاسد القول.. وركانة الاستجلاب.. وأمام رغاء الظليين وغوغاء الإقعاء أسجّل ما يلي:
□ فلسطين أعلى من الأحزاب والمؤسسات، وكل خطاب ثقافي ينال من كرامتها مدان وسيلفظ بموقف حاسم وأكيد.
□ كل تبرير للعدو وأشياعه ومن يظاهروه في السياقات الاقتصادية والأكاديمية والثقافية يقع في دائرة الخطيئة.. فالقوي يفرض شروطه ولا يفاوض.. ومن يطمع برضى الأجندة الشوهاء سيقع في عماء وضلالة الرؤيا..
□ على المؤسسة الثقافية وجمّاع المثقفين إعادة الاعتبار لصوتهم الحقيقي وإرثهم المحروس بأهداب العيون وحبّات القلوب وأن يرفعوا صوتهم علياً ضدّ التطبيع والمجانية العدمة والهلهلة الثقافية.
□ الوفاء للآباء في الثقافة الفلسطينية بطباعة أعمالهم وتعريف الأجيال بدورهم ورياديتهم والوقوف على مشروعهم الثقافي والمعرفي.
□ استعادة الاتحادات الشعبية في منظمة التحرير لريادتها وفاعليتها وعلى رأسها دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية والاتحاد العام للكتاب واتحاد الصحافيين.. وضعفها يمكّن بعض مؤسسات الأنجزة لتكون حافلات للتطبيع.. وبدلاً من أن تكون مؤسسات المجتمع المدني، رافعة لمقاومة الاحتلال وخطابه، يسعى بعضها للوقوع بين فكّي التمويل المشبوه والركوع الباهت.
□ بالدم نكتب لفلسطين.. مقولة أطلقها الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين.. منذ قولة المفكّر العالي ناجي علوش.. ونحن كأجيال جديدة نردّد : إما فلسطين.. وإما فلسطين.. وإنه توارث الأجيال في المقاتلين كما في المثقفين على حدّ مقولة الشاعر خالد أبو خالد.. وكلما سقطت الراية الثقافية التقطها مثقف عنيد يهجس بالبلاد والسادة الشهداء وإرنان قيود الأسرى.. وجذوة الأسلاف التي تتوهّج كلّما دهمتها ريح ولفها رماد.. تعيد إنتاج توهجها إبداعاً ممطراً.. وصحواً ناغراً..
□ إذا كان "سهل الريح لا يعطي عبيد الريح زرعا"، فإن السرابيين وسلالات الوهم والخيالات العجاف الذين يراهنون على "أخلاقية" الجلاد، فإنهم لا محالة واقعون في هوّة الهاوية.. حيث السقوط لعبتهم الأثيرة.. وإنهم لخاسرون.
□ ونتساءل: إذا كان بيرنباوم يريد التضامن مع شعبنا فلماذا لم يجعل الاحتفالية في القدس ويرفع صوته ضد الاحتلال وحواجزه التي تحول دون وصول شعبنا للقدس. لو فعل ذلك سيرى كم من الهراوات سينهال عليه.. وكيف ستمنعه قوات الاحتلال ولكن "يقوى القوي بضعف مَنْ ضعفوا".
□ لا نحتاج لبيرنباوم المُلتَبس، نحن أحوج ما نكون لزرياب الفلسطيني الذي يقدّم الجماليات العليا واللحن الأجل والأبلغ، وتراً جديداً بحجم هذه الفلسطين التي تحدّق فينا جميعاً كي لا ننساها فنُنسى...
فطوبى للأوفياء...
