خطوات حثيثة على طريق التطبيع مع الاحتلال

 د.سعيد الشهابي*

 

15/07/2009 


 

ثمة غموض يصعب تفكيكه حول اختفاء اللجنة الشعبية لمقاومة التطبيع التي تأسست قبل سنوات في الكويت وشملت مثقفين ونشطاء من دول خليجية وعربية عديدة. فبعد انطلاقة قوية تجسدت بالمؤتمرات والمسيرات والبيانات، تلاشى نشاط هذه اللجنة التي كانت تعبر عن زخم شعبي ضد التطبيع مع الكيان الاسرائيلي.

فلماذا توارت عن الأنظار تدريجيا، أهو المصير المحتوم لكل نشاط تحرري عربي في ظل هيمنة ثقافة الاستسلام والخنوع؟ أم أن ذلك تجسيد لغياب الإرادة الفاعلة لدى الجماهير نتيجة تراجع القيادات والرموز؟ أم أن الأمر ناجم عن غلبة عقلية 'البراغماتية' و'الواقعية' على 'المبدئية' و'المثالية'؟ وماذا عن تعمق جذور الدولة القطرية التي أصبحت لها اهتماماتها المحلية بعيدا عن هموم الأمة، أليس ذلك عاملا من العوامل التي همشت قضية فلسطين في نهج عمل الكثيرين؟

أياً كان الامر، فالملاحظ ان أدوات التطبيع ووسائله تنتشر في الأوساط الشعبية، وأن السياسات الرسمية المتجهة نحو التطبيع مع 'إسرائيل' التي تبدو أحيانا فاقدة لمقومات النجاح، تحقق تقدما في إضعاف وهج الحماس لقضية فلسطين في النفوس والعقول.

الأصوات الإسلامية سترتفع في الأيام المقبلة داعية للتركيز على القضية، وذلك في الاحتفالات التي ستقام في أغلب بلدان العالم الإسلامي بمناسبة (الإسراء والمعراج). ولكن الحماس الذي يصاحب هذه المناسبات ينتهي بانتهاء المناسبة ولا يرتبط بمشروع تحريري شامل، او برنامج عمل رسمي او شعبي واضح.

هذا لا يعني ضعف إرادة الأمة بقدر ما يشير الى تأثير النظام السياسي العربي المتجه نحو تصفية القضية بالتصالح مع الكيان الاسرائيلي على الوجدان الشعبي العام. هذا التأثير قد يستغرق وقتا طويلا ولكنه يتحول الى حالة عامة بمرور الوقت. فعندما وقع الرئيس المصري السابق، أنور السادات، اتفاقات كامب ديفيد مع الكيان الاسرائيلي، كان خيار 'السلام' مع قوات الاحتلال يبدو غير واقعي ولا نصيب له من النجاح، ولكن بعد ثلاثين عاما، تغير الوضع، ومعه توجه السياسات الرسمية العربية، وأصبحت الأصوات التي تدعو للمقاومة مرفوضة على الصعيد الرسمي.

بعد حرب 1967 كان هناك قبول رسمي لخيار مقاومة الاحتلال، ويتذكر جيل السبعينات مدى التفاعل مع ذلك الخيار، حتى ان بعض الدول انتهجت سياسة جمع الدعم المالي لذلك الخيار على نطاق واسع، ومن ذلك مثلا فرض رسوم إضافية على الخدمة البريدية، فصدرت طوابع إلزامية بمبلغ رمزي بعنوان 'المجهود الحربي'.

وكانت المقاطعة العربية الرسمية لـ 'اسرائيل' على الصعيد الاقتصادي شاملة، هذه المقاطعة بدأت منذ بدايات العدوان قبل انشاء الكيان الاسرائيلي، فقد دعا مؤتمر الجمعية الإسلامية - المسيحية المنعقد في نابلس عام 1920، وجهاء فلسطين ومزارعيها إلى 'مقاطعة اليهود مقاطعة تامة' وامتدت هذه المقاطعة، وتطورت لتشمل كثيرا من جوانب العلاقات الاقتصادية والتجارية وتشغيل اليد العاملة، إضافة إلى الامتناع عن بيع الأراضي والعقارات لليهود.

