- فلسطيني مواليد يافا عام 1948.
- انضم للعمل السري الفدائي في دمشق عام 1966 حيث استقرت عائلته بعد النكبة.
- وقع في الأسر في الضفة الغربية أواخر عام 1967.
- تحرر من الأسر ضمن عملية تبادل (عملية النورس) عام 1979، وهي العملية التي تمت
بين الجبهة الشعبية – القيادة العامة، وبين العدو الإسرائيلي.
- يعمل في الصحافة والكتابة السياسية والأدب، ومن المختصين في الشؤون الإسرائيلية..
إضافة إلى عمله النضالي.
من مؤلفاته:
- مائة عام على الصهيونية.
- التناقضات اليهودية - اليهودية، والصهيونية – اليهودية.
- كلمات لرفاق الأسر والوطن/شعر
- إسرائيل في مواجهة جبريل/ترجمة
- التغلغل الصهيوني في أفريقيا/دراسة.
- له مقالات ودراسات عدة في الدوريات والصحف العربية.
- عمل رئيساً لتحرير مجلة فور وورد بالإنكليزية.
- نائب أمين فرع سوريا لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
إهداء وشكر.. إلى المجاهد أحمد جبريل
أمين عام »الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة، الذي قاد عمليتي تبادل
الأسرى »النورس» و»الجليل«، اللتين تحرر من خلالهما 1216 أسيراً من معتقلات العدو
الصهيوني
رفاق الأسْرِ أينما كانوا..
وخصوصاً إلى رفيق الأسر، إسماعيل دبج، الذي لولا تشجيعه لنا لما قُدِّر لمثل هذه
التجربة المتواضعة أن تصبح كراساَ..
مع التقدير للأستاذ صالح موسى..
مدير مركز جنين ودار المسبار، الذي تبنى إنجاز وطباعة هذه السلسلة..
تحسين..
مدخل:
إذا كانت تجربة الأسر، والبدايات في العمل الفدائي والمقاومة الفلسطينية ضد
الاحتلال الصهيوني تتعلق وترتبط بهذا المعتقل الفرد أم ذاك، وبهذه المجموعة أو تلك،
فإنها ليست ملكاً للفرد أو المجموعة، بل هي ملك للثورة والتاريخ والمرحلة النضالية
المحددة في مكانها وزمانها، وللشعب في كل مراحل حياته ووجوده ومستقبله.
ولأنها تتصف بهذه الميزة الجوهرية يستدعي الحديث عنها الالتزام بخاصتين مهمتين:
1- الموضوعية والتطرق للعام حتى حين يكون الخاص الفرد هو المقصود وهو الذي يتناول
التجربة. ففي عالم الأسر لا يظهر في معظم التجربة إلا المجموع والفريق وليس الفرد
وإن كان الفرد أساساً في هذا المجموع وجزءاً من تكوينه، وعاملاً محركاً ومتحركاً
فيه.
2- إن وحدة ظروف الأسر وأسبابه ومراحل الوجود الواحدة في معتقلات الاحتلال تنتج
شخصيات متقاربة في مشاعرها وأحاسيسها وأفعالها وردود أفعالها وبالدرجة الأولى
والأساسية تنتج شخصيات موحدة في أهدافها وإن كانت تحمل من الخارج اختلافاتها التي
يبقى بعضها ويزول بعضها الآخر. ولذلك تصبح هذه التجربة في إيجابياتها تعبيراً عن
أفعال الجميع وروح الفريق وتأثرنا ببعضنا البعض وفي بعض سلبياتها تعبيراً عن ردود
أفعال الفرد السلبية أو الرواسب التي حملها فمضت تظهر لتتطهر وتتهذب في أتون روح
الفريق التي تفرضها ظروف الاعتقال والمعتقلات.
من ذاكرة الأسر وتجربته
* لا أدري كيف يسعني عرض صورة موجزة عن ذكرى الاعتقال والأسر. بعد حرب حزيران عام
1967 واحتلال ما تبقى من فلسطين وأراضٍ عربية أخرى وأول ما تطالعني به هذه الذكرى
محطة مؤلمة تعرضت فيها للاعتقال قبل اعتقالي في فلسطين المحتلة.
فكأن ظروف تجزئة شعبنا وتجزئة الحدود المحيطة بوطننا السليب فرضت علينا ذكريات
ومحطات ما كان ينبغي أن تحدث في الظروف الطبيعية.
فلكي يصل أي فلسطيني، أي مناضل عربي يشعر بضرورة تقديم واجب ما لوطنه وأمته إلى
الأراضي المحتلة في ذلك الوقت بعد عام 1967 لابد أن يجد نفسه أمام ضرورة قطع نهر
الأردن أو قطع الحدود القائمة بين أراضي الدول العربية وأراضي الأردن. ولفلسطيني
مثلي يعيش في سوريا منذ عام 1948 درس فيها وتعلم منها ونشأ على المشاعر القومية
وتحرير فلسطين كان لابد من الدخول سراً إلى الأردن، في ذلك الوقت للعبور إلى فلسطين،
وليس من أجل الإقامة في الأردن.
كنا خمسة شبان أعضاء في جبهة التحرير الفلسطينية منذ ما قبل حرب عام 1967 وهو الاسم
الذي حملته قبل الإعلان عن وحدة وطنية نضالية تامة بينها وبين الجناح العسكري لحركة
القوميين العرب ومنظمته السياسية الفلسطينية. فمنذ شهر تشرين ثاني 1967 يوم الإعلان
عن الوحدة حملت المنظمة اسم »الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين«.
كان مسؤول هذه الدورية المؤلفة من خمسة فدائيين في ذلك العام هو محمد أبو حسان،
وكان الأعضاء هم محمود اللحام، وفواز بهيج، اللذان أصبحا في عداد الشهداء، ومحمد
عقلة، وكاتب هذه الأسطر.
وفي دمشق العروبة وقاعدة النضال قرب مدرسة معهد فلسطين في شارع الأمين حيث تعلم
الجميع منا وفي إحدى أزقته الواسعة كان الموعد الأخير للاجتماع قبل الانطلاق نحو
فلسطين.
لأسباب موضوعية انطلق الأربعة ليتابع محمد أبو حسان مسؤول الدورية بعض المسائل
وينطلق نحونا في الأردن.
أربعة كنا نعرف بعضنا منذ نعومة أظفارنا محمود اللحام أكبرنا ومحمد عقلة وأنا بعمر
واحد وفواز أصغر منا بسنة ولأننا كذلك كنا في أوج سعادتنا في الرحلة النضالية إلى
فلسطين. قدم لنا أحد المسؤولين في الجبهة بعض المصاريف النقدية التي نحتاجها في
محطة الانتقال من الأردن إلى فلسطين. وتلقى كل منا تسعة دنانير قيل أنها مصروف
شهرين وقطعة سلاح فردي وذخيرة وقنابل وصواعق، ومتفجرات.
انطلقنا نحو الكرامة حيث انتشرت مخيمات النازحين الذين هجرتهم قوات الاحتلال
الإسرائيلية من مدنهم وقراهم في الضفة الغربية وقطاع غزة.
لقد جاء بنا القدر إلى هذه المخيمات وكأنه يريد لنا أن نشهد نفس الصورة التي شهدها
آباؤنا وأمهاتنا عام 1948 ونحن رضعاً بين أذرعتهم. فنحن لا نتذكر من تلك النكبة
ومشاهدها وآلامها إلا ما تحدث لنا آباؤنا وأمهاتنا عنها. وفي الكرامة أحسسنا ونحن
نتحدث مع إخواننا وأهلنا هناك حسن استقبالنا، كان هؤلاء الأهل من شعبنا كرماء رغم
فقرهم مرحبين رغم ضيق الخيام بهم وبأطفالهم.
انطلق بنا أبو كفاح (عبد الرحمن أبو شرف) وجميعنا بثياب مدنية بالطبع وطلب من بعض
أنصاره نقل الأسلحة والمعدات والثياب العسكرية التي سنرتديها عند نهر الأردن بطريقة
خاصة إلى مزرعة في الكرامة كانت تسمى مزرعة أبو سعيد اللداوي. ومضى الليل في
المزرعة ولم نحظَ بعد بالعبور إلى فلسطين. كان القلب يزداد نبضاً مع كل ساعة تمر
لأننا سنرى فلسطين وسنتعمد عبر مرورنا بالنهر بماء النهر المقدسة، وكأننا ستطأ
أقدامنا تربة فلسطين أطهاراً لله والوطن.
ومضت ليلتان ونحن بانتظار إشارة أو وصول أحد من دمشق. ففرغ صبرنا وطلبنا من فواز
بهيج الانتقال عبر مساعدة الأنصار في مخيم الكرامة إلى دمشق سراً ومعرفة سبب تأخرنا
عن العبور.
ومضت ثلاث ليال دون أن يصلنا رد أو إشارة فألححنا على أبو كفاح أن يعبر بنا النهر
إلى الخليل فالمهمة واضحة وهناك سوف يستقبلنا أبو فداء النتشة ويعود أبو كفاح لنقل
المزيد. وافق أبو كفاح وفي تلك الليلة انطلقنا نحو منطقة أتذكر أنها قرب نهر الأردن
جنوباً ربما تدعى (المغطس) أو (دير حجلة) لا أدري فقد كان هذان الاسمان يترددان على
مسامعنا لأنهما يصلاننا بمخيم عقبة جبر قرب أريحا حيث نمر عبره أو ننام فيه نهاراً
وعند الليل يتوجه بنا أبو كفاح إلى الخليل. حملنا أسلحتنا وارتدينا ثيابنا العسكرية
وانطلق بنا أبو كفاح حتى سمعنا صوت ماء على الضفة الشرقية وهناك طلب منا أبو كفاح
الانتظار ريثما يستكشف الممر عبر النهر ويعود لنقلنا. ومرت ساعات كثيرة رغم أنها لم
تكن كثيرة سمعنا خلالها إطلاق نيران إسرائيلية من الغرب باتجاه الشرق. راودتنا
أفكار شتى منها أن أبو كفاح أصيب، استشهد أو نجا لكننا واصلنا الانتظار حتى الفجر.
وأشرقت الشمس فانتقلنا شرقاً عائدين لوحدنا دون أن نعرف ماذا حدث مع أبو كفاح ولا
الدرب الذي يعيدنا إلى مزرعة الكرامة حيث كنا.
في الدرب صادفنا موقع للجيش الأردني فحاولنا الابتعاد عنه لأننا كنا نرتدي ثياباً
عسكرية وخشينا أن يعتقلوننا وتعيدنا السلطات الأردنية إلى دمشق دون أن نرى فلسطين
ونقدم شيئاً لقضيتنا داخلها. لكن أفراد الموقع أشاروا لنا بالتقدم نحوهم وهتف أحدهم
لطمأنتنا فلم نجد مناصاً من الالتقاء بهم قرب موقعهم.
