الكركر (1)

 

فيصل سليم التلاوي

 

 16/07/2009

 

     صديقي الذي ذهب إلى الضفة الغربية زائرا بعد اتفاقيات أوسلو ، وبعد أن علق الناس على ما حدث أوهاما عِراضا حسبوها آمالا ، قال لي :

- بعد أن اجتزت إجراءات التفتيش الطويلة والمزدوجة غربي الجسر ، ووقعت في قبضة أول سائق أجرة اقتنصني ليوصلني إلى نابلس ، و بالأجر الخيالي الذي فرضه عليّ ، كان فاتحة حديثه معي بعد أن تحركت سيارته :

 

- هل أحضرت معك ( كركر) يا حاج ، أم تريد شراءه من هنا من نابلس ؟ هذا إن بقي منها شيء هنا ، فعهدي بها أنها قد انقطعت من السوق ، وأن التجار في انتظار وصول دفعات جديدة أوصوا عليها .

 

- و ماذا أصنع بالكركر ؟

 

- لتقسم الأرض و تبيع حصتك ، فالأسعار خيالية ، كل الذين سبقوك وركبوا معي قادمين من الأردن ، كانوا قادمين لاقتسام ميراثهم من الأراضي مع ذويهم هنا ، لبيع نصيبهم ، و بعضهم يبيع نصيبه فورا دون قسمة أو معاينة . يقبض الثمن ويوقع على وثيقة البيع هنا في أريحا ويعود من حيث أتى ، لا يكلف نفسه عناء إلقاء نظرة على الأرض التي باعها

 .

- كل من ركبوا معك جاؤوا للبيع ؟ ألم ياتِ أحد زائرا، ولا مشتاقا لرؤية أهل ولا بلد بعد هذا الغياب الطويل ؟ ولا أحد راغبا في إقامة دائمة ولم شمل ، بل وتهربٍ من القوانين وإصرار على البقاء ولو مستترا إن أمكنه ذلك ، وسلم من الوشاة والمخبرين  ؟

 

- الصحيح أن الغالبية تأتي للبيع ، تقبض الثمن و تعود به إلى عمان ، هناك تبني  وتستثمر ، حيث الأمان والطمأنينة ، ألا يقولون ياحاج :

 

 - إن رأس المال جبان ، لا يغامر ببعثرة المال في مواطن الخطر ؟

 

- ولمن يبيعون أملاكهم ؟ أ لليهود أم للعرب ؟

 

- حاشا لله ، لا أحد يبيع لليهود ياحاج ، يبيعون لإخوانهم و أقاربهم المقيمين هنا أولا ، فإن لم يجدوا باعوا لعربي آخر .

 

- و ما الضرر في أن يبيعوا لإخوانهم ليتملكوها و يتصرفوا بها ، بدل أن تبقى معلقة  وأملاك غائبين مهددة بالمصادرة من قبل سلطات الاحتلال في أي وقت ؟

 

- كأنهم كانوا ينتظرون هذا اليوم ليبيعوا لا ليعودوا .

 

- وهل حقا ترغبون في عودتهم ليشاركوكم العيش هنا ؟ أم تفضلون استمرار غيابهم لتواصلوا وضع أيديكم على ما أمكن من ممتلكاتهم وأراضيهم ، أو شراءها بثمن بخس  قبل أن يضع اليهود أيديهم عليها باعتبارها أملاك غائبين ؟

 

- لا ياحاج ، قلة من يفكرون بهذه الطريقة ، و يطمعون في الاستيلاء على أملاك إخوانهم الغائبين و ميراثهم .

 

- قلة ؟! نحن لم نسمع إلا عن هذه القلة ، لم نسمع إلا عمن جاء يتفقد أرضه فمنعه أخوه من دخولها ، و عمن حلم عمرا بطوله أن يسكن أياما في بيته الذي بناه قبل الاحتلال  فوجده مسكونا أو مؤجرا ، ووجد نفسه ضيفا ثقيلا منتظرة ساعة مغادرته من قبل ساكن بيته ، هذا إن حظي بهذه اللفتة الكريمة .

