مظاهر التغيير في السياسة الأوروبية تجاه إسرائيل
16/07/2009
تزداد يوماً تلو آخر المظاهر والمؤشرات التي تدل على اختلاف بين عدد من الدول المهمة والكبيرة في الاتحاد الأوروبي وإسرائيل وخصوصاً مع وزير الخارجية الإسرائيلية ليبرمان فما لم تستطع إدارة أوباما الإعلان عنه أو مطالبة إسرائيل به تقوم أوروبا بالإعلان عنه.
فبريطانيا على سبيل المثال أشارت إلى وجود ما يشبه الحظر على تصدير الأسلحة لإسرائيل في أعقاب ضغوط مارسها عدد من أعضاء البرلمان على حكومة (براون) وضغوط لا تزال تمارسها منظمات حقوق الإنسان البريطانية على الحكومة، فإذا كان التهديد بفرض عقوبات على إسرائيل يعد من أكبر الخطوات التي يمكن أن تفاجئ بها أوروبا العرب فما بالك إذا ما صح وجود حظر جزئي بريطاني على إسرائيل أو امتناع عن التجاوب مع مطالبها السياسية؟
أما خافيير سولانا مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فقد كان أكثر تأثيراً
في تصريحاته حين دعا إلى اتخاذ قرار من مجلس الأمن الدولي بتحديد موعد نهائي لإنشاء
الدولة الفلسطينية والإعلان عنها وقد كان من المستغرب ألا تكون بعض الدول العربية
ذات العلاقة الخاصة بالولايات المتحدة أول من يتبنى مثل هذا المشروع لإجبار حكومة
نتنياهو على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة.
فسولانا لا يمكن أن يدعو إلى مثل هذا الإجراء دون موافقة دول الاتحاد الأوروبي أو
أغلبيتها على الأقل ناهيك عن أن دعوته هذه تترافق مع وجود رئيس جديد للاتحاد
الأوروبي هو دولة السويد هذه المرة فالسويد تعد من الدول النشيطة في دعم القضية
الفلسطينية وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، ويبدو
أن (سولانا) لم يستطع عرض مثل هذا المقترح علناً حين كانت تشيكيا ترأس الاتحاد
الأوروبي قبل أسبوعين لأن قادة تشيكيا يعدون من المتشددين في دعم إسرائيل بشكل يفوق
دعم بعض الأحزاب الإسرائيلية لسياسة نتنياهو.
ولا شك أن ترؤس السويد للاتحاد الأوروبي حتى نهاية عام 2009 سيشكل أفضل فرصة للعرب
وللفلسطينيين بشكل خاص لمحاصرة سياسة نتنياهو وتحقيق مكاسب إعلامية وسياسية داخل
الساحة الأوروبية والدولية لمصلحة القضية العربية لأن وزير خارجية السويد من
الشخصيات التي ستصغي لأي مقترح عربي حتى لو لم يجد عدداً كافياً من الدول الأوروبية
التي تدعمه.
ومن المعروف أن إسرائيل استنفرت كل جهودها وطاقتها السياسية والدبلوماسية حين
استلمت تشيكيا رئاسة الاتحاد الأوروبي في بداية عام 2009 لمدة ستة أشهر وسجلت قائمة
الزيارات المتبادلة بين براغ وتل أبيب عدداً من اللقاءات بين قادة الدولتين فبيريس
رئيس الدولة كان من بين أوائل من زار براغ وكذلك رئيس حكومة ووزير خارجية تشيكيا
اللذان زارا تل أبيب. ومن الواضح أن إسرائيل تدرك أن صوت رئاسة الاتحاد الأوروبي لن
يكون مؤيداً لسياسة نتنياهو وليبرمان لكنه لم يتضح حتى الآن وجود جهد أو مشروع عربي
لاستثمار هذه الفرصة التي يتوافر من خلالها في رئاسة الاتحاد الأوروبي شخصية سياسية
سويدية محايدة إن لم تكن مؤيدة للحقوق العربية وللشرعية الدولية المتطابقة معها على
الأقل.