كانوا فلسطينيين بعضهم من منطقة الخليل عانقونا وتبادلوا معنا طلقات نارية لأنهم
أعجبوا بأسلحتنا الفردية التي كان من بينها رشاش صغير يسمى (ماو) وكلاشينكوف. قدموا
لنا الماء والطعام، وانطلقنا بعدها.. وحين وصلنا إلى مزرعة أبو سعيد اللداوي أخفينا
أسلحتنا فيها وكنا ثلاثة محمود اللحام، ومحمد عقلة وأنا فطلب محمود اللحام مني وهو
أكبر سناً التوجه نحو إربد والالتقاء هناك بأحد الأنصار الذين استضافونا فيها ليلة
قدومنا من الحدود السورية.
وانطلقت عائداً إلى إربد حتى قادني أحد الأنصار في إربد إلى منزل سري وجدت فيه أبو
عرب سلامة مع دورية كثيرة الأفراد أعرف معظمهم وخصوصاً صائب سويد زميل الحي
والدراسة في شارع الأمين ومعهد فلسطين وخليل الصنجي وتعرفت على أبو جابر (محمد جابر
شتا) نائب أبو عرب في قيادة هذه المجموعة. أطلعت أبو عرب على ما حدث وطلب مني
المكوث حتى الصباح والانطلاق مع خليل الصنجي عند الصباح عائداً إلى المزرعة في
الكرامة تمهيداً لوصول الجميع وعبور النهر إلى فلسطين. في تلك الليلة جاء (حفظي
قاسم) الذي كان من بين الكوادر المسؤولة عن ترتيب الدوريات ونقلها هناك مع ابن عمه
أبو الوليد. قررنا حفظي وأنا وداع الدنيا بحضور فيلم في سينما في إربد ربما تدعى (دنيا)
لا أدري بالضبط لكنني مازلت أذكر الفيلم الذي حضرناه معاً وهو فيلم بالصدفة تماماً
كان »من أجل حفنة من الدولارات« للمثل كلين إيستوود، كل ما فيه إطلاق نيران من
المسدسات من أفلام »رعاة البقر« القديمة. وكانت هذه آخر ذكرى لي مع (حفظي) الذي
أصبح من الصف الأول من القادة العسكريين في الجبهة وساحة النضال الفلسطينية واستشهد
في السبعينات.
وفي الصباح انتقلت مع خليل الصنجي نحو الكرامة من إربد مستقلين باصاً يضعنا في
الكرامة. وفي الطريق قبيل الكرامة توقف الباص أمام حاجز أمن أردني وصعد إلى الباص
رجال شرطة أردنية طلبوا من الركاب إبراز بطاقات هويتهم. أسقط في يدنا أنا وخليل
لأننا لا نستطيع تقديم بطاقة هوية فقادنا رجال الأمن إلى دائرة البلقاء إلى مركز
الأمن العام في السلط. وهناك لم يجد خليل مناصاً من إبراز بطاقة هويته التي يحملها
وتدل على أنه فلسطيني من سوريا أما أنا فلا هوية معي لأنني كنت قد أعطيتها للحاج
حافظ في إربد عند وصولي من سوريا إليها لإعادتها مع رسالة إلى أمي هي رسالة وداع
أخيرة أقول فيها أنني ذاهب إلى فلسطين فدائياً وقد أعود ولا أعود وأطلب فيها الصفح
لأنني لم أبلغ أحداً. قررت منذ اللحظة التي أوقفني فيها رجال الأمن التمسك بصيغة
أنني من الضفة الغربية وتركت أوراقي الثبوتية فيها وأنني أعيش لدى عائلة خالي والد
أبو كفاح أبو شرف في مخيم »سوف« للنازحين. كنت في تلك اللحظة ارتجف من داخلي عند
التفكير بإمكانية إعادتي على يد السلطات الأردنية إلى سوريا وحرماني من فرصة عبور
النهر إلى فلسطين.
كانت تلوح لي هذه الإعادة إلى الحدود نوعاً من الفشل وخيبة الأمل. وبدأت أتساءل كيف
سيكون موقفي أمام الرسالة التي كتبتها وقلت فيها أنني لفلسطين ذاهب وقد لا أعود
أبداً!؟..
لم يهتم رجال الأمن بما قلته لهم وعاملوني بلطف ومودة شديدة معلنين لي أن قسم الأمن
في دائرة البلقاء سيتولى الأمر وأن مهمتهم تقتصر على تسليمي لرجال الأمن في مركز
السلط. بل وسمحوا لي بالتحدث مع خليل، واتفقنا خليل وأنا أن ننفي أي معرفة للواحد
منا بالآخر لكي لا تنشأ العراقيل لخطتي هذه. وفي مركز التحقيق في سجن السلط
استجوبني رجال بثياب مدنية فكررت قصتي متحدثاً بلهجة تداخلت فيها اللهجة الشامية عن
أنني من الخليل من مخيم العروب والدي ميت وأمي وليس لي أشقاء وترعرعت لدى أخوالي (عائلة
أبو شرف) الموجودين في مخيم (سوف) وهم سوف يتعرفون عليّ. وطلبت لإبراز المزيد من
الصحة في أقوالي إحضارهم تأكيداً لما أقول. لكن المحققين لاحظوا وجود اللهجة
الشامية غير الخليلية أو غير الفلسطينية التامة في حديثي فقال رئيسهم: »لا يوجد في
كل الخليل ومخيم العروب عائلة الحلبي هذا أولاً. ثانياً لا يوجد في تلك المنطقة أو
من عاش فيها من يقول بدلاً من »هاهو مخيم الكرامة أو مخيم سوف« عبارة (ليكو) التي
تنطقها بلسانك«. وأضاف قائلاً: »أنت قد جئت تسللاً من الحدود السورية، وربما كنت
فدائياً، ونحن لا نفعل شيئاً سوى إعادتك إلى الحدود السورية، وتسليمك للسلطات هناك،
فاعترف بذلك وينتهي الأمر«.
ورغم كل هذه الدلائل الواضحة عند رجال الأمن الأردنيين بقيت مصراً على أقوالي وقضيت
ثلاثة أيام في سجن السلط مفضلاً العزلة عن بقية السجناء والمعتقلين فيه كي لا أكتشف
من لهجتي وأثير غرابة واهتماماً. ومضت ربما ليلتان أخريان وطلبني رئيس التحقيق
قائلاً لي: »سنسير وراء الكذاب حتى الباب سيقلك هذا الشرطي إلى الكرامة ويسلمك إلى
مخفر شرطة الكرامة الذي سيتولى التدقيق في أقوالك وسوف يحضر عائلة أبو شرف فإن لم
تكن قصتك حقيقية ستعاقب بالسجن ثم سيتم تسفيرك إلى سوريا هذا ما أنا واثق منه«.
وصلنا عند المساء وسلمني إلى المخفر في الكرامة وعند ذلك شعرت بالارتياح فسجن السلط
كان معتقلاً أمام هذه الغرفة العادية التي وضعني بها الرقيب المناوب في المخفر.
سارعت في ذلك المساء إلى استدعاء شرطي طلبت منه مقابل دينار رفض تناوله أن يطلب من
شخص أردني يعمل في مخرطة (الغلاييني) في الكرامة ويدعى (العبادي) ولا أعرف غير ذلك
الاسم الحضور إلي في المخفر لزيارتي.
فتبين أن الشرطي وكل شرطة المخفر تعرف العبادي ومخرطة الغلاييني. وكنت قد تعرفت
بوجود محمود اللحام ومحمد عقلة على أبو محمد الغلاييني أثناء وجودنا في (مزرعة
اللداوي) بل وفي مزرعة أبو محمد الغلاييني نفسه الرجل الفلسطيني من (يافا) مسقط
رأسي الذي استقبلنا وعرف أننا فدائيون نريد العبور إلى فلسطين وأغدق علينا طعاماً
ورعاية أبوية صادقة. وكان العبادي الرجل الشاب الكريم الطيب وهو من السلط يعمل لدى
الغلاييني في المخرطة وتعرفنا عليه أثناء وجودنا في الكرامة متنقلين بين المزرعة
وبلدة الكرامة ومخيم النازحين. وبعد نصف ساعة جاء الشرطي عائداً بالعبادي فطرت من
الفرح حين استقبلني بشوشاً مطمئناً وقال لي »علمنا أنك اختفيت ولم نكن ندر شيئاً
عنك والآن ها أنت بخير فلا تخف ستخرج من هذا المخفر وتذهب حيث شئت.« لم أصدق ما
أسمع فقلت: »ولكن أرجوك أن تذهب وتسأل عن عائلة أبو شرف لكي تنطبق أقوالهم مع
أقوالي وأخرج وإلا فسوف يعيدونني إلى سوريا.« فأجاب ضاحكاً مطمئناً: »لن أذهب لأبحث
عما تريد بل سآتيك بأبو محمد الغلاييني ومعه قائد المخفر الرئيس (نواف) (كانت رتبة
رئيس تعني نقيب) نفسه لكي يطلب أبو محمد إطلاق سراحك فلا تخف من الإعادة إلى سوريا.«.
غادر العبادي بعد أن ترك لي علبة سجائر أدخنها وسألني إن كنت بحاجة إلى نقود. لم
أستطع في تلك الساعة بسبب العناء النفسي والجسدي الشعور بالارتياح والنوم. بقيت
قلقاً منذ الساعة السابعة مساءاً حتى الحادية عشر ليلاً رغم الثقة التي ولدها
العبادي.
ففي تلك الساعة جاء أبو محمد الغلاييني بصحبة قائد المخفر (نواف) حقاً.. ضحك أبو
محمد الرائع وقال: »ستخرج الآن ونواف يقدرك وسيطلق سراحك علك تذهب حيث تشاء«. وبعد
ساعة تقريباً أصبحت حراً وبدأ (العبادي) يعانقني وأبو محمد يربت على كتفي كأب حنون
حيث استقبلني محمود اللحام ومحمد عقلة خارج المخفر لأن أبو محمد العبادي أحضرهما
لاصطحابي وإطلاعي على الاتجاه الجديد إلى رام الله هذه المرة وليس إلى الخليل.
لم أستطع النوم في تلك الليلة من شدة فرحي فلقد انتصرت هكذا كان شعوري وسوف أقطع
النهر إلى فلسطين مثل اللحام ومحمد عقلة وفي اليوم التالي ليلاً فوجئت بحضور أحمد
جبريل، الأمين العام، نفسه، حيث نقلني إليه بعض الكوادر سراً ربما في أحد المخيمات
فاستقبلني وعانقني قائلاً: »حدثني كيف خرجت.. لقد ذكر لي رفاقك اللحام والعقلة عما
حدث وانتقالك إلى مخفر الكرامة« فسردت عليه كل ما حصل وهنأني على ما فعلت وعرفني
على (أبو أنور) أحد القادة العسكريين إلى جانب أبو عرب وأن مهمتي أصبحت رام الله
وربما في هذه الليلة ستنطلق مجموعة للنهر والعبور. شعرت بالارتياح الداخلي الكبير،
فها أنذا يطمئن الأمين العام عني وسأنطلق نحو العبور. علمت أثناء ذلك أن مجموعتين
من رجالنا دخلتا سراً الأردن واعتقل أفرادهما وأعيدوا إلى سوريا ومنهم علي اسحاق.
وفي الليلة التالية نقلنا أنصار إلى مكان قرب الضفة الشرقية للنهر لا أعرف موقعه
بالضبط لكنه أقرب مقطع يقودنا إلى قرى رام الله مثل رامون والطيبة.