وخلال ثورة فلسطين الكبرى (1936- 1939) التي شهدت صراعا مسلحا ضد الانتداب البريطاني تشكلت لجان مقاطعة في سورية والأردن ولبنان لمنع إرسال البضائع والسلع إلى فلسطين.

وكان التحول الثاني في موضوع المقاطعة العربية بانتقاله من المستوى الشعبي إلى المستوى الرسمي، عندما تبنت الجامعة العربية المقاطعة. فقد قرر مجلس الجامعة في جلسته الثانية (2/12/1945) مقاطعة المنتجات والمصنوعات اليهودية في فلسطين. وصاغت الجامعة العربية الإطار القانوني والتنظيمي لمقاطعة 'إسرائيل' بقرار مجلس الجامعة العربية في دورته الثانية والعشرين (11/12/1954)، حيث حُدّدت القواعد المنظمة للمقاطعة، وتعرضت المقاطعة العربية لـ'إسرائيل' إلى هزات عديدة منها ما حدث في حرب 67 وضم مناطق فلسطينية واسعة للكيان، ثم حدث الخرق الاكبر بتوقيع اتفاقات كامب ديفيد. ولكن حرب الخليج الثانية كانت العامل الأهم للتأثيرات السلبية على المقاطعة العربية بتأثير ثلاثة عوامل أولها: الانقسام العربي الذي أضعف النظام الرسمي العربي، والثاني: تصاعد النفوذ الامريكي بسبب الحرب خصوصا في منطقة الخليج، ثالثا: مبادرة مدريد في عام 1991 التي أضعفت خيار المقاطعة وروجت لمشروع السلام الامريكي.

هذا التاريخ الطويل لمشروع المقاطعة بدأ بالتراجع خصوصا مع طرح المبادرات المختلفة لإنهاء الصراع مع العدو الاسرائيلي. كما ان الحضور الامريكي على الصعيدين العربي والدولي دفع العديد من الدول العربية لعقد اتفاقات معها خصوصا اتفاقيات التجارة الحرة. هذه الاتفاقية بوجه خاص تشترط في احد بنودها الغاء المقاطعة الاقتصادية مع الكيان الاسرائيلي.

وكانت البحرين من أولى دول مجلس التعاون التي عملت بتلك الاتفاقية في آب (اغسطس) 2006. وقد انزعجت المملكة العربية السعودية في البداية من الخطوة البحرينية لأنها كانت ترغب في اتفاقية مشتركة بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة، وليس اتفاقات ثنائية بين الولايات المتحدة وكل دولة من دول المجلس. وقد اصبحت الدول التي وقعت تلك الاتفاقية مستعدة نفسيا للتطبيع مع الكيان الاسرائيلي. وكمقدمة لذلك قررت العائلة الحاكمة في البحرين قبل اربعة اعوام غلق مكتب 'مقاطعة اسرائيل'. ولم تكترث العائلة الحاكمة بقرار اصدره مجلس الشورى (الذي يعين الحاكم نصف اعضائه) بعدم شرعية ذلك القرار، ولم تعره اهتماما.

العائلة الحاكمة في البحرين بدأت اتصالاتها الرسمية مع الكيان الاسرائيلي قبل ذلك بسنوات وتواصلت حتى الآن. فقد التقى حاكم البحرين، الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، العام الماضي في نيويورك برئيس الكيان الاسرائيلي، شمعون بيريز ووزيرة خارجيته آنذاك، تسيبي ليفني. كما التقت ليفني في نيويورك نظيرها العماني. وكان ولي عهد البحرين التقى شمعون بيريز في الامم المتحدة، للمرة الثالثة بعد لقاءين سابقين في دافوس في 2000 و2003 على هامش القمة الاقتصادية الدولية. وسبق لوزير البيئة الاسرائيلي السابق، يوسي بيلين، ان زار المنامة على رأس وفد اسرائيلي لحضور مؤتمر حول المياه في الشرق الاوسط. وفي العام الماضي دعا وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، الى اقامة منظمة اقليمية تضم الدول العربية و'اسرائيل' مشددا على ان هذه المنظمة يجب ان تتجاوز الاعراق والاديان، وفق ما نقل عنه.