 

ولم نسمع إلا عن أخ وضع يده على أملاك أبيه وأراضيه ، التي تبلغ مئات الدونمات حارما إخوانه في الخارج منها ، أو مشترطا عليهم أن يقاسموه ممتلكاتهم في الخارج ، إن رغبوا في مقاسمته أرض أبيه . وما سمعنا إلا بمن طالب أخاه بقسمة أرض والده ليعرف كل ذي حق حقه ، بدل استمرار حالة الغموض و توريث النزاع والخلاف للأبناء جيلا بعد جيل ، ففوجيء بالرد الصاعق :

 

- ليس لكم شيء هنا ، الأرض لمن فلحها و تعهدها كل هذه السنين الطوال التي انقضت ، فما تحمل قسوة الرد ، وأخذته السكتة القلبية ، و تكرمت عليه

 سلطات الاحتلال حين تجاوزت عن كونه أجنبيا غير مواطن ، وسمحت له بأن يدفن إلى جوار أبيه و جده ، ولم تصرعلى نقل جثمانه إلى الأردن ، و كان هذا مكسبا عظيما لم يحلم به غيره من ملايين المبعدين .

 

يتذكر أبو إبراهيم هذه الحكايات وهو يتابع الأخبار اليومية والتطورات السياسية كسابق عهده ، فقد بات يراها شريطا معادا يتكرر كل بضع سنين ، وإن برتوش و حذلقات متجددة ، يوهم صانعوها أنفسهم قبل غيرهم أنهم يستطيعون تسويقها ، لكن ذلك كله لعبة مكررة لا تنطلي عل أحد ، منذ لجنة كنج – كراين عام ألف و تسعمئة وتسعة عشر وحتى خارطة الطريق وحل الدولتين المعروض حاليا ، و ما طرح بينهما من عشرات المبادرات والاقتراحات التي ما أثمرت إلا شيئا واحدا ، هو تمكين إسرائيل من البقاء والاستقواء ، وابتلاع مزيد من الأرض ، واستقدام مزيد من المهاجرين و بناء مزيد من المستوطنات ، مقابل تضييق رقعة ما بقي  بأيدينا من فلسطين شيئا فشيئا ، حتى الإجهاز عليها نهائيا .

 

ما يلوح أمام مخيلة أبي إبراهيم هذه الأيام و منذ قرابة عامين ، هي تلك الجوهرة النفيسة التي انبثقت فجأة من بين شدقي الرئيس الأمريكي غير المأسوف على انتهاء ولايته

 

– جورج بوش الابن – فتلقفتها الأسماع ، ولهجت بالثناء عليها الألسن ، و تبارت في تسويقها الحناجر حتى بُحت . وهي رؤيا حل الدولتين .

لا علاقة لأبي إبراهيم بالجوانب السياسية ، ولا بالنتائج المترتبة على حل الدولتين ، ولا على هذه الدرة المصونة ، التي تزاحم على التقاطها كل بائعي المجوهرات والنفائس ومروجيها في العالم ، واعتبروها الترياق الناجع لكل ما نكابده من هموم ، والبلسم الشافي لكل ما في صدورنا من أوجاع مزمنة و مستعصية .

 

وأبو إبراهيم يسائل نفسه وحدها دون سائر الناس ، فلا يريد إجابات من أحد ، وحتى لا يتهم بالاعتراض والسير بعكس التيار ، فهو يهمس بتساؤلاته لنفسه :

 

- لماذا طرح عنوان حل الدولتين ، وكأننا ما زلنا في عام ألف و تسعمئة وسبعة وأربعين ولم تقم أي من الدولتين بعد ، وكأن الحلول لا زالت نظرية و مطروحة أمام هيئة الأمم المتحدة ؟

 

أليست إحدى الدولتين قائمة فعليا بكل قوتها وجبروتها ؟ متجاوزة الحدود التي خصصتها لها الأمم المتحدة ، مبتلعة أربعة أخماس الأرض المتنازع عليها ؟

 

  فالمطلوب إذا إقامة الدولة الثانية التي لم تقم ، فلماذا لا يكون العنوان واضحا وهو : العمل على إقامة الدولة  الثانية التي لم تقم ، بدل المساواة في الإعلان بين الوجود والعدم ، ثم لماذا يتشدق الناس بالعنوان ( حل الدولتين ) بينما لا يهمس أحد متسائلا عن المكان  الذي ستقوم عليه الدولة الجديدة ؟

 لماذا لا يُذكر أحد بالأرضية الشرعية للدولتين ، وهو قرار التقسيم لعام ألف و تسعمئة  وسبعة وأربعين ، الذي يمنح كل طرف قرابة نصف البلاد ، و يبقي كل ساكن في مسكنه دونما ترحيل ، ولو خضع لسلطة الدولة الثانية .