عند النهر وجدت في تلك الليلة الكثير من الرجال مدنيين وعسكريين والدورية الكاملة
التي كان يقودها أبو عرب والتي أصبحت جزء منها مع اللحام والعقلة وصائب سويد وأبو
جابر وحسام بامية وكامل ناصر ممن أعرفهم جميعاً من دمشق. كان من المقرر أن يعبر
النهر في ذلك اليوم من شهر تشرين أول ما يزيد على عشرين فدائياً وكادراً عسكرياً
منهم (أبو أنور) عبد الله العجرمي، وعلي العواودة من الضباط السابقين في جيش
التحرير في غزة ومن كوادر حركة القوميين العرب. من المدنيين الذين كانوا في وداعنا
تيسير قبعة والذي قال لنا أنه سيلحق بنا فوراً وسوف نلتقي في فلسطين. أعددت نفسي
فرحاً بثيابي العسكرية وسلاحي الفردي وبعض قنابل يدوية وصواعق وبعض متفجرات. ومازلت
أذكر كيف احترت كثيراً في وضع مجموعة الصواعق فقد كنت أرتدي معطفاً عسكرياً يطلق
عليه اسم »فيلد« وله جيبان في الصدر وضعت الصواعق فيهما أولاً لكي لا يتبللان بمياه
نهر الأردن عند اجتيازي له بكامل الثياب ثم بعد اجتيازي النهر قررت نقلهما خشية
وقوعي على صدري بين الصخور التي كنا نمر فوقها فتنفجر فأصاب وتتعرقل حركتي إن لم
أمت. وفي النهاية وضعت الصواعق في الجعبة في مأمن وانطلقت ساخراً من نفسي فرحاً
لأنني وطأت أرض فلسطين أخيراً.
الأسر على أيدي قوات الاحتلال:
لا شك أن تذكر لحظة الاعتقال أو الأسر على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلية الآن
وبعد مرور ما يزيد على ثلاثين عاماً تظل خاصة عزيزة بدقائقها وتفاصيلها الكثيرة
وعالقة في الذاكرة كأنها تلوح الآن شريطاً متسارعاً جداً يحفل بالصور والهواجس
المصيرية والأفكار تتلوها تجربة الحياة والنضال داخل المعتقل.
في الضفة الغربية المحتلة وتحديداً في منطقة رام الله والبيرة كانت الساحة التي
نتحرك فيها في ظل قيادة أبو عرب (إبراهيم سلامة) الذي تطلبت المسائل التنظيمية
القتالية والإعدادات التمهيدية أن يكون في رام الله أو البيرة إلى جانب عدد من
القيادات العسكرية والسياسية من حركة القوميين العرب سابقاً ومن كوادر الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين الاسم الموحد الذي جمع بين جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة
الأمين العام أحمد جبريل وبين المجموعات العسكرية والتنظيمية الفلسطينية والجناح
العسكري لحركة القوميين العرب بقيادة جورج حبش.
انتقلنا إلى الجبل قرب قرية (بيت عور الفوقا) وكنا مجموعة مؤلفة من أبو عرب وأبو
جابر وحسام بامية ومحمود اللحام وكامل ناصر وصائب سويد ومحمد عقلة وأنا وانضم إلينا
رفاق آخرون هم فايز عاقلة أحد كوادر جيش التحرير الفلسطيني في العراق سابقاً وجميل
سمارة شقيق عادل سمارة من قرية بيت عور الفوقا وابراهيم النجار من مخيم الأمعري
وأصبح أبو جابر في الجبل في أحد المواقع السرية هناك قائدنا المباشر في حين أصبح
أبو عرب من القيادة المشتركة بيننا وبين كوادر حركة القوميين العرب سابقاً في
البيرة أو رام الله.
وفي بيت أعد لنا لوحدنا اجتمعنا بعد ساعات لننعم بنوم طويل بانتظار التحرك نحو
الجبل وتنفيذ ما يطلب منا. وبعد وقت لم يطل انتقلنا ليلاً مع الدليل الجديد (جمعة
أبو الفارعة) من قرية »بيت دقو« قرب القدس ورام الله لنسير ليلاً بين تلال وجبال
رام الله ورافات وقرب القدس وقلنديا باتجاه وادي قيل أنه وادي سليمان. كان شهر
رمضان المبارك قد أطل في ذلك الوقت من نهاية شهر تشرين ثاني وبداية كانون أول عام
1967 كنا صائمين نكمن نهاراً في مغارة ونسير ليلاً بين التلال بكامل أسلحتنا
ودخاننا »اللف«. وحين اقتربنا من القدس وشاهدنا أضواء تدل على المسجد الأقصى وقبة
الصخرة ركعنا وسجدنا في ذلك الجبل وكأننا نحج إليها أو حولها بلهفة وشعور عظيم
بالطمأنينة والارتياح.
هذا ما قاله كل منا للآخر حين انعطفنا من هناك على التلال دون أن يلحظنا أحد في
الليل.
كنا جميعاً نعرف أننا لا يفصلنا عن الموت ونحن ندور في هذه الجبال وبين المغارات
شيئاً ففي كل لحظة يمكن أن يكشفنا العدو دون معرفتنا ويباغتنا في ظرف تكون له فيه
الغلبة والمفاجئة. ولعل هذا كان أكثر ما نخشاه فالمفاجأة هي سلاحنا الأساسي والأول
في كفة ميزان القوى فإن خسرناها فقدنا الكثير من سهولة القتال وإيقاع الخسائر
البشرية في العدو خصوصاً وأنها تجاربنا الأولى في أي مواجهة مع قوات الاحتلال. في
عمليات التنقل تلك كنا قد وزعنا بعض قنابل ومتفجرات وصواعق حملناها لعدد من الأنصار
والكوادر المحلية داخل قرى رام الله وتحت تصرف ومعرفة قياداتها المحلية العسكرية أو
السياسية.
وكانت هذه الكوادر الفعالة المحلية ذات التجربة السياسية في حركة القوميين العرب
مثل بشير الخيري وعادل سمارة وساجي سلامة خليل وأحمد دخيل الجمل هي التي توفر لنا
الطعام والترتيبات التنظيمية في تحركنا بل أعدت لنا إمكانية الحصول على بطاقات هوية
محلية لكي تتوفر من خلالها سهولة حركتنا ونضالنا اليومي. ولا شك أن هذه الكوادر
كانت تتعرض للأخطار على غرارنا وإن كنا نعيش في الوديان والجبال، ونسير ليلاً
ويزداد شعورنا بالحرية أثناءه ونبيت بعد أن نفعل ما نشاء ليلاً وكيفما نشاء في
المغارات التاريخية حين يداهمنا النهار.
مرت بضعة أسابيع ونحن في ذلك الحال. وليس ما يدعو الآن ونحن نتحدث عن تجربة
الاعتقال وبداياته إلى الحديث عن تفاصيل تلك الأسابيع في أرض فلسطين أو في جزء منها
في الضفة الغربية وتحديداً في منطقة رام الله والبيرة وبيتونيا ودير عنان، وبيت عور
الفوقا.. لكنني سأبدأ من لحظة اعتقالنا أو أسرنا في أحد جبال ومغارات تلال بيت عور
الفوقا التي كانت آخر ما قدر لنا من لحظات في مواقع الحرية والنضال.
في 11/12/1967 كانت مجموعة منا قد توجهت لتنفيذ عملية أطلق عليها اسم »عملية مطار
اللد« التي تقرر فيها تنفيذ عملية مسلحة في الجناح العسكري لمطار اللد الذي اصبح
الآن يدعى مطار (بن غوريون). قاد أبو جابر المجموعة وكان الاتفاق بين الجميع
الالتقاء في نقطة (ازدلاف) التقاء في قمة جبل عند (مغارة) مررنا جميعاً بها وجلسنا
فيها سابقاً. وفي الليلة التالية وبعد مرور (24) ساعة على ما واجهته مجموعة أبو
جابر في اشتباك قبل وصولها لموقع المطار، التأم شمل الجميع في تلك المغارة.. أبو
جابر جريحاً في صدره وصائب سويد لم يحضر وأشار من كان قربه إلى إصابته واستشهاده في
أغلب الاحتمالات.
ونقل أبو جابر إلى رام الله لتلقي العلاج وإخراج الرصاصة من صدره. وبقي الجميع في
الثالث عشر من شهر كانون أول 1967 في تلك المغارة يتابع أنباء الراديو الإسرائيلي
الذي أعلن أن جنديين قتلا وأصيب سبعة بجراح في اشتباك مع »الفدائيين« داخل أراضي
فلسطين منذ عام 1948.
كان من المفترض في ذلك الموقع أن يكون مؤقتاً لأن شروطه الداخلية والخارجية صعبة
علينا ولا توفر هامش مناورة واختفاء على مستوى جيد أو حسن. كانت المغارة تشبه القبر
حقاً، صغيرة لا يمكن الوقوف بها دون انحناء.
كنا متعبين جميعاً منهكين تزدحم هواجس شتى في مخيلاتنا في الليلة التالية عشية
الرابع عشر من كانون أول 1967. وكان الوقت يمر ثقيلاً بطيئاً رغم الشعور الداخلي
بالرضاء عن النفس وبالتوافق مع ما وقع. لكن قوات الاحتلال كانت منذ ثلاثة أيام وهي
تفتش في كل بقعة وتتابع كل أثر لمن نجح في النجاة من ذلك الاشتباك وتعتقل السكان
المحليين وتستجوب الجميع دون جدوى. كان هذا الأمر طبيعياً في تلك الظروف وكنا نحن
ندرك إلى حد لا بأس به هذا الأمر ومضاعفاته واحتمال وصول قوات الاحتلال إلى مرحلة
تحديد المنطقة التي نكون فيها. لذلك كنا نتحسس رغبة الجميع بالانتشار في منطقة أبعد
أو أكثر أمناً.
وفي النهاية جاء القدر بقوات الاحتلال فجر الخامس عشر من كانون الأول ومع آخر عتمة
الليل وبداية انشقاق الضوء الباهت انهال جحيم من القصف والنيران وأصوات المروحيات
فوق المغارة وفوق رؤوسنا من فوهتها ومن أحد جوانبها الخلفية المتصدعة. لا أحد يدري
أو يستطيع استذكار كيف انهالت تلك الحمم علينا ونحن في ذلك المكان. كانت دماء بعضنا
تسيل فنتحسسها بأناملنا دافئة وكان بعضنا يطلق أنيناً يتوقف عنه ثم يعود ثم يصمت.
هكذا استشهد إبراهيم النجار وكامل ناصر معاً. أما جراحنا فكانت الشظية تجعلنا نشعر
أنها جراح كبيرة رغم أنها كانت متوسطة كما تبين فيما بعد.