*****************************************************************************************************
أحمد حسين
خمسة من أربعة" - إلى عادل سمارة، حول التصدّي
للمطبّعين
13-07-2009
لكي يكون الفلسطيني الذي ما تزال تلاحقه هواجس الالتزام الوطني، على وفاق موضوعيّ
مع التزامه الفائق الصعوبة، ليس لديه خيار سوى أن يقيم مؤسّسته الوطنية الخاصة التي
تناسب مع وعيه، أو أن يتوهّم واقعًا يبرّر تمسّكه بهذا الوعي مؤسّسًا بذلك منفاه
الاختياريّ عن واقع الحال. عليه أن يكون على علم مسبق بأنه لن يجد لوعيه الذي نسيته
الحكاية الشعبية والرسمية مكانًا شرعيًا يعلقه فيه، ولن يجد من القوة الفعلية إلاّ
ما يكفي ليجعل منه دونكيشوت أو فلسطينيًا معذّبًا. فالشعب الفلسطيني المحشور في
منافيه الهجرية، تحت حراسة مشدّدة، لحق التصحّر بوعيه الوطني، ووافق على "تأجيل" حق
العودة الوطني من أجل حق العودة السياسي لعرفات ومن معه. أي وافق على إلغاء مبدأ
وحق التحرير معًا. وحينما مزّق عرفات الميثاق الوطني الفلسطيني بدون اعتراض يُذكر
من جانب مخيّمات الشتات أو غيرهم من الفلسطينيين، بدا للعقل الرافض أن وضع الميثاق
الوطني كان بوحي من أوساط خفيّة، لتقوم ممثليّة الشعب الفلسطيني الشرعية بتمزيقه
فيما بعد على رؤوس الأشهاد الدولية، ويصبح له من الدلالة الرمزية عند تمزيقه، ما لم
يكن له من الدلالة عند وضعه. وهذا ما حصل، لأنه كان من المحتم أن يحصل.
لم يعد هناك قضية وطنية فلسطينية بأي مفهوم من المفاهيم، باعتراف وموافقة
الفلسطينيين أنفسهم. لقد كان تمزيق الورقة أكثر أهمية من واقع التشريد والاحتلال.
كان اعترافًا بشرعيّة التشريد والاحتلال. فقد أقرّ الفلسطينيون أخيرًا بوجود حقّ
تاريخي لليهود في فلسطين. لم تعد الأوّلية ولا الأولوية ملكًا لهم. وما دامت
إسرائيل هي الأقوى وهي الأكثر وعيًا لأهمّية المعنى والوجدان في قضايا المصير، فقد
خسر الفلسطينيون كل ما كانوا يملكونه، وليس بعضَه كما يظنّون. فالذي مُزّق هو كل
الحق الوطني الفلسطيني وبأيد فلسطينية. والمسؤول عن تمزيقه هو الشعب الذي صنع ذاتَه
الآخرون، وجرّدوه من حقيقته الذاتية أو ذاته الحقيقية، وحوّلوا وجوده إلى إشكال
سياسيّ على هامش وطنه المنهوب. لقد انهارت قضية المعنى لدى الفلسطيني، وانهارت معها
كل أشكال المناعة الذاتية في بنيته التي كانت تعاني من هشاشة الوعي الهجريّ
المتصحّر أصلاً.
عندما وضع بُناة المشروع الصهيوني مشروعهم، كانوا يعرفون أن إقامة مستوطنة أوروبية
في أي بلد عربيّ لن تكون أمرًا ممتنعًا أو بالغ الصعوبة من الناحية الإجرائية. ولكن
الفكرة من أساسها لم تكن بهذه البساطة. لم تكن مشروعًا تكتيكيًا عابرًا، أو ناجمًا
عن مواريث لمصالح قطيع من المستوطنين القدامى الذين جاءوا مع االعسكر وأسّسوا
إقطاعات زراعية أو مالية أو تجارية أو تعدينية على حساب سكان البلاد الأصليين. كانت
الفكرة أعمق وأخسّ ما يمكن أن يصل إليه عقل المصلحة الإمبريالية من مشاريع في أهمّ
منطقة من مناطق العالم. كان الهدف هو تغيير التاريخ المتداوَل في المنطقة العربية،
وغزو كل مكوّنات البنية فيها بزراعة مكوّن بنيويّ جديد يستأنف على واقع البنية
القائمة ويلغيه، وينهي إشكالاً تاريخيًّا ممتدًّا، ظلّ يرعب أوروبا قرونًا طويلة،
وهو قيام مشروع عربيّ تنموي مقابل شواطئها. لن ندخل في التفاصيل المطوّلة الآن. ما
يهمّنا أن نقول أن تطبيع العلاقة بين البنية القائمة والمكون المزروع يجب أن يكون
مثاليًّا مكتملاً إلى حدّ الإبداع، ليُحدث بمجموعة مزاياه في التفوّق الحداثي
والقوة، التحولَ المطلوب نحو تصفية المشروع القومي العربي إلى الأبد، وتحويل
المنطقة إلى تجمّع قُطري شرق أوسطيّ يكون الجسم المزروع نواتَه السيادية ووجهَه
الحداثيّ الجديد والمعولم.