 

يتشدقون بملء افواههم بحل الدولتين ، ويعلمون علم اليقين في قرارة أنفسهم أن الدولة الموعودة التي يريدون لها أن تنبعث ، ستقوم على ما تبقى من الضفة الغربية ، بعد أن قضمت المستوطنات أكثر من نصف أراضيها ، و مزقتها شر ممزق ، وأحالتها إلى معازل بشرية لا تواصل جغرافي بينها ، و يعلمون علم اليقين أن حق العودة الذي يتباكون عليه ، و يدعون إلى التمسك به وعدم التنازل عنه ، لن يكون إلا إلى ما تبقى من الضفة الغربية ، وعلى المقاس الذي فصله رابين بـ 90% منها ، وقلصه شارون إلى 42% ، ثم نتنياهو من بعده إلى لاشيء منها . وأجزم أنهم جميعا يوافقون على ذلك في مجالسهم الخاصة ، و في لقاءاتهم مع أقطاب الدولة الأولى و حماتها ، بينما ينحصر دورهم في مهمة ترويض شعبهم بالتدريج ، ليقتنع بما يعرضونه عليه من فرصة تاريخية ، ينبغي أن لا تضيع مثلما ضاعت فرص سابقة . 

 

إلى أين سيعود ستة ملايين لاجيء ؟ إذا كانت الدولة الموعودة ليست سوى قصاصات من الضفة الغربية ، بعد قصها ولصقها و محاصرتها بأنفاق و جدران عازلة وطرق التفافية و مستوطنات تلتهم معظم أراضيها .

 

من المؤكد أن الغالبية العظمى لن تجد مكانا تعود إليه ، لكن التساؤل يظل قائما ، إلى أين يعود من اختار العودة من القلة التي آثرت ذلك  ؟

 

إذا لم يعد العائد إلى أرضه وبيته الذي طرد منه هو أو أبوه أو جده ، فإلى أين يعود ؟ ولمَ العودة للضفة الغربية ؟

 

 ما الذي ينتظر اللاجيء من حيفا و يافا واللد والرملة وغيرها في رام الله و نابلس والخليل ، أكثر مما انتظره في عمان و بيروت ودمشق ؟

 

 وقد خبر كثير منهم العيش هناك تسعة عشر عاما بين أعوام 1948 و حتى 1967 فما كانوا سوى لاجئين ، يعتاشون على الفتات الذي تجود به عليهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ، ولم يختلف حالهم عن حال من لجأ إلى أي بلد مجاور ، ولا يزال كثير منهم يعيشون هناك في مخيمات الضفة و غزة ، فلا تختلف حياتهم عمن لجأ خارجها ، فما الفرق بين مخيم في الضفة و غزة ، و مخيم في عمان أو دمشق أو بيروت ؟

 

 بل إن المرارة تكون أشد إيلاما عندما تكون لاجئا و محروما في وطنك ذاته ، وليس في غيره . وأكاد أجزم أن سوء المعاملة ونظرات الكبر والتعالي على اللاجئين في مخيمات غزة والضفة ، ووصفهم  بأشنع الأوصاف ، والنكات التي ألصقت بهم كانت أكثر أذى وإهانة منها في المخيمات خارج فلسطين . ولهذا غادرها معظمهم بعد نكسة الخامس من حزيران 1967 غير آسف عليها  ، فما الفارق في العيش بين مخيم تحت الاحتلال

و مخيم أبعد من ذلك ؟

 

بل إن الوضع الاقتصادي قد تحسن لكثير ممن غادروا المخيمات منتقلين إلى بلد آخر  ومخيم جديد .