كانت نيراننا وبعض قنابلنا المتبقية التي قذف بها بعضنا إعلاناً بأننا أحياء هكذا
كان شعورنا عندما نسمع أصواتها. وحين نهدأ ويهدأ جحيم نيران قوات العدو تتسلل
البرودة إلى جراحنا فنشعر باقتراب الموت. محاصرون نحن من كل جانب إلا من أرواحنا،
والنيران تحيط بكل جانب من المغارة والنهار الذي لا يعد من أصدقائنا في تلك الظروف
يكشف كل شيء لرتل كبير من قوات العدو. وحين مضت ساعات لا يستطيع أي منا معرفتها لأن
الوقت هنا لا يتوقف فحسب بل لا يمكن الشعور به مطلقاً كما تبين لنا جميعاً، عادت
النيران أكثر صخباً وتركيزاً بعد انهيار فتحة من بوابة المغارة. كاد وعينا يغيب
وظهر في رأسي شريط يستحيل قياس سرعته، منذ طفولتي في العاشرة حتى لحظة الوداع
الأخيرة هذه – صور مرت – أبي المتوفي أمي المسكينة إخوتي أخواتي والرفاق والجيران
والأصدقاء كلمح البصر. لكنني كنت أميز الجميع وأعرف الجميع. كنت مصاباً برأسي وكتفي
وساقي من شظايا القذائف.
ولم يتحسس بعضنا وعيه نسبياً إلا ونحن في عربة مسلحة حديدية من كل جانب وجراح تنزف.
وتحسس بعضنا الآخر وعيه داخل زنزانة صغيرة تحيط به عبر قضبانها الحديدية أعين غاضبة
مستفزة. هكذا بدأت اللحظات الأولى للأسر في عام 1967.
حل المساء مبكراً سريعاً غريباً في ذلك اليوم البارد من أيام كانون أول في سجن رام
الله المركزي. كان التحقيق والاستجواب سريعاً عنيفاً بلهجة متسارعة وضرب لا يقل
سرعة دون تمييز على الجسم وخصوصاً على الجراح التي بقيت عارية إلا من دم تخثر فوقها
مختلطاً بتراب المغارة الذي حملناه معاً حتى في ذلك المعتقل.
لم يقدم لنا أحد ضماداً أو إسعافات عرفنا فيما بعد أن القصد لم يكن إماتتنا دون
علاج بل الإسراع في استغلال ظرف وجود الجراح للتهديد بها وبالضرب فوقها من أجل
الإجابة على أسئلة مثل: أين بقية المجموعات؟ أين وضعتم أسلحة وأخفيتم ذخائر وقنابل؟
من دربتم من سكان القرى؟ من قدم لكم الطعام؟ من أين جئتم؟ من قادكم إلى هذا المكان؟..
كانوا يريدون معرفة كل المعلومات بلحظات بهدف عرقلة فرار أو اختفاء أو ما يمكن أن
يقوم به أي رفيق مسلح ومناضل نعرفه.
كان الجميع يدرك ما يسعى إليه المحققون وإن كنا نتعرض للاستجواب فرداً فرداً وبشكل
منفصل عن الآخر لكن بلا جدوى. فمع الجراح والظرف الحار الساخن الصعب الذي كنا في
وسطه أدرك معظمنا أنه ميت لا محال ولا وجود لأمل الاستمرار بالحياة بعد ما حصل. بل
وكان من الأسهل نسبياً علينا في هذا اليوم الأول تجسيد نوع من الصمود خصوصاً وأن
غريزة البقاء التي يحملها كل إنسان لم تتفاعل بكل قوتها في تلك اللحظات الأولى
بالذات.
فحين تحيط بالمرء دفعة واحدة مجموعة من المصائب أو الآلام يقل وقع وتأثير ألم جديد
وجرح جديد. هكذا كان الوضع النفسي والمعنوي والجسدي لكل فرد منا. فالظروف والخلفية
واحدة والألم واحد ومهما زاد لن يدفع إلى الانهيار.
ومرت أيام تخلل اليوم الثاني فيها إحضار ممرض ومعه ضمادات فردية عسكرية أحاط جراحنا
بها والمحقق فوق رأسنا يسعى للابتزاز ويريد معلومات فورية للأغراض المستعجلة مقابل
توفير المزيد من العلاج ومداواة الجراح الجسدية. ورغم أن معظمنا وأنا واحد منهم لم
يكن يحمل ذلك القدر الكبير من الوعي السياسي الناجم عن مثل هذه التجربة الأولى أو
الذي يفيد في مثل هذه التجربة إلا أن ما كان يخزنه كل واحد منا من تجربة طازجة
نضالية، في الجبهة، وبكل ما تعنيه، ومن تجربة شخصية ذاتية يمكن أن نطلق عليها صفة
الوعي الذاتي المتراكم من قيم الوفاء و»النخوة«.. وما يتربع فينا من قيم دينية،
ترفض الانهيار، وتدعو إلى الإيمان بالأمل والنجاح والنجاة، شكل زوادة استنهضت فينا
الصمود.
ويمكن القول أنه بفضل ذلك المخزون وما يضاف إليه من انتماء تنظيمي لمنظمة يعتز بها
كل منا وبشعاراتها وعدالة هدفها خصوصاً وأننا نسمى داخلها »فدائيين« وفي هذه
التسمية ما يدفع إلى التضحية تمكن كل فرد منا من التعامل مع أول تجربة تحقيق
يواجهها بقدر مناسب من النجاح والشعور بالرضى والارتياح المعنوي والوطني والتنظيمي.
كان الشعور الذي انتابنا منذ اللحظات الأولى للاعتقال وقد ناقشناه وتعرضنا له بعد
أشهر مرت على فترة التحقيق والاستجواب والعزل حين توفرت فرصة اجتماعنا معاً في غرفة
سجن واحدة هو أن الاستشهاد كان ينبغي أن يكون نتيجة ذلك الاشتباك مع العدو عندما لا
ننجح في تجنب تلك المعركة، وليس الأسر مهما كانت جراحنا وظروفنا في ذلك الوقت.
كان هذا الهاجس يتردد علينا بين فترة وأخرى خصوصاً حين يكون كل منا في زنزانة
منفردة تدفعه العزلة فيها إلى الغوص في أعماقه والتفكير بما هو مقبل مجهول بتفاصيله
ومدرك بعنوانه العريض. ولعل هذا الهاجس كان من العوامل التي لعبت دوراً مهماً أيضاً
إلى جانب عوامل أخرى في استفزاز الرغبة بالتحدي أثناء التحقيق تعويضاً عن الشعور
بالأسف لعدم تلبية ما تتطلبه المثالية الثورية من شعور بضرورة الاستشهاد.
كانت هذه الظاهرة قائمة وتعبر عن نفسها بهذه النسبة أو تلك، وبحسب المفردات الذاتية
للفرد وطريقة حواره مع نفسه. ففي زنزانة سجن رام الله وخصوصاً أثناء التحقيق وما
يرافقه من ضغوط التعذيب الجسدي والنفسي كان المحققون الإسرائيليون يريدون منا إعطاء
معلومات عن بقية رفاق يعملون مثلنا داخل الأرض المحتلة ممن شاهدنا، وعرفناه وارتبط
أو ارتبطنا به خلال ذلك الشهر من وجودنا داخل المنطقة، وعما فعلناه أثناءه ضد قوات
الاحتلال.
وإذا جاز لي التحدث عما شعرت به بهذا الصدد، فهنا تماماً كانت ترتسم في مخيلتي صور
بعض الرفاق المحليين، وبعض من عرفت وعرفني مع أطفالهم، فأدرك أثناء التحقيق
والتعذيب المرافق له، أن صمودي وتمسكي بعدم معرفة أحد هو بمثابة إبقاء هؤلاء أحياء
أحراراً. ويتعاظم التحدي الداخلي أمام كتمان من عرفت وما أعرف كلما شعرت أنني ذو
جدوى وأن جدواي هذه تنبع من صمودي أمام المحقق. كان وقع الألم يقل نسبياً لأن
الضربة الموجهة إلى جسدي ترتد أمام شعوري باستمرار وجود من عرفت أحراراً في الخارج.
هكذا كانت المعادلة نسبياً، وبهذا الشكل أم ذاك، عند كل من واجه مثل هذا الظرف
المشابه لظرفي. كان الفرد وحده هنا صاحب الخيار بين الانهيار والرضوخ لرغبة
المحققين، وبين الصمود باستنهاض كل هذه التراكمات ومشاعرها بكل ما تجمعه من قوة
ذاتية يوظفها المرء في أحلك الظروف. ومرت التجربة من هذا المنطلق وطبيعته ثقيلة
مرهقة تتخللها الأوجاع عند برودة المواقع التي كانت تتعرض للضرب والتعذيب في الجسد
ويلطف منها كثيراً شعور المرء بالرضاء عن نفسه ومنها.
ولقد كان جوهر هذا الشعور قاسماً مشتركاً لدى جميع الرفاق بهذا الشكل أم ذاك وإن
اختلفت التفاصيل وطرق التحقيق وشدة وسائل التعذيب وأوقاتها.
بعد فترة التحقيق هذه واجتماع معظم أفراد المجموعة داخل غرفة السجن المشتركة بعيداً
عن الزنازين الانفرادية وشبه الانفرادية تحقق لقاؤنا في غرفة داخل سجن رام الله
تتسع لعشرة أو عشرين أو ثلاثين بحسب موجة الاعتقالات التي كانت تنفذها قوات
الاحتلال، رغم أن الغرفة لا تتسع لأكثر من عشرة أو خمسة عشر.
ومع هذا الظرف الجديد وبرودة الجراح ومضاعفات التحقيق ارتسمت أمامنا دونما خطة
مسبقة مهام أدركنا ضرورتها. فنحن في سجن رام الله الذي يتسع لمئة أو مئتي سجين إن
لم يكن أقل وفي غرفه الأربعة أو الستة تقريباً نعتبر من أوائل الدوريات المسلحة
الفدائية، وأمامنا أفراد من شعبنا يعتقلون لأنهم يقاومون الاحتلال بطريقتهم فيزجون
بالسجن لإرهابهم وتفتيت معنوياتهم، ولابد من القيام بالتفاعل فيما بيننا وبينهم في
هذه المحطة التي تجمعنا طوال الليل والنهار.
هكذا كانت بداية تحسسنا للمهام الأولى أثناء وجودنا داخل السجن لم نكن نتصورها
مسبقاً ولكنها فرضت نفسها من خلال الواقع الذي عشناه وأدركناه داخل السجن إنه
الواقع وانعكاسه وتأثيراته على وعي طموح. ومازلت أذكر كيف بدأنا نتفاعل تجاه هذه
الشرائح المناضلة التي اعتقلت وسوف تخرج من المعتقل بعد سنة أو اثنتين، شهر أو أكثر
بخلافنا نحن الذين سنبقى سنوات طويلة وقد نخرج أو لا نخرج، وتجاه إعداد أنفسنا
وزيادة إطلاعاتنا ومعارفنا الفكرية والسياسية واستيعاب ما يواجهنا من تجارب جديدة.
كان الأكبر منا سناً والأوفر تجربة يطلع الآخر عما يجهله وهكذا كانت نواة مدرسة
الوعي داخل معتقلات إسرائيل مع الأشهر الأولى من عام 1968. وقد دفعنا هذا إلى
الحفاظ على الكتب، رغم محدوديتها عدداً ونوعاً، وكانت الورقة والقلم كنزاً إن توفرا
وحوفظ عليهما سراً في تلك البدايات. وبعد وقت قصير اضطرت إدارة المعتقل إلى السماح
بوجود قلم وأوراق لكتابة الرسائل التي نرسلها عبر الصليب الأحمر الدولي إلى أهلنا
في الخارج فأصبح القلم حالة خاصة بين أيدينا.