ولذلك كان من الطبيعي أن يعلن وزير الخارجية الإسرائيلية ليبرمان أمس أن أوروبا لن
تستطيع أن تفرض على إسرائيل اتفاقاً في العملية السلمية فهو يعرب عن استيائه من
الموقف الأوروبي الذي لا تفضل إدارة أوباما الآن على الأقل معارضته علناً أو
الإعراب عن تأييده علناً لأسبابها الخاصة مع إسرائيل. لكن مثل هذه الأجواء
الأوروبية والدولية توفر حالة خاصة للشرق الأوسط وخصوصاً أن أوروبا تختلف مع
إسرائيل حول إيران، وحول لبنان وسورية وتعمل على تقريب وجهة نظرها مع السلطة
الفلسطينية وسورية في موضوع العملية السلمية، فتصريحات كوشنير وزير الخارجية
الفرنسي تجاه سورية ولبنان وفلسطين أزعج الحكومة الإسرائيلية في ظروف تعمل فيها
واشنطن على تحقيق تقارب مع سورية وإعادة علاقاتها الطبيعية معها دون أن تغير سورية
سياستها الوطنية والقومية المعروفة، وكان (ليبرمان) قد شن حملة انتقاد على (سولانا)
بسبب مطالبته بتحديد جدول زمني لإنشاء الدولة الفلسطينية من قبل مجلس الأمن الدولي
وانتقد الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي طلب من نتنياهو قبل أسابيع تغيير وزير خارجيته
ليبرمان وتعيين آخر مكانه. ويعترف عدد من الدبلوماسيين الإسرائيليين سابقاً بأن
وزارة الخارجية الإسرائيلية انخفضت مكانتها في العمل الدبلوماسي والتأثير السياسي
بدرجة كبيرة منذ تولي نتنياهو رئاسة الحكومة وليبرمان وزارة الخارجية ورأى البعض أن
توقيت ظهور الحكومة الإسرائيلية الجديدة مع وجود أوباما في الإدارة الأميركية
وسياسة التغيير التي أعلن عنها تتسبب بأزمة إسرائيلية مع أوروبا والعالم. ويعترف
البروفيسور الإسرائيلي (باري روبين) في صحيفة جيروزاليم بوست أن كل ما تضعه إسرائيل
على أولويات جدول عملها لم يعد بالأولوية نفسها على جدول عمل أوروبا وواشنطن،
فأوروبا كما يرى (روبين) تتكيف مع القيادة الإيرانية وتعقد الصفقات الاقتصادية معها
دون توقف وتعارض الاستيطان وتسمح لشركاتها بمقاطعة المنتوجات الإسرائيلية التي يكون
مصدرها المستوطنات في الجولان والضفة الغربية.
أما روسيا فقد رفضت عرض أوباما بمقايضة طهران مع نشر الدرع الصاروخية الأميركية في
أوروبا التي تقاومها موسكو منذ سنوات كثيرة، كما يرى الإسرائيليون أن أوباما لا
يستطيع في النهاية أن يفرض على أوروبا وروسيا معاً موقفاً لمصلحة البرنامج السياسي
الذي تتبناه حكومة نتنياهو، فتجميد الاستيطان ومسألة نشوء الدولة الفلسطينية يمثل
أحد القواسم المشتركة التي يتفق فيها الموقف الأميركي مع الأوروبي.
لكن المشكلة أن معظم الدول العربية لا تظهر لديها الرغبة في استغلال هذه الأزمة
النسبية التي تواجهها إسرائيل بقلق من التغير الطارئ على أجواء المجتمع الدولي
تجاهها من أوروبا بشكل عام وبريطانيا وفرنسا بشكل خاص، فحين تكون السويد هي ناقل
الرسائل السياسية بين العالم ومنطقة الشرق الأوسط وبين الاتحاد الأوروبي يتحول أي
جهد عربي سياسي لتكثيف النشاط من أجل فرض الانسحاب على إسرائيل من الأراضي المحتلة
ونزع الاستيطان في ظل هذه الأجواء إلى مهمة ملحة ومطلوبة من الدول العربية. وفي
النهاية لا تزال مظاهر التغيير في السياسة الأوروبية تجاه إسرائيل غير كافية حتى
الآن لكن ذلك لا يعني أنها غير موجودة وإن كانت في مرحلة الامتحان.
مقالة سابقة
إسرائيل توزع قادتها المهزومين في حرب تموز 2006 على مناصب جديدة - تحسين الحلبي