إدوارد سعيد مفكر عالمي، نجد اسمه ومنجزه حاضراً بقوة في الموسوعات الغربية


2009-08-26

إدوارد سعيد مفكر عالمي، نجد اسمه ومنجزه حاضراً بقوة في الموسوعات الغربية التي تؤرخ للنقد الأدبي والنظرية، وعلوم الانثروبولوجيا ودراسة الآخر، ونقد الموسيقا...

ويصعب اختزاله إلى بعد الجغرافيا ومسقط الرأس، فهو لم يكن مجرد أستاذ للأدبين الإنكليزي والمقارن في جامعة كولومبيا الأميركية، ولم يكن فلسطينياً يثير اللغط في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الأميركية والغربية، أو صاحب مشروع فكري فقط، بل كان ناقداً وباحثاً على مستوى الإنسانية، ولهذا تتوالى الكتب والدراسات التي تصدر عنه حتى بعد وفاته.


بهذه الكلمات، وهذا التعريف بدأ الأستاذ محمد عزة أمين سر مؤسسة فلسطين للثقافة، محاضرته حول الراحل إدوارد سعيد في المركز الثقافي العربي في مخيم اليرموك، وذلك في خضم المناسبات والمهرجانات التي تعد، وتقدم بمناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية 2009.


أبو عزة حاول تسليط الضوء على شخصية إدوارد سعيد من خلال والديه اللذين عاشا بعيدا عن ترابهما ووطنهما، وانصهرا في مجتمعات عربية قدما لها الكثير، ولكن في النهاية بلاد الغربة أبت أن تمنحهما أرضا لتضمهما بعد الممات..


وعرج أبو عزة على حياة إدوارد سعيد، وولادته، ويوم وفاته في الخامس والعشرين من أيلول عام 2003 في مدينة نيويورك، مستعيداً الذكرى السادسة لوفاته دون وجوده، ولكن أثر أفكاره، وإبداعاته لم تغب للحظة واحدة عن الحضور، وأضاف أبو عزة أن إدوارد سعيد لم يُدفن في نيويورك التي عاش فيها نصف قرن، فقد أوصى عائلته بأن يحرق جثمانه ويُحمل رماده لينثر أو يُدفن في مدافن عائلة زوجته اللبنانية (السيدة مريم قرطاس) في (برمانا) في ضهور الشوير بلبنان.


وعرض أبو عزة اختيار سعيد لطريقة الترميد، أي حرق الجثة. ولماذا طلب أن يُنثر الرماد أو يُدفن في (برمانا) وليس في القدس التي ولد فيها في الأول من تشرين الثاني عام 1935 أو في القاهرة وقد أمضى فيهما شطراً من طفولته ويفاعته؟


وأضاف أبو عزة أن هناك أسطورة مسرحها جبل لبنان، منطوقها أن (طائر الفينيق) يقوم من رماده في جبل لبنان، يطير صوب الشرق، يواكبه رف من الطيور..
وتساءل أبو عزة هل كان إدوارد سعيد يؤمن بتلك الأسطورة، ويتطلع إلى أن يبزغ من رماده مثل طائر الفينيق، فيطير صوب الشرق.


وتحدث أبو عزة عن حزن سعيد لوفاة والديه مستعرضا تفاصيل دفنهما والتعقيدات التي واجهتهما، أو واجهت جثتيهما، فقد تحول والده ووالدته عند وفاتهما إلى «مجرد لاجئين فلسطينيين.. لا وطن أو أرض لهما، ولا حق في.. مدفن؟» مستشهداً بكلام له (توفيت أمي فدُفنت في أميركا التي كانت تكن لها كراهية أساساً.. كان قدرها أن تبقى في أرض رفضت العيش فيها لسنوات محدودات للحصول على الجنسية )!


وتحدث أيضاً عن الأثر الذي تركه والد إدوارد في حياته لأن قصته أشد إيلاماً وأصعب وقعاً فوالد إدوارد أحب (ضهور الشوير) في جبل لبنان، حتى إنه جعلها مصيفه المفضل، وكان يعتبرها أجمل بقاع الأرض، وأقام فيها فترات طويلة جعلته يظن أنه بات بمنزله واحداً من أهلها، وحين توفي عام (1971) أوصى بأن يدفن في ربوعها، وعند الشروع في تنفيذ الوصية تبين أن الأمر أصعب مما كان يظن، فلم يكن أي من أهالي البلدة على استعداد لبيع العائلة قطعة أرض صغيرة لتحقيق رغبة الميت، على الرغم من سنوات إخلاص المرحوم للبلدة.