وما زلت أذكر كيف حاولت مرة ترجمة نبأ عثرت على قصاصته من صحيفة ممزقة هي »جيروزلم
بوست« الإسرائيلية الصادرة باللغة الإنكليزية واستعنت بالرفيق المعتقل أسعد عبد
الرحمن طالباً منه تزويدي بمعاني الكلمات بالعربية لعدم توفر قاموس بالطبع.
ومن بدايات رام الله التي وجدنا في سجنها ديوان شعر لسميح القاسم بعنوان »دمي على
كفي« وأصبحنا نحفظه عن ظهر قلب ونتلو قصائد ومقاطع منه بين بعضنا البعض انتقلنا إلى
سجن نابلس الذي حملونا إليه بعد صدور الأحكام بالسجن على كل منا. بعضنا حمل مؤبداً
أو مؤبدين أو ثلاث وآخر حمل عشرين سنة ومعها عشرين أخرى وآخر خمسة عشر ومعها خمسة
عشر أخرى وأخرى.. لم تكن تعني هذه الأحكام لنا شيئاً بعد مرور عام على وجودنا في
المعتقل ولم نكن نكترث بعددها أو اختلاف عددها بين بعضنا البعض لأننا جميعاً كنا
مدركين أننا في أحسن الأحوال لن نقضي منها إلا القليل وسوف نتحرر من خلال دور لا بد
أن تقوم به الثورة الفلسطينية، وأننا في أسوأ الأحوال لن نمضيها كلها في هذه
المعتقلات.
وفي سجن نابلس الكبير وغرفه الرحبة الواسعة التي تستوعب أربعين وخمسين أحياناً من
المعتقلين أصبحنا ضمن سجن مركزي وليس فرعياً على غرار رام الله.
ومنذ الأيام الأولى التي قضيناها في غرفة تضم (40) معتقلاً ممن ينتمون إلى كافة
التنظيمات الفلسطينية التي كانت تعمل على الساحة أدركنا أن الحياة هنا توفر الكثير
من مصادر المعرفة والحوار السياسي. كان كل حديث يجري عندما تعرفنا على الآخرين
وتعارفوا علينا يتعلق بالسياسة. عرفنا هناك أبو علي شاهين الذي كان في نفس غرفتنا
وكان يعد من المسؤولين عن معتقلي حركة فتح في الغرفة وعرفنا أحد أعضاء الحزب السوري
القومي واسمه (عدي الزغيبي). وأذهلتنا ثقافته واطلاعاته السياسية فقد كان رجلاً في
الأربعينات أو الخمسينات ونحن في العشرين. ولاحظنا أن الحياة السياسية داخل هذه
الغرفة متنوعة فثمة من كان جبهة شعبية مثلنا في ذلك الوقت، ومن كان من حركة فتح،
ومن كان غير منتم لأي منظمة، ومن كان بعثياً أو شيوعياً وسورياً قومياً ونحن لا
نكاد نحسن تماماً إدراك أو عرض الاختلاف بين الجميع بعد.
اهتم بنا الجميع وقدموا لنا بصفتنا النزلاء الجدد في معتقل نابلس ومن فلسطينيي
سوريا ما نحتاجه من دخان أو بعض ثياب بروح رفاق المعتقل. ويوماً تلو آخر بدأت
الملامح الأولى لتشكل التيارات الفكرية والسياسية والتنظيمية تشق الطريق في مظاهرها
الأولى بين المعتقلين بشتى انتماءاتهم التنظيمية أو الفكرية رغم أن معظم أفراد
السجن كانوا من المناضلين والمقاتلين الذين يجهلون الكثير من الاختلافات الطبيعية
بينهم، حتى لو كانت تنظيمية. فقد كانت الروح الوطنية الواحدة تحيط بالجميع ولا تضع
أي حاجز في تلك البدايات بين هذا المعتقل أم ذاك مهما كان نوع منظمته أو انتمائه.
لكن الحياة لها دورتها أيضاً، ودورة الحياة والوعي والوجود بين الآخرين تحت سقف
سجان وسجن واحد والتفاعل الحتمي الذي تولده هذه العوامل في شقها الداخلي: تراكم
الوعي والعلاقات بين المعتقلين، وفي شقها الخارجي: مواجهة السجان ومخططه وبطشه
والتصدي لأهدافه الخبيثة. كل هذا كان من المحتم أن يؤدي إلى ظهور واقع تدرج في
تكونه حتى انتقل من حالة الشعور العفوي بالقواسم المشتركة الوطنية والمتعلقة بظروف
الاعتقال الواحدة إلى حالة وعي الاختلاف داخل كل هذه القواسم.
هكذا كان الحال والتجارب الأولى مع العام الأول والثاني للاحتلال وللاعتقال: كانت
آذاننا تلتقط من هذا الحوار أم ذاك عبارات لم يكن معظمنا على إطلاع بها، أو يعرف كل
ما تحمله من معنى: ماركسية لينينية – تجربة الجزائر – العلاقة بين القومية
والشيوعية، مصطلحات يرددها على مسامعنا مناضلون مثلنا أكبر سناً أو ممن درس في
الجامعات أو ممن انتمى لهذا الحزب السياسي قبل الاحتلال، أو ذاك، أو ممن استهوته
فبدأ يكررها بمناسبة وغير مناسبة، دون معرفة بجوهرها. كان بيننا من اعتقل سابقاً
لأسباب سياسية في الأردن واكتسب تجربة في الحياة داخل المعتقل السياسي خصوصاً
الأعضاء السابقين في حركة القوميين العرب، والشيوعيين والبعثيين والسوريين القوميين
وبعض الناصريين المستقلين.
كانت الرغبة الجامحة بتزايد معرفتنا تجتاح معظمنا ففي عوالم السجن المغلق تصبح كل
غرفة سجن تضم عشرة أو عشرين أو خمسين معتقلاً عالماً بحد ذاته. فكل ما يجري داخلها
يقع تحت أنظار كل فرد معتقل وتحت سمعه. وفي مثل ذلك العالم لا شيء لدينا سوى ما
نملكه من مخزون معرفي ونفسي واجتماعي نستند إليه في تعايشنا وفي طرح رأينا السياسي
وبالطريقة المتأثرة بكل هذه العوامل. وإلى جانب هذه المحركات الداخلية العامة كانت
تنتاب كل منا محركات داخلية ذاتية تظهر وتلوح في بعض الأوقات وتختفي وتعود بهذا
الشكل أم ذاك فتكشف عما نحمل من إرهاصات نفسية على شكل تصرف عنيد أو مازوخي أو
متهكم أو انعزالي. وفي أحيان نادرة نتحسس فيه كراهية ما تجاه معتقل آخر ومقته ربما
لغيرة داخلية، أو عامل نفسي يتعلق بالشعور بنقص ما تجاه آخر أكثر دراية ومعرفة.
كانت غرفة السجن مرجلاً تتفاعل داخله وتنصهر كل هذه العوامل دون أن نتحسسها بوعي
مسبق ومدرك لأسبابها العميقة. كانت تحمل الألم والنزق عند جميعنا في الداخل وعند
معظمنا تظهر وتعبر عن نفسها بأشكال شتى. ورغم ما تثيره من سلبية إلا أنها لا تدوم
طويلاً فسرعان ما يصطدم كل منا فرداً وجمعاً بجدار وقضبان حديد السجن وسطوة السجان
البغيض فيعود وكأنما هذا الخلاف أو المشاجرة الكلامية النفسية أو تلك لم تحدث.
كانت الغرفة مرجلاً ونيران الانصهار هي السجان الموجود دائماً أمامنا وخلال أربع
وعشرين ساعة. لقد تجلت معظم هذه الظواهر بعد السنوات الثلاث أو الأربع على الاحتلال
والاعتقال في سجن (كفار يونا) وسجن عسقلان داخل فلسطين المحتلة عام 1948.
مع نهاية عام 1968 وربما في شهر تشرين أول حملتنا سيارة أعدت على شكل زنزانة كبيرة
من سجن نابلس إلى سجن (كفار يونا) وهي بلدة أقامها الصهيونيون قرب أو فوق قرية (بيت
ليد) الفلسطينية بعد طرد أهلها عام 1948.
في ذلك السجن شعرنا نحن كأفراد دورية واحدة وكأعضاء في جبهة واحدة ورفقة قديمة
واحدة بانفجار داخلنا حين تم وضع كل منا في غرفة تجمع داخلها عشرة أو عشرين من
المعتقلين أمثالنا بحسب مساحتها.
كانت حصتي غرفة تحمل رقم (3) في طابق أرضي للمعتقل وسرعان ما تآلف الجميع فيها لأن
الجميع كانوا من النزلاء الجدد الذين لم يمض على وجودهم في ذلك المعتقل إلا أسابيع
أو أشهر قليلة. وإذا كان حسام بامية، وأبو عرب، ومحمد عقلة، وأبو جابر، وكامل أفراد
الدورية الآخرين، قد انفرد بعضهم، أو كل منهم في غرفة مع آخرين، وبمعزل عن بعضهم،
فإن هذا يعني في ذلك الوقت وجودهم قرب بعضهم البعض، ولا تفصل بينهم إلا أمتاراً ومع
ذلك لم يكن في مقدورنا رؤية بعضنا بعضاً وربما لسنوات إن قدر لنا البقاء في هذا
المعتقل. فالنصف ساعة التي تمنح لنا يومياً للخروج من الغرفة إلى ساحة السجن لا
تتيح للجميع رؤية بعضهم البعض حتى عن بعد.
أول مواجهة معنوية مع السجان:
في ذلك الوقت قررت إدارة السجن تشغيل المعتقلين بدلاً من وجودهم (23.5) ساعة داخل
الغرف، واختارت طريقة التشغيل والعمل بدهاء وخبث لا يضارعه أحد. ففي نهاية عام 1968
أحضر السجانون »شبكة من الحبال والخيوط« وقد ربط في فتحاتها خرق قماشية وبلاستيكية
سميكة مثل قماش الخيمة فأصبحت غطاء مموهاً يوضع عادة فوق مواقع وحفر الدبابات
والمدافع الرابضة لتمويهها وعدم رؤية الجيوش المعادية لها من السماء ولا من الأرض.
وقام السجانون بإخراج عدد من المعتقلين من غرف السجن وزنازينها، إلى ساحة السجن،
ليعرض مدير السجن علينا وهو برتبة عقيد طريقة العمل وكأن الأمر طبيعي وسوف نشرع
فوراً بالعمل.
كانت الطريقة بسيطة يدوية حين عرضها وتتمثل في ربط قطع الخيام تلك على فتحات الحبال
والخيوط لكي يتم صنع غطاء كبير واسع من الشباك المموهة بلون الخضرة وألبسة الجيش
الخضراء (والخاكي). ولكي يغرينا بالعمل أعلن أن كل من يعمل سيبقى في الساحة يتمتع
بالشمس وهو يعمل، لأن موقع العمل ساحة السجن، وسوف يمنح (دخاناً) إضافياً يزيد عن
السجائر الأربع التي يتلقاها كل منا يومياً، وسوف يمنح كأس شاي عند الظهيرة وقبلها
وبعدها، وسوف يعتبر من المعتقلين أصحاب السلوك الحسن، وسيفيده هذا في التخفيف عن
مدة الحكم الذي صدر بحقه.