 

 فبحكم الخبرة السابقة والتجربة المرة التي عاناها لاجئو 1948 ، أدركوا قبل غيرهم من لاجئي 1967 حديثي العهد بالهجرة ، أن لا أمل في العودة ، وأن ما ذهب لن يعود ، ومن شرّق لن يُغرّب ثانية – في المدى المنظور على الأقل – فقد جربوا ذلك وخبروا سراب الوعود ، فبادروا هذه المرة ووسط ذهول اللاجئين الجدد من الضفة وغزة ، وحيرتهم وترددهم وتعليقهم الآمال على الوعود الكاذبة بقرب العودة ، بادر السابقون من أصحاب الهجرة الأولى  إلى شراء الأراضي و بناء البيوت وامتلاك العقارات من أول يوم خاصة في الأردن ، وغيرهم ذاهل غير مصدق أنه سيبقى لاجئا ولن يعود قريبا إلى بيته وأرضه ، مثلما صدقوا هم ذلك وشربوا من ذات الكأس في الهجرة الأولى .

 

    فماذا ينتظرون ؟ وإلامَ يعودون في الضفة الغربية  لو صدقت الوعود بالعودة ؟

 

 أ إلى المخيمات التي غادروها ؟ و حتى هذه لن يجدوها ، فقد سطا عليها غيرهم ، أو تكرم بأرضها زعيم مظفر ، فمنح أراضيها هبات لأعوانه من كبار الضباط ، قطعة أرض للضابط ومثلها لزوجته ، مثلما حدث لأراضي مخيم عقبة جبر في أريحا ، ومعها لوحة سيارة معفاة من الجمرك للضابط و مثلها لزوجته ، أليس مال الثورة للثوار ؟

 

فإلى أين يعود اللاجئون ؟ حتى أرض المخيم الذي آواهم يوما قد وزعت هبات .

 

و يسترسل أبو إبراهيم في تساؤله :

 

- لماذا لم يفتح أحد فمه يوما بالحديث عن المستوطنات ؟ ولم يقترح أحد ان تكون جزءا من الصفقة ، و تعويضا جزئيا عن الأملاك والأراضي التي استولت عليها إسرائيل وطردت أصحابها منها عند قيامها ؟

 

  إن في استطاعة المستوطنات التي تؤوي نصف مليون مستوطن يهودي في القدس  والضفة ، أن تتسع لمليون لاجيء بحساب زيادة عدد أفراد الأسرة بيننا و بينهم  لكنه يعرف في أعماقه الجواب الذي يعرفه كل الساكتين ، والمحجمين عن إثارة موضوع المستوطنات واعتبارها جزءا من الحلول المتبادلة ، فالمستوطنات التي ستخلى – إن تحقق ذلك الحلم – عليها ألف عين و عين أولها عيون كبار الضباط والأزلام و رجال السلطة والثورة السابقة ، التي امتزجت في السلطة وصارتا شيئا واحدا ، والذين يحق لهم أن يريحوا أبدانهم ، و يتمتعوا قليلا بعد طول العناء الذي كابدوه في دروب النضال الطويلة الشاقة .

 

وخوف السلطة من خروج الأمر عن السيطرة ، و عدم قدرتها على ضبط الأمور ، وابتلاع هذه اللقمة الكبيرة لرجالها دون صراعات قد تتحول إلى دموية مدمرة ، بسبب كبر حجم الغنيمة .

 

والعين الثانية عين أصحاب الأراضي التي قامت فوقها المستوطنات ، فهؤلاء وإن سكتوا دهرا عندما كان الغاصب لأرضهم يهوديا صهيونيا ، بل وربما ساهم أبناؤهم في بناء هذه المستوطنات ، بذريعة عدم وجود مجال مفتوح للعمل أمامهم سوى قطاع البناء والخدمات في إسرائيل والمستوطنات ، وكانت السلطة تحتج و تشتكي مُر الشكوى عندما تحد إسرائيل من أعدادهم وتدفقهم للعمل في مؤسساتها ومستوطناتها بذرائع أمنية . هؤلاء الذين سكتوا على اغتصاب عدوهم لأرضهم  دهرا ، لن يسكتوا عند تجيير الاغتصاب لصالح النخبة المناضلة من قياداتهم ، سيطالب هؤلاء بأرضهم و بما عليها من مبان وسيزحفون لوضع أيديهم عليها ، ثم يوكلون المحامين الذين سيدعون ساعتها فقط  أن الأرض وما عليها لمالكيها الأصليين .