لم يكن من الممكن الاعتماد على القوة وحدها في تنفيذ مشروع بهذا الطموح غير
المسبوق، حتى ولو كانت عساكر المستوطنين في الكيبوتس والموشاف تنتج القمح والخضار
والبطاطا والتفاح، وحتى لو كان هناك مجتمع إسبارطيّ يتكاثر أُسريّاً وينجب أطفالآ
في غاية الجمال يؤدّون نشيد الصباح في ساحات المدارس. كان هذا متوفرًا للمستوطنين
في الجزائر وجنوب إفريقيا ولكنه لم يستطع استبدال مضمون العلاقة مع السكان الأصليين
حتى اليوم. وسوف تظلّ إسرائيل مستوطنة أوروبية، أي جسمًا غريبًا في وضع زراعة
تجريبية، حتى يعترف الفلسطينيون بها دولة يهودية بديلة عن دولتهم على كامل فلسطين،
ويبحثوا عن مصيرهم خارجها. بأقلّ من هذا الخراب الوطني الشامل، يظل وجود إسرائيل
تحت طائلة الشذوذ والاستئناف، ويظل المستوطنون مستوطنين والغرباء غرباء. لن يكون
بالإمكان ترسيخ الثقافة القطرية للشرق أوسطية لدى شعوب القطريات العربية، بحيث
تستوعب علاقة قطرية عفوية مع المكوّن الجديد، ويصبح عادل سمارة نهائيًّا شذوذًا عن
القاعدة العفوية وهي التطبيع مع الصهيونية التوراتية.
في مثل هذا المناخ المُوقَّع (بضم الميم وتشديد القاف) فلسطينيًا، كان على د. سمارة
ألاّ يتعرّض للمطبّعين. لأن موقفهم ليس شخصيًّا يقوم على رداءة العيّنة، بمدى ما هو
جزء من حياديّة أخلاقية ناجمة عن انحلال الوعي الوطني العام. التطبيع يفرض نفسه
الآن وبعد سقوط فكر الرفض، كعفوية سلوكية لا تنقصها الوطنية. على العكس من ذلك، كم
من النخب الاستشهادية قدّمت حياتها من أجل دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل؟
وبعض الفلسطينيين لا تنقصه الوطنية الصادقة، ولكنه يرفض أوسلو ويوافق على السلطة
الفلسطينية ويعتبر منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعيًا وحيدًا له، وإنجازًا على
طريق التسوية العادلة، ويعتبر عرفات رمزًا وطنيًا خالدًا. في هذه الحالة الطريفة من
الوعي لم يكن غريبا أن يصبح التوجّه الوطني العامّ، هو التطبيع مع المطبّعين وليس
محاسبتهم. لذلك فإن التعرّض لهم لا يبدو لي دستوريًّا. فما دام الدستور الوطني
يحميهم، فإن التعرّض لهم يعد دونكيشوتية لا لزوم لها. وفي حالة الموسيقى الرديئة
التأليف، لا يمكن معاتبة الآلات الموسيقية أو حتى العازفين. يجب التوجّه بذلك إلى
المؤلف الموسيقي نفسه. وهو في هذه الحالة الشعب الفلسطيني.
* * *
ويمكن فهم احتجاجك على ظواهر التطبيع العينيّة، بأنه سَوْرة غضب للوجدان الواعي على
ما يعتبره محرّمًا وطنيًا، ولكن صدّقني أن المستفيد من هذا الغضب، هو الظاهرة
المحرّمة وليس الوعي الواعي، لأن السجال مع الظاهرة يفتح الباب أمام الخطاب
الموجِّه لها، لكي تستفيد من مقاس الوعي العام في التلقي، على حساب الوعي الواعي
الذي يواجه جمهورًا ينسجم وعيه مع وعي المرحلة.
ماذا يمكنك أن تقول على سبيل المثال لشخص يعتبر التطبيع خرقًا للحصار الإسرائيلي
على الشعب الفلسطيني. ماذا تقول لمن يقول لك إن الحنين لرؤية بيته المهدوم هو الذي
دفعه للموافقة على عقد ندوة شعرية تحت واقع الاحتلال؟ هل تدخل معه في سجال فلسفي أو
وعيوي معقّد حول المغالطة والمنطق الشكليّ والإشكال القائم بين رؤية البيت وتحريره؟
المعركة يا رفيق مع المطبعين العرضيّين التغت موضوعيًا. فحتى انتصار خطاب الوعي
الجزئي لا فائدة منه على ساحة تفصل بين الوعي والالتزام. ساحة لا تعرف حتى الآن أن
مصيرها الوطني وحتى وجودها الاجتماعي والإنساني سيتحدد في ساحة الصراع بين التطبيع
والرفض. وأنه في حالتنا لا يوجد خيارات من أي نوع سوى دحر أهداف المشروع الإلغائيّ
القائم على تحويل الشذوذ إلى قاعدة.