كنا كالمذهولين أمام مشهد مرعب أحس بخطره الواعون من بيننا أكثر من العفويين
البسطاء الذين اشمأزوا منه، ولم يرق لهم.
كان هدف السجان مع مرور العام الثاني على الاحتلال والاعتقال هو تحطيم الروح
المعنوية النضالية التي يعتز بها كل منا في داخله وبطريقته وبساطته. فأن نصنع نحن
المناضلين الفلسطينيين شباكاً لتمويه دبابات العدو عمل يعتبر خيانة لما جئنا من
أجله وهو تدمير قوات العدو ودباباته لا المساهمة في إخفائها عن رفاقنا وجيوشنا
العربية. هكذا فعلاً صور الواعون منا الوضع حين عدنا إلى غرف السجن. وكان هذا
التشبيه محقاً وصادقاً تماماً وانتشر كالنار في الهشيم بين جميع المعتقلين الذي كان
عددهم يتراوح بين (150) و (200) فأصبح الشعار واضحاً تماماً وهو أن الرفض يعتبر
حفاظاً على طبيعتنا ومعنوياتنا وما جئنا من أجله، والقبول يعني خيانة ما جئنا من
أجله، وخدمة للعدو، وتحويل سنوات الحكم بالسجن التي يحملها كل منا على كتفيه
وأسبابها وغاياتها النبيلة والقومية المقدسة إلى عبث ولا جدوى.
وفي اليوم التالي فتح السجانون أبواب الغرف والزنازين وكأن الأمر عادي، رغم أنهم
أعدوا استنفاراً مسبقاً للسجانين بسبب إحساس إدارة السجن برفض ممكن أو مقبل لا محال.
وقفنا أمام الشباك التي تنتظر وضابط السجن يدعونا إلى البدء. فقال عدد من مقدمتنا:
»نحن لن نعمل في هذه الشباك«. وثارت ثورة ضابط السجن فصرخ: »لا تتحدث عن الآخرين
تحدث عن نفسك فقط لأننا سنعاقبك أنت وليس الآخرين الذين تقول باسمهم نحن«. فسرت
موجة غضب داخلي لم تظهر بعد لدى الجميع، لم يقطعها سوى ضابط السجن حين قال موجهاً
حديثه إلى آخر وآخر »وماذا عنك أنت هل تعمل أم لا؟« وبعد رفض سبعة وعشرة سارع ضابط
السجن إلى اختيار عدد من المعتقلين ووضعهم في زنازين انفرادية في محاولة لإرهاب
الآخرين.
عدنا وعلم الجميع في أقسام السجن الأخرى بما حدث، خصوصاً من كان قسمه يطل على ساحة
السجن. وبدأ مدير السجن في اليوم التالي بالتهديد والوعيد مطالباً المعتقلين بالعمل.
وبعد أسبوعين من الجهود الفاشلة انتهى التحدي الأول بانتصارنا. لكن لم تكد تمضي
أيام على إبعاد هذه (الشباك) عن موضوع العمل حتى عاد مدير السجن وأحضر هذه المرة
مصنفات من الورق المقوى (ملفات) يتعين أن نطويها ونعد ثقوبها وأدوات ربطها لكي تصبح
ملفات جاهزة لضم الأوراق داخلها.
وبنفس الطريقة أخرجونا ذات صباح أمام طاولات وكراسي انتشرت في ساحة السجن تحت أشعة
الشمس التي لا نشبع منها مطلقاً وقال لنا المدير: »هذا عمل آخر فلتبدأوا به«. لم
نرفض فوراً لأننا لم نرَ بعد طبيعة العمل وحين شاهدنا أن المصنف يحمل نجمة إسرائيل
الصهيونية وعبارات عبرية تشير إلى أن هذه المصنفات للجيش الإسرائيلي ابتعدنا وكأنها
نار تلسعنا، وقلنا: »لن نعمل في أي شيء«.. ودار جدال مع المدير هذه المرة.
قال لنا المدير أنه أعد هذا العمل لكي يجعلنا نتمتع بالشمس والوجود خارج غرف السجن
لأطول مدة وأضاف »ويبدو أن هناك من يحرضكم على رفض كافة أشكال العمل، ونحن سنجد حلاً
لهذه الأشكال المعيقة لكم، وستعودون للعمل، ولو بالقوة«.
كانت مسألة العمل التي أراد السجان فرضها علينا أول ما اختبرنا فيه وحدتنا وقوتنا
لحماية أنفسنا وحماية نبل الهدف الذي كانت نتيجته هذه السنوات من الاعتقال.
كان الكثير منا يشعر أنه يدافع من خلال رفضه للعمل عن شخصيته كمناضل وفلسطيني يعتز
بما قام به من نضال ولا يهتم بما صدر عليه من أحكام لسنوات طويلة في سجون الاحتلال.
هكذا كانت القضية وانتصرنا في الجولة الثانية هذه. وبعد أشهر من إساءة معاملة
السجانين لنا وفرض عقوبات بالحبس الانفرادي على بعضنا لمدة أسبوع أو اثنين مع طعام
من خبز وماء فقط لمدة يومين في الأسبوع في الزنازين الانفرادية جاءت مرحلة أخرى
بتدشين سجن جديد في عسقلان تلك المدينة الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948 الواقعة
على ساحل المتوسط جنوبي فلسطين. لقد تقرر أن يكون ذلك السجن معتقل تأديب لجميع
المعتقلين بعد فشل تجربة سجن (كفار يونا) في تحطيم معنوياتنا وانتصارنا فيه، ولجميع
المعتقلين المتمردين في السجون الأخرى.
وفي صباح يوم بارد من شهر شباط عام 1969 اليوم الذي يصر كل من جاء فيه إلى عسقلان
أن لا ينساه ما دام حياً.. تلا ضابط السجن أسماء عدد كبير من المعتقلين داعياً إلى
إعداد أنفسهم مع كافة أغراضهم للخروج إلى الساحة. كنت واحداً من هؤلاء وهم جميع
أفراد معتقل (كفار يونا) في وسط فلسطين المحتلة عام 1948. خرجت فاستقبلني ضابط سجن
جديد بحضور ضابط السجن القديم أمام زنزانة انزع فيها ثياب السجن لارتداء ثيابي التي
أسرت فيها وبعضها ممزق. وتشاء أقداري السيئة أن أتعرض في لحظات فرحي تلك وأقول
لحظات فرح لأنها تنقلني من سجن عبر سيارة إلى آخر وفي ذلك تطفل وترقب للجديد إلى
سؤال وجهه الضابط الجديد بالعربية لي: »من أين أتيت؟« أجبت: »من فلسطين من يافا«
قال: »لماذا هل أنت إسرائيلي؟« قلت: »بل فلسطيني ويافا فلسطينية« فعاد وسأل: »من
أين جئت قبل دخول السجن؟« قلت: »من سوريا« فسأل: »وإذا خرجت ذات يوم من المعتقل هل
ستعود وتفعل ما جئت تفعله هنا؟« قلت: »بالطبع طالما ستبقى فلسطين محتلة؟« كان بعض
المعتقلين في نفس تلك الساحة الصغيرة التي طلب منا فيها تغيير ثيابنا، وكنت أشعر
بنوع من الزهو الداخلي وأنا أجيب على هذه الأسئلة أمام بعض رفاق المعتقل.
لا أدري كيف تسلسلت إجاباتي بهذا الشكل وكأنني أردت أن استفزه، رغم أنه لم يكن هناك
حقاً ما يدعو إلى استفزازه.. لكنني أحسست أنني قمت باستفزازه، حين صمت الضابطان
القديم والجديد. وكان جبريل عوض ورفاقه قربي، عندما لا أدري كيف قادني فجأة أحد
السجانين إلى زنزانة أخرى فارغة وانهال علي الضابط بسرعة هائلة بالضرب حتى كاد يفقأ
عيني والدم يسيل من بين أسناني وشفتي. لم تكد تمر عشر دقائق حتى وجدتني في سيارة
السجن التي نقلتني مع بقية المعتقلين إلى سجن عسقلان. شاهدت وأنا أصعد السيارة (الزنزانة)
عيني جبريل عوض تفيضان ألماً وحزناً من مرآى وجهي والآثار على عيني، وشعرت أنني
بالغت كثيراً.
هذا ما حملته بنفسي لنفسي وأنا أودع سجن كفار يونا اللعين. وفي الزنزانة السيارة
كان الأمر الذي يخفف أوجاع وجهي وأسناني هو أنني ذاهب لسجن جديد قد لا يكون على
غرار ما شهدته في كفار يونا.
افتتاح عسقلان وزنزاناته الانفرادية:
وقفت (الزنزانة السيارة) بنا وهبطنا منها عبر سلم حديدي لنجد أنفسنا في ساحة صغيرة
أحاطت بها غرف تضم »أغطية« و»ثياب« ورائحة مادة بيضاء كانت معدة لرشنا بها كمواد
مطهرة وكأننا حيوانات نحمل في جلودنا براغيث وديدان.
لم نكد ننزل من (الزنزانة السيارة) حتى أدرك الكثير منا ما ينتظرنا هنا. فقد أجبرنا
على خلع ثيابنا والوقوف عراة أمام السجانين وأمام بعضنا بعضاً والتوجه سيراً
لاستلام أغطية من البطانيات عدد (ثلاثة) هي الفراش والغطاء وثياب ذات لون بني غامق
محروق بغيض. وقبل استلام هذه الأغراض كان عدد من السجانين يرشوننا بتلك المواد
المسحوقة البيضاء من رؤوسنا حتى أقدامنا. وبين خطوات أقدامنا هنا وهناك كان بعض
السجانين يوجهون اللكمات على أجسامنا، ويضربوننا بالهراوات لأننا لم نقل (سيدي) حين
كان السجان يسأل عن اسمنا. وحتى حين كان البعض أثناء الضرب يقول تلك العبارة »سيدي«
لم يكن الضرب يتوقف عنه..
هكذا كان أول استقبال وافتتاح لسجن عسقلان التاريخي في شهر شباط من عام 1969. بعد
ذلك اصطففنا وتليت أسماء عدد ما اقتيدوا إلى اتجاه معاكس بخلاف اتجاه الآخرين. وكنت
واحداً من سيئي الحظ هؤلاء ممن تليت أسماؤهم وكنا خمسة كان من بيننا محمد جابر شتا،
ومعتقل يدعى (نصوح المهداوي) ولا أعرف أسماء البقية.