وهذه خطوة تخشاها السلطة ، و تحسب لها ألف حساب قبل الإقدام على توزيع المستوطنات على المناضلين كل بقدر نضاله .

 

 أما العين الثالثة فعين عامة الشعب من الفقراء والمحرومين ، التي تعرف أنها لن تنال أرضا ولا بيتا من كل ذلك ، فلا أقل من سقط المتاع الذي تحويه هذه المستوطنات ، تسطو عليه فتنهبه دون تردد في غمضة عين ، وساعة الإخلاء فورا ، وقبل أن يستطيع أحد أن يرتب أمرا ، أو يفرض حماية لممتلكات عامة .

 

 وهذه الحشود الجاهزة لمثل هذه المهمات ، قد تدربت على ذلك وخبرته من خلال بركات الفضائيات العميمة ، التي نقلت لها عبر شاشاتها مشاهد السطو على الوزارات  والمؤسسات الحكومية لحظة سقوط بغداد ، ولم توفرحتى  متحفها الوطني ، وكلها منشآت وطنية ، فكيف عندما يُفتى لها أن هذه الغنائم كانت ملكا لليهود  ؟

 

وتجربتها الثانية والأقرب ، كانت مشاهد السطو على محتويات المستوطنات التي أخليت في غزة ، فلدى هذه الحشود تجارب و خبرات سابقة ، وهي تتهيأ للزحف الأكبر، لأن مستوطنات الضفة أوسع حجما ، وبالتالي فإن محتوياتها أوفر مادة ، وأنفس سلعة ، ولن يستطيع أن يقف في وجه هذه الحشود الزاحفة أحد .

 

  إذا كانت السلطة قد قررت هدم مستوطنات غزة ، ولا زال ركامها في مواضعه منذ سنوات لا يجد من يفكر برفعه ، بعد أن أضيف إليه ركام جديد جراء التدمير الذي نجم عن العدوان الأخيرعلى غزة ، لخشيتها أن لا تستطيع ضبط عملية توزيعها على الطامعين فيها ، ولا على مواجهة أصحاب الأرض التي أقيمت عليها الزاحفين لاستعادة أراضيهم ، فلجأت إلى هدمها ، بدل أن تستغلها كمؤسسات و مرافق عامة لخدمة الوطن والمواطنين ، فإن الوضع في الضفة سيكون أكثر مأساوية ‘ إذ لا يستطيعون توزيعها على أنفسهم دون إثارة حفيظة المواطنين ، ولا يستطيعون الوقوف في وجه أصحاب الأراضي الزاحفين لاستعادة أراضيهم ، ولا في وجه الطوفان البشري الذي سينقض عليها للنهب والسلب ، ليتركها قاعا صفصفا خلال ساعات ، و لايجرؤون على هدمها لضخامتها و سعتها التي تتسع لمئات الألوف من الساكنين ، و سيكون هدمها مثيرا للحنق والسخرية من قبل العالم أجمع .

فلذلك يسكتون عنها ، بل و يفضلون أن تبقى لمستوطنيها بدل أن توجع رؤوسهم مسألة التصرف فيها ، و بدل أن يطالبوا بها سالمة بكل محتوياتها ، كجزء بسيط من التعويض الذي يستحقه اللاجئون الذين أبعدوا عن أراضيهم وديارهم ، بالحصول على سكن لائق فيها ، لمن يرغب في العودة بدل أن تقول له :

 

- لك حق العودة إلى الضفة ، فتعال واشتر أرضا وابن بيتا وابحث عن مصدر رزق ، فذلك كله مستحيل ، لأنه سيكون بأثمان خيالية ، وعندها لن يعود احد ، وسيقال :

 

- أرأيتم عندما لاحقنا الكذاب للباب ؟ أرأيتم هؤلاء الذين شغلوا الدنيا قرنا بطوله وهم يطالبون بحق العودة ، عندما أتيحت لهم العودة ، لم يعد منهم أحد .