وجاءت الخطوة الأخطر قبل اسبوعين عندما بعثت العائلة الحاكمة وفدا الى 'اسرائيل' بدعوى تسلم خمسة بحرينيين ناشطين كانوا ضمن حملة دولية لكسر حصار غزة. واعتبر البعض الذريعة التي قدمتها الحكومة البحرينية لمد الجسور مع قوات الاحتلال الاسرائيلية خطوة على طريق التطبيع مع الكيان الصهيوني. ولكن الحكومة البحرينية بررت زيارة وفدها لمطار بن غوريون، بانها 'مهمة انسانية'.

والمعروف ان الدول 'المتحاربة' التي تقطعت بينها العلاقات الدبلوماسية تستعين بمنظمات الاغاثة الدولية خصوصا منظمة الصليب الاحمر الدولي لتسهيل مهمة تبادل الأسرى او السجناء. هذا ما حدث في العام 1991 بعد انتهاء حرب الخليج الثانية. فقد سلم العراق بعض أسرى الحرب الكويتيين من خلال منظمة الصليب الاحمر الدولي التي نظمت عملية تسلمهم ونقلتهم بالباصات من المناطق الحدودية الى مدينة الكويت.

وحدث الامر نفسه في عمليات تبادل الاسرى بين حزب الله والقوات الاسرائيلية. فالمهمة الانسانية لا تتم بارسال وفود رسمية الى البلد الآخر، كما ادعت حكومة البحرين. ولم يحدث قط مثل ذلك من قبل. وحتى بقية المعتقلين في العملية الاخيرة لم تبعث حكوماتهم وفودا لمقابلة المسؤولين الصهاينة، فلماذا انحصر التواصل مع قوات الاحتلال بالوفد البحريني الرسمي؟

المؤسف أن عملية التطبيع هذه يتم الترويج لها من قبل 'المثقفين' الذين يبررونها ضمن المنطق الرسمي الذي لا يستند الى الدليل بل يسعى للتشويش على الحقائق. وانه لأمر خطير ان يتخلى المثقفون العرب عن دورهم في توعية الجماهير، والالتزام بثوابت الأمة في التحرير والمقاومة واسترجاع الحق بطرقه المألوفة، وليس عن طريق الاستسلام والخنوع امام تعنت المحتلين. فلماذا الاستخفاف بالعقل العربي؟
ولماذا تزوير الحقائق والتخلي عن مشروع التحرير بهذه التبريرات؟
من الذي يسخف العقل العربي؟ ومن الذي يسعى لتسطيح الوعي الجماهيري وتوجيهه وفق المنطق الرسمي الهادف للتخلي عن ارض فلسطين بأية وسيلة؟

وبالتقصي في القضية يتضح أن الخيط يتصل بالتوازن السياسي والاستراتيجي في المنطقة، وهو توازن قلق تتأرجح كفتاه بين الاحتلال الصهيوني وقوى التحرير العربية والاسلامية. وعلى مدى أكثر من 35 عاما، بقي النظام الرسمي العربي خارج حلبة السباق، كالمراقب الذي يقضي وقته بمتابعة صراع المتضادين، بدون ان يكون له موقف محدد من اي منهما. الحكومات العربية رفضت المشاركة في مشاريع التحرير، ووقف بعضها ضد المجموعات المقاومة للاحتلال، وما يزال يسعى لإعادة ترتيب التوازن وفق رؤية متحمسة للتطبيع مع الكيان الاسرائيلي لعدد من الأمور:

اولها الرضوخ للإرادة الغربية الهادفة لتحقيق أمن 'اسرائيل' على حساب حقوق أهل فلسطين.

الثاني: التخلص من عقدة فلسطين لانها أصبحت عامل استقطاب حاد في المنطقة بين الشعوب الراغبة في التحرير والأنظمة التي تعمل من اجل التسوية بأية صورة.

الثالث: أن استمرار الصراع مع قوات الاحتلال يعري الأنظمة العربية التي تتواطأ معه ضد قوى المقاومة والجهات التي تدعمها ماديا ومعنويا، الأمر الذي تسعى هذه الأنظمة لتجاوزه واحتواء مخاطره.

الرابع: أن المقاومين اليوم لم يعودوا مجموعة من الفدائيين الذين يقدمون الضحايا بدون مردود، وهمهم الاول استهداف الاحتلال وقواته بأي ثمن. هذه المرة اصبحت مسألة مقاومة 'اسرائيل' عنوانا لمشروع حضاري تساهم فيه حكومات ومجموعات مقاومة تتمتع ببصيرة ثاقبة ووضوح في الرؤية وتمسك بالمبدأ. وقد عبرت الشعوب العربية والاسلامية عن دعم خيار التحرير بوضوح من خلال دعمها خيار المقاومة ووقوفها مع المقاومين من مقاتلي حزب الله وحماس وبقية الفصائل اللبنانية والفلسطينية.