أنت يا د. عادل في نظري، وربما في نظر الكثيرين نخبة وعي مميّزة، ولكنها كمثيلاتها،
لا تملك من آليّات الفعل سوى المخاطرة بالذات وتجاوز حسّ المصلحة الأنوية. وهذا من
المؤكد أنه لا يكفي في مثل حالتنا الفلسطينية المعقدة. هناك شعب تعرّض لجريمة العصر
الأكثر حداثيّة في تاريخ العالم، وهو من هول الدهشة يسمع ولا يصدّق. لم يكن ينقصه
الالتزام العفويّ بالدفاع عن وطنه مثل أيّ شعب آخر. ما كان ينقصه هو كل شيء آخر عدا
بديهية الالتزام. لم يكن مهيئًا للمقاومة أو حتى الاعتراض المؤثر على جريمة دولية
وضعت كلّ تفاصيلها، حتى المستقبلية منها مسبقًا. وكان أسهل سياقاتها هو احتلال
الأرض وتشريد شعبها، أمّا سياقها الممتدّ والأهمّ فهو تطبيع الواقعة وإجبار
الفلسطينيين على التسليم الذاتي بعودة أبناء إسرائيل إلى أرض إسرائيل. أي الاعتراف
بأن ما حصل كان حركة تصحيح تاريخية لا بد أن تحصل ولا بد من التسليم بها. فوجود
اليهود في فلسطين هو الطبيعي، والشذوذ كان وجود شعب آخر فيها. كل شيء مُعدّ كما يجب
أمام مدرسة التطبيع، التي بدأت بالإعلان عن نفسها على مشارف النكبة بقيادة الأحزاب
الشيوعية التي تم إنشاؤها منذ بدايات القرن كآليات تطبيع محلية وقطرية بين يدي
المشروع. ولا بد أن الصورة مكتملة لديك بما يخص الحزب الشيوعي الإسرائيلي. ويكفي أن
أذكّر بالمعادلة التطبيعية التي اعتمدها ذلك الحزب، عن وجود رابط مصلحة تحرّري بين
شعبي البلاد، والذي يحتّم عليهما التوحّد في مواجهة الرجعية في الجانبين. فالحرب هي
مصلحة متبادلة بين الرجعية الفلسطينية بقيادة الحاج أمين الحسيني، والصهيونية
المتطرفة بقيادة الفصائل المعارضة للهاغاناة. ولعلّك تعرف عن دعوة الشيوعيين
الفلسطجينيين إلى الوحدة بين العمال في الجانبين اليهودي والفلسطيني تحت مظلة
الهستدروت.... الحكومة اليهودية المؤقتة في فلسطين قبل قيام إسرائيل. والتفصيل
اللاحق هو تلك الزيارات والندوات التي كان يعقدها طاقم التطبيع الشيوعي مع المثقفين
الفلسطينيين والعرب على هوامش المؤتمرات الدولية، ثم اختراقه المباشر بعد أوسلو
لمنظمة التحرير الفلسطينية، واستغلاله لبؤس الثقافة والمثقفين الفلسطينيين
"اليساريين" في الترويج للتطبيع الذي لم يعد أمرًا محرّمًا.
إن المطبعين الذين تتعرّض لهم يا رفيق، هم مساكين الثقافة اليسارية الذين كان
المرحوم إميل حبيبي ومساعدوه يستغلّون فقر الموهبة والوعي لديهم، ويعرفون أيضًا أن
دوافع التطبيع متوفرة لديهم بإلحاح ممضّ، سببها ما عُرف عن قدرة الحزب وصحفه على
توفير الشهرة المجانية لمن شاء. واسمح لي أن أروي لك هذه القصة الطريفة، كنموذج
واحد من نماذج ثقافية كثيرة تغصّ بها الساحة الثقافية الفلسطينية، ليس لأعرّفك بما
لا تعرف ولكن لمساجلتك في الرأي حول قضية التطبيع:
حدّثني شيوعي بارز مستقيل من الحزب الشيوعي الإسرائيلي، على سبيل النكتة، أن أديبًا
ناشئًا خفيف العقل كتب قصّتين أو ثلاثاً لا بأس بفجاجتهما. فأقنعه صديق خبيث له أن
كثيرًا ممّن حصلوا على جائزة نوبل في العالم الثالث لم يكونوا في مثل موهبته، وأن
عليه أن ينضمّ إلى الحزب الشيوعي ليعجّل الترويج الإعلامي له بحصوله على الجائزة.