قادنا سجان كالوحش يبدو، وكلنا لن ننسى وجهه وسحنته وضخامة جسمه كان هذا الرجل يحمل
كنية »الدلال« وهو يهودي من أصل عراقي قيل لنا بعد فترة أن بعض أقاربه كانوا ممن
أعدم في العراق بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. كان »الدلال« يحمل بيده شريطاً غليظاً
يستخدم لتمديد الكهرباء غليظاً كالخيزران وجمعت في رأسه أسلاكه المؤلف منها على شكل
كرة صغيرة. وفي رواق ضيق ضم سبع زنزانات فردية في كل جانب وقف عدد من السجانين
ومعهم الدلال. أدخلوا كلاً منَّا لزنزانة بابها حديدي لا ترى عبره شيئاً وفي أعلاه
فتحة صغيرة تغلق بمزلاج وتكاد لا تميز عبرها أحداً، إذا فتحت.
وبعد دقائق سمعت صراخاً مؤلماً وأنيناً حاداً وصدى ارتطام جسم بالأرض وأصوات
بالعبرية كانوا قد اختاروا أول داخل لهذه الزنزانة منا وبدأوا بضربه على هذا النحو.
بعد عشرة دقائق تلاه آخر وبعد ذلك أصبحت في موقع من سبقني وسمعت صراخه.
سال الدم من رأسي بضربة من سوط (الدلال) المذكور صادف موقعها جرح رأسي القديم، أما
ذراعاي من أعلى فلم أعد أحس بحياة فيهما. كان كل شيء يغيب عن وعي وناظري وبعد صب
ماء كثير على جسمي أعود وأنتعش قليلاً.
قال (الدلال) لي: »ما اسمك؟..« فنسيت قول عبارة »سيدي« فأعاد الضربة موبخاً من عدم
ذكرها. وبعد ضربة أخرى بسوطه المؤلم قلتها بتلكؤ ومع ذلك لم يكف؟.. أعادوني إلى
زنزانتي لأجد فيها أثناء الوقت الذي غبته عنها (نصوح) الذي كان يئن دون أن يلتفت
إلي. كان يتمتم بصلوات ربانية بدأت أنا أيضاً بتلاوتها حين أشار لي بالجلوس. بعد
ساعتين جاء المساء وقدم لنا الطعام! ولم نأكل بالطبع لا شبعاً ولكن لعدم قدرتنا على
المضغ شربنا ماءً وشاياً فقط.
في صباح اليوم التالي عرفنا أن ذلك الرواق يضم (12) معتقلاً تعرفنا على أسماء بعضنا
عند الصباح قبيل توزيع وجبة الفطور فتبين لي وجود رفيق عزيز لم أره منذ ودعته في
إربد في شهر تشرين أول 1967 وحملته هويتي الشخصية ورسالة داخلها إلى أمي، هو حافظ
قاسم. فلقد عرفته بساقين وإذا بي في داخل (رواق التعذيب) في سجن عسقلان أكتشف كما
ذكر لي أنه بترت ساقه ويستعين بعكازين. رباه ما هذا العدو السجان الرهيب الذي يأتي
بعاجز قطعت ساقه إلى رواق التعذيب هذا!! كان تبادل التحية بيننا مؤثراً عظيماً فنحن
في عام 1969 الآن وفي عسقلان نعود ونلتقي بعد سنتين ولا تفصلنا عن بعضنا سوى أمتار
ونتحدث دون أن يشاهد كل منا وجه الآخر.
لقد بعثت بي مفاجئة وجود حافظ الذي عرفته ورعاً تقياً ودربني على مدفع (آر بي جي)
في مخيم عين السخنة في صيف عام 1967 شعوراً خاصاً. وما أجمل ذلك اللقاء في أشد
أمكنة السجون تعذيباً: زنازين عسقلان التي افتتحها العدو بمن بترت ساقه وجيء به من
سجن الرملة خصيصاً لذلك التعذيب، ولقد خفف وجود حافظ بساقه المبتورة ألمي، ومنحني
عزاء ما..
كنا ثلاثة نعرف بعضنا حافظ وأبو جابر وأنا في تلك الزنازين وعرفت أن هناك وليام
نصار وكمال نمري وأبو النصر عبد الحميد أيضاً.. لقد اختارت قيادة السجون عدداً من
المعتقلين ووضعتهم في تجربة التعذيب القاسية هذه والأشد قسوة في الحقيقة من تجربة
التعذيب أثناء الاستجواب. وإليكم الأسباب: ففي ذلك الصباح جاء مدير السجن (ألبيرت
حيوت) ذو الوجه المقطب الذي ظهرت فيه بشاعة بعض آثار (جدري الماء) التي ظلت عالقة
في وجهه. ومن فتحة صغيرة في أعلى باب الزنزانة أطل علينا نصوح وأنا اللذين كان ضابط
السجن قد حذرنا قبل مجيئه من عدم نسيان عبارة (سيدي) عندما يسألنا مدير السجن أي
سؤال. وكان من جيء به قبلنا إلى هذه الزنازين قد حذرنا أثناء تبادلنا الحديث عبر
الأصوات من عدم الشكوى من كل ما شهدناه من ضرب وتعذيب لأنه سيقوم بإصدار أوامر
بزيادة التعذيب والضرب إلى أن يكف المعتقل عن الشكوى له، وطالما لا جدوى من الشكوى
فليس ما يدعو إلى قولها..
وقفنا نصوح وأنا أمام فتحة أعلى الباب التي أطل منها (ألبيرت حيوت) فملأها بوجهه
وسأل: »هل لديكم أي طلب؟« قلنا معاً: »لا يا سيدي« عاد وسأل: »وكيف تجدون المعاملة؟«
كانت جراحنا والأورام ظاهرة في وجهنا حتى أنني لم أحصل على ضماد لجرح رأسي. قلت: »إن
جرح رأسي نازف وبحاجة لضماد« فأجاب: »كيف المعاملة؟« أجبنا معاً وكأننا فهمنا
المقصد وما يريد وكلانا مجبرين: »حسنة سيدي« فغادر لكي نسمع بعد قليل أصوات رتاج
قفل فتحة أخرى في أعلى باب زنزانة أخرى وكأنها أصداء تأتي من مسافات بعيدة جداً.
كان وقع ذلك التعذيب النفسي والجسدي أشد قسوة على النفس من وقع التعذيب الذي استخدم
أثناء الاستجواب والتحقيق. فإثناء الاستجواب يشعر المرء أنه يتلقى ضربات موجعة
جسدية ونفسية ويتألم لكن ذلك مقابل قيمة داخلية عميقة يشعر بوجودها ببساطة حين يكتم
معلومة ما أو يصر على عدم الإفشاء بما فعله، أو فعل رفيق آخر، أو بوجوده في مكان ما
خارج زنازين التحقيق. إنه يتألم لكنه يشعر بجدواه أمام ذلك الألم والعذاب فربما قد
يكون قد أحيا وجود رفيق في الخارج ولم يفشِ سرَّه وربما يكون قد أفاد آخرين بعدم
الاعتراف عما قاموا به. نعم إنها الجدوى المباشرة لصموده أمام كل ما يواجهه. أما
هنا فالضرب يجري دون أن نعرف متى سيتوقف وما المطلوب لكي لا يتواصل على هذا النحو
المباشر القاسي بعد أن تم إصدار الأحكام علينا ومضى على وجودنا عامان. لم يقل أحد
ممن سبقنا إلى الزنازين المغلقة في ذلك الرواق كم سيطول وجودنا فيها ومتى سيتوقف
الضرب الذي كان يجري بعد ظهر كل يوم ولمدة (13) يوماً.
ولقد أكد جميعنا حين عدنا واجتمعنا بعد انتهاء تلك الأيام في غرف اعتقال مشتركة أن
كل فرد منا كان يتمنى حين كان يحين وقت ضربنا وجلدنا بعد ظهر كل يوم أن يكون باب
زنزانته الحديدي أول باب يفتح ليكون أول من يتلقى هذا العذاب لأن من يكن آخر من يتم
إخراجه للضرب يزداد ألمه النفسي وتقسو هواجسه عليه بعد أن يكون قد سمع أصوات ضرب
وجلد وارتطام أجساد اثني عشر رفيقاً تم إخراجهم وضربهم قبله. كنت أتمنى أن أكون أول
من يتم إخراجهم إلى ذلك الرواق الذي يقف على جنبيه ثلاثة في كل جانب والدلال غالباً
ما يكون موجوداً بسوطه المعدني. وحين كان ترتيب دوري رابعاً أو ثامناً فهذا يعني
سماعي رغماً عني لأنين أربعة أو ثمانية قبلي، لأنين يضفي عليه الصدى داخل ذلك
الرواق وقعاً خاصاً فريداً في كل ما يحمله من ألم.. وتكاد تدمع العين أحياناً حين
أسمع صوت ارتطام (عكاكيز) الرفيق حافظ قاسم في أرض الرواق ويتلوها ارتطام جسمه بساق
واحدة لا يستطيع بعدها الوقوف.. كنت أتخيل ذلك الألم المضاعف الذي يحمله حافظ ولا
أسمع منه صراخاً إلا بعض أنين خافت سرعان ما يتوقف، وكان هذا يشجع ويمنح عزاء..
أما صرخة الألم تخرج فكانت غالباً ما تخرج رغماً عنا، وكأنها رد فعل طبيعي لحفاظ
أجسامنا ونفسياتنا على حالها كنت أتمنى أيضاً أن لا أصرخ لكن دون جدوى.. وفي تلك
الزنازين تبين أن صمودنا رهن بصبرنا المجبرين عليه صبر اللا خيار واللا بديل لأن
السجانين كانوا يأتون لضربنا وكأنها مهمة روتينية عادية ولا يطالبوننا بشيء لا قبل
ذلك التعذيب ولا بعده. نتلوى غالباً على أنفسنا من شدة الآلام في البطن والمعدة
والرأس والأطراف جراء ذلك السوط اللعين ثم يجرون كل واحد منا إلى زنزانته. بعد
ثلاثة عشر يوماً جاء فجر جديد وتمَّ إخراجنا وتوزيعنا على غرف السجن المشتركة دون
أن يتصادف وجود اثنين ممن كنا في ذلك الرواق وزنازينه في غرفة واحدة.. ويا لهول ما
شعرنا وشاهدنا فنحن لم نغب طويلاً ومع ذلك لم نتعرف على زملائنا السابقين ممن كانوا
معنا في سجن كفار يونا كما لم يتعرفوا هم على كل واحد منا حين دخل غرفة السجن
المشتركة.
لقد تبدلت سحناتهم وملامحهم فرؤوسهم حليقة حتى الصفر ووجوههم يعصرها الألم بما
أحدثته اللكمات والضربات. كانوا يجلسون نهاراً دون أن يسندوا ظهورهم لا إلى حائط
ولا إلى الأغطية الثلاث التي أعطيت لكل منا، ويحظر عليهم أن يتمددوا إلا عند الليل.
لم يطل تحملنا جميعاً لهذا التعذيب القاسي الذي لا نعرف إلى متى سيظل على هذا الشكل..
وبعد أشهر وترتيبات كثيرة أطل عام (1970) وأعلن إضراب عن الطعام من قبل جميع
المعتقلين وتشكلت لجنة لقيادة الإضراب. كان عدد نزلاء ذلك المعتقل قد زاد خلال ما
يقرب العام على وجودنا فيه وأصبح يضم ما يقرب من (350 إلى 400) معتقلاً من الذين
صدرت بحقهم أحكام بالسجن بدءاً من (10) سنوات حتى المؤبدات المتعددة.