ان هناك الآن سباقا محموما بين خطين: الأول يسعى لخلق نظام شرق أوسطي جديد يضمن أمن 'اسرائيل' ويعترف بوجودها، ويعتبر إيران معوقا أمام ذلك، ويرى في المجموعات المقاومة مانعا للتوصل الى 'سلام' دائم في المنطقة. وتتصدر المملكة العربية السعودية ومصر هذا الخط.

والثاني يسعى لمقاومة التطبيع مع الكيان الاسرائيلي ويدعم المقاومة ضده، ويرفض الاعتراف به، ويسعى لصياغة هوية مختلفة لهذه الامة، وتمثل ايران هذا الخط مدعومة من حركات المقاومة بشكل اساس.

هذا السباق بدأ يأخذ أبعادا تتسع باضطراد، وتتعمق جذورها تدريجيا. ويمكن ملاحظة صراع الخطين في أنماط تغطية حوادث إيران الأخيرة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية التاسعة. فقد لوحظ أن الاعلام السعودي بشكل خاص أبدى اهتماما غير مسبوق، حتى اضطرت السلطات الايرانية لاتخاذ اجراءات ضد قناة 'العربية' السعودية. هذا الصراع مرشح للتصعيد في الفترة المقبلة، في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة الامريكية لفتح قنوات حوار مع ايران.

وقد جاء اطلاق سراح خمسة دبلوماسيين ايرانيين محتجزين لدى السلطات الامريكية منذ ثلاثة اعوام استجابة للرغبة في ذلك الحوار. والواضح ايضا ان الطرفين يعيشان حالة من صراع الارادات غير مسبوقة، مع محاولة الطرفين التشبث بالدبلوماسية في الخطاب المباشر تحسبا للنتائج الوخيمة لأية مواجهات سياسية واعلامية شاملة. فبينما الرياض غاضبة من توسع النفوذ الايراني في المنطقة، تعتبر طهران ما اورده الاعلام الاسرائيلي عن استعداد السعودية لفتح اجوائها لتحليق الطيران الاسرائيلي خطوة تصعيدية خطيرة تمهد لعدوان اسرائيلي ضدها. ومع احتدام 'الحرب الباردة' بين ضفتي الخليج، وقرع طبول الحرب الساخنة ضد الجمهورية الاسلامية، تبدو رغبة بعض الحكومات العربية في تطبيع العلاقات مع الكيان الاسرائيلي تطورا خطيرا لن تقتصر آثاره على طرف دون آخر.

ان مشكلة التطبيع مع قوات الاحتلال الاسرائيلية من أهم عوامل تمزيق الصف العربي وتعميق الفجوة بين الشعوب والأنظمة، فهو تجسيد عملي لصراع جديد قديم يبدأ بتبادل الاتهامات والتشكيك في النوايا ويبلغ مستويات عليا من التوتر، ويتخذ مصاديق متباينة من بينها إقدام نظام بلد صغير كالبحرين على خطوات خارج الحسابات المعتادة. انها حرب إرادات من جهة، وصراع حضارات ثانية، واستحقاقات خطيرة لظلامات حدثت في الحقب التاريخية الأخيرة من جهة ثالثة.

في هذه المعمعة والغوغاء السياسية لم يعد هناك صوت للمنطق السوي او الشعار التحريري الصادق، فقد استبدل ذلك بلغة جديدة في الدبلوماسية والعلاقات الدولية وقيم التضامن الاسلامي. فمن المسؤول؟ وكيف يضمن نجاح مشروع التمزيق والتجزئة والتبعية والتخلف؟ فإذا كانت رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة فإن مسيرة التطبيع تبدأ بزيارة وفد من احدى وزارات الخارجية للدول العربية. هذه هي الحقيقة ولا ضرورة للتعتيم والتشويش والتضليل على حقيقة نوايا بعض الأنظمة العربية الخانعة التي تلهث لخطب ود الصهاينة.

* كاتب وصحافي بحريني مقيم في لندن

"القدس العربي"