سامي
حسن
17/07/2009
لطالما كان تعدد الآراء والتيارات في قوة سياسية
ما ظاهرة صحية تعبر عن ديموقراطية وديناميكية هذه القوة السياسية.
لذلك لم يكن لوجود تيارات متعددة ضمن حركة «فتح» من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار
تأثير سلبي على هذه الحركة لجهة الحفاظ على وحدتها وحضورها الجماهيري وقيادتها
للحركة الوطنية الفلسطينية. بل ربما كان هذا التعدد سبباً رئيساً من أسباب شعبيتها
وجماهيريتها.
مأساة حركة «فتح» اليوم هي في كون الصراع الذي يدور داخلها إنما يدور حول أهداف
ومكاسب شخصية هي أبعد ما تكون عن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وتوجهات
وطموحات القاعدة الوطنية الفتحاوية.
لقد نجحت القيادة الحالية المهيمنة داخل «فتح» في توسيع المسافة بين الحركة من جهة
وهموم ومصالح الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني من جهة أخرى.
وكانت الشريك الرئيسي مع قيادة حركة «حماس» في ما حصل على الساحة الفلسطينية من
انقسام وتشرذم. وقد بلغ سوء الأداء السياسي للاخيرة وضعفها في إدارة الصراع مع
إسرائيل، بل زيادة التنسيق الأمني معها، حداً لم تبلغه قيادة حركة «فتح» من قبل!
وعليه، كان من المفترض أن يؤدي الوضع الكارثي الذي وصلت إليه حركة «فتح» إلى تشكل
تيار وطني عريض تقوده شخصيات تتمتع بمواصفات قيادية نوعية أقلها التاريخ الكفاحي
الوطني والنزاهة والــصدق والديمــوقراطية والتواضع وغيرها من صفات القيادة الوطنية
الناجحة الجديرة بقيادة حركة التحرر الفلسطينية وبما ينسجم مع تضحيات وكفاحية الشعب
الفلسطيني.
لكن ذلك لم يحصل. من ناحية بسبب ما قامت به إسرائيل من تصفية واعتقالات للرموز
القيادية المرشحة للعب هكذا دور. ومن ناحية ثانية بفعل سياسة التخريب الممنهج الذي
مارسته القيادة بحق هذه الحركة وكوادرها خلال فترة طويلة من الزمن.
فخلال السنوات الأخيرة من حياة ياسر عرفات تشكل تيار معارض له، رفع شعارات الإصلاح
والتغيير، ولكنها كانت شعارات حق يراد بها باطل، ولم يكن متزعمو هذا التيار في
حينها ممن تنطبق عليهم صفات القيادة التي أشرنا إليها.
وكانت دوافعهم أبعد ما تكون عن الحرص على الحركة وثوابتها وأهدافها التي انطلقت من
أجلها. ولذلك لم يتمكنوا من استقطاب جسم الحركة وقاعدتها العريضة آنذاك. فكان الفشل
حليفهم طالما كان ياسر عرفات على قيد الحياة.
التاريخ يعيد نفسه مع السيد فاروق القدومي الذي ينظر إليه على أنه المعارض الأبرز
في مواجهة القيادة المهيمنة على «فتح» وعلى رأسها أبو مازن. لكن معارضته لم تجد أي
صدى في الواقع الفلسطيني عامة والفتحاوي خاصة. وربما يفسَّر ذلك بكون الدوافع
الحقيقية لمعارضته لم تكن بعيدة عن مسألة الصراع على السلطة والنفوذ والمصالح.
فموقفه المعارض لاتفاقيات أوسلو، ودعواته الدائمة للتمسك بخيار المقاومة، لم يرها
الفتحاويون أكثر من شعارات. لذلك فإن تصريحاته الأخيرة ربما لا تكون أكثر من زوبعة
في فنجان.
والقول إنه سيكون لها تداعيات نوعية فيه مبالغة كبيرة، وينم عن قراءة سريعة لها.
فبغض النظر عن التساؤلات حول صحة ما قاله القدومي من عدمه، ولماذا تأخر قوله كل هذه
السنوات، وغيرها من الأسئلة، فإن ما قام به لم يكن مفاجئاً عموماً؟!. فخبرته
السياسية ومعرفته التاريخية والدقيقة بحركة «فتح» تجعله يدرك أن نهايته السياسية
تقترب مع اقتراب عقد مؤتمر الحركة، الذي تم ترتيبه وصياغة نتائجه بحيث يحقق ما تريد
قيادة «فتح» في رام الله وليس في أي مكان آخر. لذلك كان طبيعياً أن يرمي السيد
فاروق القدومي بجميع أوراقه إن لم نقل آخرها في هذه المعركة التي يرجح ان نهايتها
لن تكون في صالحه.
وبعيداً عن الجدل الذي أثارته وسوف تثيره تصريحاته، فإن توقيتها ودوافعها والظروف
التي جاءت في سياقها تؤكد على أن الاستعصاء في هذه الحركة بلغ حداً لم يعد فيه
بالامكان المراهنة على أي احتمال بحدوث تحولات نوعية فيها تخرجها من مأزقها وتعيد
إليها ألقها الذي تميزت به خلال فترة طويلة من عمر الحركة الوطنية الفلسطينية.