وتابع محدّثي الذي سمع التفاصيل مسبقًا من الصديق الخبيث: كان الصديق مقنعًا، لأن
اليسار العالمي، والأوروبي على وجه الخصوص، كان في ذلك الوقت على علاقة بنيوية
بحركة التحرر اليهودي (الصهيونية)، وبناء على ذلك مُنحت الجائزة لعدد من المبدعين
اليساريين في بعض دول العالم الثالث. وأكمل الشيوعي البارز قائلاً: جاءني وطلب
الانتساب إلى الحزب. ورحّبت به وأخبرته أن هناك فترة تجربة تمتد عامًا قبل قبول
انتسابه الفعلي، تبدأ بتوزيع عدد محدّد من صحف الحزب على غير المشتركين، ومحاولة
الحصول على اشتراكاتهم. أصيب بالذهول وسارع بالرفض قائلاً: لم آت لأوزّع الجريدة.
جئت لأحصل على فرصتي من خلال الحزب في الوصول إلى جائزة نوبل. قلت له "ألا تعرف أن
خمسة من أربعة ممّن حصلوا على الجائزة في مجال الأدب كانوا يوزّعون صحف الحزب
الشيوعي في بلادهم؟". فاقتنع حالاً وأعطيته عشرة أعداد من مجلة "الغد" ليقوم
بتوزيعها.
ولعلّك توافقني على أن القضية ليست مع هذا المسكين وأمثاله من المثقفين، وأنها قضية
منزلق وطني عامّ، قادت إليه آليّات الفعل التخريبيّ للمشروع المعادي، عبر جسد رخو
المناعة لشعب لم يتمّ إعداده وطنيًا ووعيويًا. بل على العكس من ذلك، لم تُتَح له
الفرصة، بعد النكبة، لتكوين وعيه المكافئ لوعي المشروع المعادي، لأن إرهاصات وعي
التجربة كانت تُتابَع وتتمّ تصفيتها أوّلاً بأوّل من جانب وكلاء المشروع داخل الجسد
الفلسطيني. ألم تتمّ تصفية كل شعراء وأدباء الرفض الفلسطينيين؟ ألم تتمّ تصفية ناجي
العلي. فهل حظي هؤلاء من شعبهم بشيء غير النسيان، مقابل هالات المجد والشهرة التي
أسبغها هذا الشعب على أعدائه الثقافيين؟ أذكّر بهذا، فقط للفت النظر إلى أن بند
الصراع الجوهري كان وما زال صهيونيًّا هو التطبيع، وكان من المفروض بمنطق المواجهة
أن يكون الرفض هو جوهر التصدي الفلسطيني. وحينما أدرك البعض ذلك، طوردوا حتى الموت،
من المطبّعين الرسميين وأمن المشروع. لذلك مات الرافضون معنويًّا أيضًا في الذاكرة،
وعاش المطبّعون فيها، ليصبح التطبيع الآن شرطًا دوليًّا مسبقًا على الفلسطينيين،
ولتصبح الساحة الثقافية الوطنية للفلسطينيين، إقطاعًا صهيونيًّا بالتعاقد لليسار
المحلي والدولي.