يقول ادوارد سعيد: اكتشفنا أن الأهالي لا يزالون يعتبرونه غريباً، حتى وهو ميت، ولذلك لم يُسمح له بالدخول إليها..


ويضيف: (إن الحياة الرعوية التي ظننا أننا ننعم بها، ورفعناها إلى مستوى المثال.. لم يكن لها موقع في ذاكرة البلدة الجمعية. لقد تحولت عملية دفن الوالدين إلى مشكلة عويصة، باتت جزءاً من مأساة ادوارد الذاتية، فقد تحول الوالدان عند موتهما إلى «مجرد لاجئين فلسطينيين، بلا وطن أو أرض أو حق في مدفن..؟!».


وهنا أعطى أبو عزة الجواب على السؤال الأول وهو: لماذا أوصى ادوارد سعيد أن تضرم النار في جثته حتى تتحول إلى رماد، وأن يُحمل هذا الرماد لينثر أو يدفن في مدفن عائلة زوجته اللبنانية لأن الرماد يمكن أن يُحمل في جرة صغيرة أو زجاجة عادية.. وهذه لن تضايق أهل (برمانا) أو (ضهور الشوير) أو جبل لبنان إذا هي وضعت في زاوية صغيرة تحت أرض مدفن عائلة زوجته، الأرض التي أحبها والده ولم تتحقق وصيته في مواراته ثراها.


ومن هنا فإن شهادة البروفيسور ادوارد سعيد عن مأساة والديه تعيد طرح قضية اللاجئين الفلسطينيين المنفيين قسراً على نحو مختلف في مواجهة (العقل الغربي) المتنفذ.
هو لم يكتف برواية مأساة والديه وإنما بحث في التفاصيل، في العوالم والذكريات والأمكنة والحارات والبيوت.. في الجزئيات التي يستعيدها المنفيون حين يتم إجلاؤهم قسراً، وتصبح العودة إلى مسقط الرأس وأماكن الطفولة نوعاً من العقاب المستمر، خصوصاً استحالة العودة إلى المكان الذي يتشظى وينقسم، وهو يبحث عن هوية..


ويضيف أبو عزة إنه وفي خضم البحث عن العام من خلال الخاص، حاول ادوارد سعيد أن يرسم صورة الفلسطيني ومعاناته من خلال بحثه في الذاكرة والهوية والمكان، ليكوّن جسراً بين ماض لا يمكن أن يُنسى وحاضر لا يمكن أن يدوم، وبينهما انعكاسات وانفعالات وأحداث وحروب وآمال، واعتبر أبو عزة أن رواية ادوارد سعيد عن المنفيّ الفلسطيني، أو (التائه الفلسطيني) تعرضت للنسف من قبل مجموعة صهيونية تذكرنا بالجماعة التي أطلقت على نفسها اسم (انتقام دم إسرائيل)، والتي تخصصت في ملاحقة بعض القيادات الألمانية التي فرت من ألمانيا في أعقاب انهيار الأخيرة، كما استعرض أيضاً كيف أن الباحث (جستس رايد فاينر) ادعى أنه اكتشف بعد بحث استغرق ثلاث سنوات أن ادوارد سعيد (زيف قصة حياته، ولم يسكن في القدس، ولم ينتسب إلى أي من مدارسها، وهو ليس لاجئاً، ولا حتى فلسطينياً..


هذا الكشف الصهيوني كان الهدف منه تقويض حكاية ادوارد سعيد بوصفه المنفيّ الفلسطيني أولاً، كما استعرض أبو عزة مقولة زوجة إدوارد التي قالت إن (حياة ادوارد كانت (مقلقزة)


وقد أوضح أبو عزة في محاضرته عن إدوارد سعيد أنه بعد كتابه (القضية الفلسطينية)، أصبح إدوارد سعيد كاتباً رجيماً لدى الصهاينة، فقد رأوا فيه حالة من حالات المجابهة مع النظرة الاستشراقية والاستعمارية في قلعتها العاتية والطاغية (أميركا) وأمضى المحامي الصهيوني الأميركي (جستس رايد فاينر) ثلاث سنوات وهو ينقب في حياة (ادوارد سعيد ) المبكرة، نشر بعدها مقالة في مجلة (كومنتري) الأميركية اليهودية قال فيها: إن ادوارد سعيد ليس فلسطينياً!!


والهدف من إطلاق هذه الأكذوبة هو إظهار أنه لا يمكن الوثوق بالفلسطينيين عندما يتحدثون عن حق العودة، فإذا كان ادوارد سعيد يكذب، وهو المثقف البارز فما بالك بما يقدم عليه الناس العاديون من أجل استعادة تلك الأرض التي لم تكن لهم أصلاً.


و. حمود

 الوطن - سورية -