 

  - ما هي العودة ؟ إذا لم تعد إلى أرضك و بيتك الذي تحتفظ بمفتاحه ، وإلى حقلك الذي غادره أبوك أو جدك ؟

 

- لماذا يعود اليهودي بعد ثلاثة آلاف عام وهو لا يملك شيئا ، ولم يكن يملك شيئا في هذا المكان ، فيجد الدولة تحتضنه ، تمنحه الجنسية والسكن والعمل  ، و تهييء له سبل العيش والاندماج منذ يومه الأول ؟

بدل أن تلقيه في اليم مكتوفا و تقول له : - إياك إياك أن تبتل بالماء .

 

عندها سيلعن الوطن والذين أعادوه إليه ، و سيطالب بالهجرة الأبدية له و لنسله أجمعين ، وهذا هو المراد .

 

وسؤال آخر بريء عن هذه العودة البريئة للدولة الفلسطينية التي ستقام عل قصاصات من الضفة الغربية .

 

هل تتسع هذه الدولة للملايين من اللاجئين الذين لهم حق العودة ؟ وهل لديها الإمكانية لاستيعابهم وإسكانهم و خلق فرص عمل لهم ؟

 

وهل هي قادرة أصلا على استيعاب سكانها الحاليين وإطعامهم ؟ أم أنها تقتات على فتات موائد الدول المانحة ؟ وهل تجد مالا تصرف منه رواتب موظفيها إن تأخرت لأي سبب دفعات المانحين وأقساطهم الشهرية، أو أخلوا بالتزاماتهم فرضا لشروط تعجيزية ؟

 

أليس حالها كحال من حملوه عنزة ضرط ، فقال : - هاتوا أختها .

 

أما المواطنون من سكان الضفة : مدنها و قراها ، هل استطلع رأيهم أحد ؟ ليجس مقدار ترحيبهم بإخوانهم العائدين إليهم من سكان مخيمات لبنان وسوريا ومخيمات البقعة والوحدات والحسين في الأردن ، بل ومن مخيمات غزة أيضا ، وسائر تجمعات الشتات ، واستعدادهم لتقاسم لقمة العيش ورقعة الأرض والسكن معهم ؟

 

ألا يدري هؤلاء المُسوقون لحق العودة إلى الدويلة في الضفة ، أن هذه العودة مستنكرة وغير مرحب بها ، ليس لأهل الشتات من لاجئي 48 ، بل لأبناء الضفة أنفسهم الذين غادروها عام 67 ، ولا زالت أراضيهم و بيوتهم بأسمائهم لم تمتد إليها يد يهودي ، ولم يسكنها مستوطن .

- هل يقول لي أحد من هؤلاء أنه يستطيع أن يؤجر بيتا له في نابلس و يتقاضى أجره ، إن لم يكن مواطنا وحاملا لبطاقة الجسورالخضراء أو الصفراء  ؟

 

هل يمكن لشخص يقيم في الخارج أن يتصرف بأرضه  ، فيمنحها مزارعة لشخص هناك  ؟ أم أن أخاه وأخته وابن عمه وأبعد أقاربه المقيم هناك هو المتصرف بأرضه وممتلكاته ،  التي هي ملك له أو ميراث شرعي آل إليه بعد وفاة والده ، ودون مشورة

 أو تفويض .

 

إذا كانوا لا يريدون لأشقائهم أن يعودوا ، و يستولون على أراضيهم وممتلكاتهم ، وهم بعد أحياء يرزقون و يؤملون العودة ، فهل سيرحبون بلاجئي لبنان وقطاع غزة  ومخيمات الأردن ، ليعودوا إليهم فيقاسموهم رقعة الأرض ولقمة العيش ؟

 

ما أبعد ما بين الحلم والحقيقة ! وما أبعد نظر أولئك الذين يتلاعبون بالوقت ، فيطيلون التفاوض لأنهم يعتاشون على إطالة الوقت وإضاعة الزمن ، وإبعاد الحل الذي هو غير موجود أصلا ، وكل ما يحدث هو مقايضة الوقت بالثمن المتاح في كل زمن ، وإدارة للصراع ليظل تحت سيطرة من يديره ، وليس بحثا عن حلول متخيلة .  

 

 

(1) الكركر : هو شريط طويل يُلف على هيئة دائرية يستعمل لقياس طول قطعة من الأرض .