سلامة وعيك يا دكتور. كيف أوقعت نفسك في هذه الورطة؟
هل تريد أن تحارب الخط الوطني الرسمي والشعبي الذي يعتبر أن التطبيع يساهم في تخفيف
الحصار عن الفلسطينيين؟ أم لعلّك تعتقد، كما يردّد التخريبيّون من أمثالنا، أن
الحصار على الفلسطينيين يهدف إلى إرغامهم على التطبيع مع إسرائيل؟ ألقضية قضية وعي
مفقود أو مرفوض يا رفيق. والتطبيع مع إسرائيل هو روح المشروع الصهيوني، ورهانه
المصيري. والإمكان الموضوعي لمقاومته من قِبلك أو من قِبل أي فرد آخر معدوم على ضوء
ثقافة "خمسة من أربعة" الفلسطينية. القضية الوطنية بحاجة إلى عملية إحياء وعي
ميداني، تعيد قراءة الواقعة من أوّلها، وتجعل من التطبيع خط المصير الأحمر والأخير
لدى السواد الفلسطيني. على نخب الشتات المحتملة، أن تدرك أن اللحظة الحالية، مصيرية
وحاسمة، فبعد التطبيع سيغيّر المصير اتجاهه نحو عالم جديد ليس فيه فلسطين ولا
فلسطينيون. وفي ظل الإجماع العالمي على وجوب موت الشعب الفلسطيني موتًا ذاتيًّا
بالتطبيع، ليكون موته مقنعًا. وفي ظل خطورة الوعي الوطني السائد، فإن انتفاضة الوعي
الرافض على الوعي القاتل هي المعجزة التي على جماهير الشتات أن تجترحها. لم يعد
مكان حتى في الوعي المريض أو المختل لتجاهل أن الفلسطينيين يساقون فلسطينيًا
ودوليًا وصهيونيًا إلى الانتحار الذاتي. حتى لو كانت علاقة الوعي بالتجربة معطلة في
ثقافة "خمسة من اربعة" الفلسطينية، فإن وعي المشاهدة يكفي وحده لرفض ما يجري. الدم
المجاني الذي سفكه ويسفكه التطبيع يكفي للتوجّس العفوي من كل مكوّنات المشهد الوطني
والعربي والدولي. لماذا يقترب الوضع من التطبيع بعد كل مذبحة فلسطينية؟ ما هو سبب
التناغم بين الدم الفلسطيني وارتفاع ثمن التسوية إسرائيليًّا ودوليًّا على حساب
الفلسطينيين؟ هل ظل هناك شك في طبيعة الدور الذي تقوم به "مؤسسات الشرعية الوطنية
الفلسطينية" بكل الوضوح والصراحة؟ أليس دورهم في الجريمة، وتصريحاتهم التي تبرّر
الذبح تتداوله وسائل الإعلام بدون تحفظ، ليكون توظيفًا لواقع المطاردة الدموية
لشعبهم في إقناعه بالتخلي عن أية مقاومة عبثية لما تريده إسرائيل؟ فما الذي سيخسره
الشعب الفلسطيني إذا قال بطريقة من الطرق وهي كثيرة جدًا: لن نقبل بأقلّ من حقنا
الطبيعي على كامل فلسطين، وافعلوا الآن ما شئتم. سنقيم في حقنا التاريخي الكامل،
حتى نصبح قادرين على استعادة حقنا. اعقدوا تسوية مع أنفسكم ومع عملائكم وسنعقد
تسويتنا مع وعي أجيالنا القادمة. كل مصير سيكون أفضل من المصير الذي تعدّونه لنا.
سنحرق جيفة منظمة التحرير التي تتبوّلون عليها كل يوم ثم يقوم عملائكم بغسلها،
ليصبح لتبوّلكم عليها معنى. سنحاسب على ما كان وما سوف يكون. سنبصق على الرموز التي
صنعتموها لنا، ونصنع رموزنا الجديدة من ذاكرة الرفض والشهادة.
عندها يا رفيق، لن تكون بحاجة إلى أية مواجهة مع المطبّعين العرَضيّين، لأنهم لن
يكونوا موجودين. أما الآن فستضطر إلى التراجع أو التطامن كما فعلت في أحد ردودك
القصيرة. لا تشتم المطبّع حتى لا تضطر إلى الاعتذار له بعد ذلك! كل مطبّع ثقافي،
وهم بالذات أخطر وأعرق المطبّعين، يستطيع أن يصرخ في وجهك بأنه يساريّ أكثر منك
ووطنيّ أكثر منك. وسوف يكون كلا الأمرين صحيحًا قياسا على التسعيرة المرحلية.
هؤلاء، إذا استوعب الشتات التجربة وفداحة التحدي قبل فوات الأوان، فسوف تشتاق لرؤية
أحدهم. أما الآن فهم محرَّمون على الوعي الواعي، لأنهم عرَضيّون بأحجام ثقافية
متعدّدة، ولكنهم في الجوهر يشكلون جماعة "خمسة من أربعة".
2009-07-08
أجراس العودة
من أجل دولة ديمقراطية علمانية
www.ajras.org