ناووهيكو أوميواكا حمل فنّ أجداده إلى لبنان

 سناء الخوري

من المفيد أحياناً أن تصل متأخراً... تدخل «مسرح غولبكيان» في «الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة» من الباب الخلفي، وتجد نفسك في صلب الموضوع مباشرةً. في إضاءة خافتة، جلس ناووهيكو أوميواكا القرفصاء، يمعن في إخراج كلّ حرف من جسده، كأنّه تخمّر داخله لقرون. جمهور من المبدعين والباحثين والنقاد يتصدّرهم السفير الياباني في لبنان كويشي كاواكاني، يتابعون بعناية وقائع الندوة التي تنظّمها الجامعة، بالتعاون مع «مركز المسرح العربي للتدريب» وسفارة اليابان. اليابانيون أنفسهم لا يفهمون تلك اللغة القديمة. تجعلك رخامة الصوت والإيقاع المتقطّع، تحار في لغز ما تسمعه: أهو شعر أم أغنية أو صلاة؟ وجوه الحاضرين خاشعة، كأنّك في هيكل، لا في محاضرة تعريفيّة بالمسرح الياباني العريق، يلقيها معلّم مسرح «النو» أوميواكا، ويُتبعها بورشة عمل طوال الأيام المقبلة. من يحتاج إلى مفردات التعريف هنا؟ يخدِّرك الصوت، وتشعر لبرهةٍ بأنّ الممثل من عالم آخر حقاً...


فرغ المعلّم من طقسه السحري، وعاد رجلاً يتحدث بكلمات البشر. زوجته اللبنانيّة مادلين عبد الجليل ناولته منديلاً يمسح به عرقه، عرّف بنفسه، وأخبرنا أنّه يزور موطن زوجته للمرة الأولى منذ 15 عاماً. ثمّ بدأ بالكلام المباح. «النو شكل فنّي شامل، فيه الأوبرا، والباليه، والأداء، والموسيقى، والأقنعة والأزياء». على شاشة معلّقة، استعاد عظماء هذا الفنّ الخمسة، شارحاً أهمية كل حركة، وتقاليد الأداء الجسدي الصعبة. العينان لا ترمشان،الرأس ثابت، والحركة أفقيّة دوماً. ديكور خشبة النّو لا يتغير، أكانت القصة تدور في الماء أم في الغيوم أم في الجحيم. إنها مسألة كوريغرافيا تخضع لمعايير رمزيّة صارمة. هكذا، يبدأ الـ«شيته» ـــــ الدور الرئيسي ـــــ من اليسار، «حيث تشرق الشمس، يد اليسار مثلاً أرفع منزلةً لذلك نمسك بها المروحة اليدويّة». قضيّة المنزلة تلك، مهمة جداً عند سليل أوميواكا، إذ يذكّر بين حين وآخر بإنجازات عائلته.

«صراعنا الرئيسي هو مع تحديد مركز الجاذبيّة، فهل نتحرك على رؤوس الأصابع أو على الكعب؟»، تتخيّل عظمة المؤدي الذي يمضي ثلاثة عقود يبحث عن نقطة الجاذبية في جسده، «من دون أن ينجح» يقول أوميواكا. هناك 65 نوعاً من الحركات ـــــ الرموز المختلفة، معظمها تدلّ على البكاء وهناك حركة ضحك واحدة. يرفع يديه ينفّذ حركة دائريّة كأنّه يسبح في الهواء، ثمّ يجمع أنامله أمامه كمثلث. هكذا يضحكون في عالم النو إذاً! وفي ذلك العالم أيضاً الذي صنّفته منظّمة «الأونيسكو» عام 2001 على قائمة «التراث الإنساني غير الملموس»، لا مكان للنفس المتقطع، أو ليد ترتجف...«الناس العاديون يرتجفون» يقول أوميواكا. تفهم استطراداً أنّ ممثل النو ليس من الناس العاديين.



عدد السبت ٢٩ آب 2009