وصمدنا ثمانية أيام دون طعام وانتصرنا على محاولات المدير النازي (حيوت) وإدارة
السجون العامة لتشتيت إرادتنا وزرع الفرقة بيننا. كانت معركة قاسية في ذلك العام
الذي شهد أول إضراب في المعتقلات لمثل هذا العدد الكبير وبمثل ذلك الصمود والإصرار
الكبيرين.. استشهد في ذلك الإضراب القائد العسكري عبد القادر أبو الفحم الذي كان
أحد ضباط جيش التحرير الفلسطيني في غزة، ثم أصبح أحد قادة منظمة قوات جيش التحرير
حتى أسر وهو مثخن الجراح وصدرت بحقه أحكام بعدة مؤبدات. وكان هذا البطل أول شهداء
النضال داخل المعتقلات الصهيونية، وكذلك بترت ساق معتقل آخر بسبب الإضراب أيضاً.
وهكذا شكل إضرابنا واستمراره ثمانية أيام دون انهيار أحد منا ضغوطاً زادتها ضغوط
أهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة على هيئة الصليب الأحمر الدولي بعد معرفتها
بإضرابنا عن الطعام الذي اختير توقيته عند مجيئها للزيارة الشهرية للأبناء الذين
رفضوا الخروج إلى غرفة الزيارة. فعند ذلك عاد الأهل وعددهم كبير خائبين إلى مدنهم
وقراهم ليعلنوا أنهم لم يتمكنوا من رؤية أبنائهم لأن السجانين يعذبونهم، وربما هناك
قتلى بينهم..
وبعد ثمانية أيام خضع مدير سجن عسقلان لكل هذه الضغوط وقرر الاجتماع بلجنة قيادية
للمعتقل فرضت مطالبنا التي ترفض كل هذه الأشكال الوحشية ضد المعتقلين. وأعلن مدير
السجن موافقته، وانتهى الإضراب.
وبعد أسبوع أو أكثر سمحت وزارة الدفاع ووزارة الشرطة الإسرائيلية لرئيس اللجنة
الدولية لهيئة الصليب الأحمر في الشرق الأوسط (أندريه روشا) بدخول سجن عسقلان معقل
الصمود والتحدي لرؤية ومعرفة ما حصل وطبيعة المعاملة التي كنا نتلقاها.
وبعد مرور سنة على ذلك الإضراب قامت إدارة السجن بنقل عدد من المعتقلين إلى سجون
ومعتقلات أخرى لأن عسقلان أصبح مزدحماًَ بعدد كبير من المعتقلين وسوف يصل إليه
معتقلون جدد، كنت من بين من تم نقلهم من سجن عسقلان في عام 1971 إلى معتقل كفار
يونا الذي نقلت منه عام 1969 إلى عسقلان. فقد أعيد فتحه من جديد للمعتقلين
السياسيين فقط.
وفي ذلك المعتقل تعرفت ما بين عام 1972 و 1973 على المطران العظيم هيلاريون كبوتشي
مطران القدس والقائد الذي كان أباً للجميع منا داخل المعتقل. فقد وضع في غرفة سجن
لوحده ورفضت سلطات السجن أن يكون بيننا لكي لا يصبح قائد المعتقلين وهو جدير ويلقى
منا كل تقدير ومحبة.. كنا نراه ويلتقي بعضنا به عند باب غرفة سجنه ويسألنا عن
أحوالنا ويبث روح الصمود فينا. كنا نشعر بالأهمية لأنه في معتقلنا وبيننا وتزداد
قوة معنوياتنا به وكأنه أب روحي لنا جميعاً. وفي ذلك المعتقل تعرفت على المناضل
كمال كنج أبو صالح رحمه الله عضو مجلس الشعب السوري سابقاً وأحد قادة أهلنا في
الجولان المحتل.
كنا في إحدى فترات وجودنا في سجن كفار يونا مجموعة رائعة في غرفة سجن واحدة تجمعها
الكثير من الخلفيات الاجتماعية المشتركة أبو حسن جمعة دلول الذي كنا ندعوه بالخال
وهو أكبر سناً منا في تلك الغرفة الصغيرة. وكان معنا أبو نضال يوسف العجوري وسميح
العصافرة وأبو جابر العصافرة وعودة الله عودة الله ولأننا أبو حسن وصالح وأنا من
فلسطينيي سوريا فقد كنا نشعر أن من واجبنا المرور عند باب زنزانة (كمال كنج)
والتحدث إليه والإعراب عن تقديرنا له. وهذا ما جعلنا نلتقي به مرات ونحمل له رسالة
من جميع المعتقلين عما يمكن أن يقوم به خصوصاً تجاه السجانين من فلسطينيي عام 1948
من الدروز في الجليل. فقد كان السجن يضم سجانين دروزاً ولابد أن كمال بشخصيته
السياسية والاعتبارية يحمل ما يمكن أن يؤثر فيهم. وهذا ما حدث حقاً حين لعب دوراً
مهماً في تغيير طريقة تعامل ومعاملة السجانين الدروز لنا جميعاً وحين أحس (زامير)
مدير السجن بدور كمال وتأثيره سرعان ما نقله هو وبقية من كان معه من المعتقلين من
الجولان المحتل، إلى سجن آخر.
وفي كفار يونا بدأت معاملة السجانين تسوء أكثر فأكثر وتزداد مؤامرات مدير السجن
الجديد (بارزيلاي) الذي تسلم إدارة السجن من (زامير) وفي مستهل عام 1973 قررنا
إعلان إضراب عن الطعام هو الأول في سجن كفار يونا والثاني بعد إضراب الطعام الذي
جرى في سجن عسقلان عام (1970).. كان الإضراب معداً بشكل دقيق وتولى المسؤول
التنظيمي عن كل فصيل داخل المعتقل ترتيب عناصر منظمته المعتقلين وأعلن الإضراب صباح
يوم الزيارة كالعادة وعاد الأهل لإثارة الجميع بعد عدم تمكنهم من زيارة أبنائهم.
واستمر الإضراب ثمانية أيام جاء في السابع منها موشيه دايان وزير الدفاع ومر من
رواق الطابق العلوي عند فترة الغداء ليشاهد قدور الطعام مليئة وهي تعود دون أن تفرغ
ما فيها على أبواب الزنازين وغرف السجن. لم يقابل أحداً لكنه أرسل في اليوم التالي
الثامن من أيام الإضراب وزير الشرطة (شلومو هليل) لأنه المسؤول المباشر عن الجنرال
(نير) قائد السجون وعن سلطات الشرطة والسجون. جاء الوزير (هليل) صباح يوم وطلب من
مدير السجن إحضار لجنة من بين المعتقلين لإقناعها بإنهاء الإضراب. حمل ضابط السجن
هذه الرسالة فقلنا له أمهلونا وقتاً حتى ننتخب اثنين منا وبعد نصف ساعة أبلغه
المعتقلون أنهم اختاروا يونس (المسؤول عن معتقلي فتح) وتحسين حلبي الذي اختير
بموافقة من فصيله وبقية الفصائل في هذه اللجنة.
وقفنا في غرفة المدير لنجد قائد السجون الجنرال (آرييه نير) والوزير (شلومو هليل)
اليهودي العراقي أحد قادة حزب العمل.. وسألنا هليل عن مطالب الإضراب فعرضنا المطالب
بالعربية وبعد ذلك قال مدير السجن (بارزيلاي) بالعبرية أنه يفضل أن نتحدث بالعبرية
لأنه لا يعرف العربية ولا يستطيع على هذا النحو التعقيب على هذه المطالب. فقال
الوزير هليل موجهاً حديثه إلينا حول مدى إطلاعنا على العبرية. فقلت حتى لو كنا
نعرفها فإننا نفضل الحديث بالعربية لأن الوزير هليل من أصل عراقي ويعرف العربية وهي
لغتنا. فأجاب هليل غاضباً »إذن أنتم لا تريدون أن يفهم مدير السجن ما تقولونه وما
تطالبون به إنه المسؤول المباشر الدائم بينكم ولذلك لابد من الحديث بالعبرية إن
كنتم تتقنونها. وعند ذلك قال بارزيلاي بالعبرية موجهاً حديثه إلي: »إنك تحدثت معي
عن مطالب سابقة بالعبرية فلماذا لا تفعل الآن؟« قلت: »لا يهمنا سوى المطالب..«.
عرضت المطالب بالعبرية وشددت على المطلب الذي أكدت عليه الفصائل وهو أن لا يجتمع
مدير السجن بأي معتقل على انفراد، وأن يجتمع بدلاً من ذلك بلجنة يختارها المعتقلون
من خمسة يمثلون المعتقلين جميعاً. وهنا صرخ (هليل) قائلاً: »كيف تجرؤون على عرض هذا
الطلب الذي لم أسمعه. إننا لم نعترف بمنظماتكم فهل نعترف بلجنة معتقلين تنتخبونها.
ومن تظنون أنفسكم إنكم إرهابيون تنالون عقابكم الذي تستحقونه في هذه السجون وأنا
أسألكم عن الطعام والحياة داخل السجن لا عن مطالب سياسية.« وهنا انقطع الحوار
والمفاوضات وقلت إننا نحمل مطالب (280) معتقل وسنعود إليهم ونخبرهم بما قلت لكن
الإضراب يبدو أنه سيستمر. فقال بارزيلاي »عليكم أن تخبروا المعتقلين بأننا سنحسن
المعاملة والطعام وظروف الحياة لكن هذا المطلب غير وارد وسيوافقون.
عدنا أنا ويونس وسمح لنا بالدخول إلى معظم غرف السجن ثم بلغنا الإجابة الواضحة وهي
مواصلة الإضراب. وفي اليوم التالي أعد لنا مدير السجن مفاجأة هي إعدادنا جميعاً
(280) معتقلاً للنقل من ذلك المعتقل وتوزيع الجميع على عدد من المعتقلات بدءاً من
سجن بئر السبع الجديد، في جنوب فلسطين، وانتهاء بسجن نابلس في الضفة الغربية.
وهكذا انتقلت إلى سجن نابلس المركزي مرة ثانية عام 1973 بعد أن كنت فيه في نهاية
عام 1968 وبداية عام 1969.
بعد مرحلة السنوات الست هذه من مدة الاثنتي عشر عاماً التي قضيتها في معتقلات
الاحتلال، لم أجد قيمة أعلى من قيمة العلاقة التي تنشأ في داخل الأسر بحلوها ومرها،
بسرورها وألمها بين المعتقلين أنفسهم سواء جرى فيما بيننا اختلاف على رأي أو اتفاق
على رأي. إنها قيمة لا يمكن للمرء ببساطة أن يختار تجربتها بطواعية فهي تجربة تفرض
وتفرز كل ما فيها من المظاهر الخلاقة للحياة داخل المعتقل. وهي تجربة يفرض الارتقاء
بقيمها العميقة الإنسانية النضالية الأخوية ذلك السجن الرابض فوقنا وذلك السجان
الذي لا يبعد ناظريه عنا بكل ما يحمله من احتلال واستيطان واستلاب مرفوض
تصوير موقع الصفصاف - السويد 2009