ابتسم أنت في غزة بين الطبلة والكوع

 م. أمين حمـاد

29/08/2009

كنت أعيش لفترة طويلة في بلد هادئ جداً خارج فلسطين إلى أن عدت إلى غزة قبل سنوات قلائل لأنها أرض رباط وأرض الأهل والأحباب ولم يخطر ببالي ابداً لكي ترابط عليك أن تتحمل كل مصاعب الحياة الخاصة بغزة وليس اليهود فحسب.
لا شك أنني عند عودتي تحملت الإزعاج الشديد الناتج عن إطلاق النار بسبب أو بغير سبب سواء كان ذلك بالأعراس أو من قبل حراس الأمن الوقائي حيث أسكن. وبعد مدة اكتشفت أن إطلاق النار شبه المستمر هو من التراث الجديد الذي أتى مع سلطة أوسلو إلى أن سمعنا بآذاننا صوت أول المعارك وهي معركة اغتيال موسى عرفات والتي لا تبعد كثيراً عن مكان سكني.

في أوائل عام 2007 دارت معارك شديدة بين حماس وفتح وكسر الرصاص زجاج بيتي أثناء وجودي داخل البيت، وأرعبني رعباً كدت أموت منه بالسكتة القلبية، وليس شهيداً من رصاص طائش ولكنني اكتشفت أنني الوحيد الخائف واستمر الحال إلى أن وصلنا إلى فترة المصيدة والتي تسميها فتح بالانقلاب وتسميها حماس بالحسم ولكنها بالتأكيد مصيدة أمريكية صهيونية لكل الشعب الفلسطيني، وحينها عشنا ولمدة أيام عدة جولات من الحروب الحقيقية استمعنا بها لكل أنواع أصوات المتفجرات الحقيقية والصوتية ولكنها (عدت) على خير، فرغم الكثير من 'الوفيات' أنا ومن أعرف خرجنا أحياء ولكن المغتربين مثلي، يعني النواعم، تعلموا وتدربوا على أصوات المتفجرات الحية والميتة.

في صيف 2007 استبشرنا خيراً بوجود الكثير من التنظيفات التي تقوم بها البلدية ووزارة الداخلية فقمت أنا بكتابة عريضة إلى رئيس البلدية ووزير الداخلية وطبعت منها عشرات النسخ ووزعـــــتها عن طريق شباب الحي على جميع 'أبراج' أي عمارات تل الهوا من أجل أن يقوم الساكنون بالتوقيع عليها لنطلب من الداخلية والبلدية منع وتقنين العربات التي تجرها الحمير التي تبيع الخضار وغيره والذين يستخدمون مكبرات الصوت فيبدأون يومهم قبل استيقاظنا بكثير ويتوقفون بعد ذهابنا للنوم ويركزون إزعاجهم عند ساعات بعد الظهر وهو الوقت الذي يحتاجه العائد من عمله للراحة.... ولكنني فوجئت أن من سكان كل عمارة لم يوقِّع إلا اثنين أو ثلاثة مع أن سكان العمارات في المتوسط 21 عائلة.

لاحظنا أيضاً أن هناك شيء غريب في غزة أصبح سنة حميدة وربما قريباً يصبح سنة مؤكدة إن لم يكن هو كذلك وهو عمل ما يُسمى سهرة الشباب للعريس المتزوج في الليلة التي تسبق عرسه فيغلق أهل العريس الشارع ليضعوا كراسي للمدعوين ومسرح متنقل للفرقة الموسيقية التي تصدح بأغانيها بأعلى أصوات مكبرات الصوت ولكن لا تنسى أنك في غزة، فنحن لا نستخدم الأغاني وإنما الأناشيد الإسلامية... وفي اليوم التالي تأتي (عراضة) معها طبلات صوتها يخرق طبلات الأذن لزف العريس من بيته إلى مكان لا أدري أين؟ حيث يركب سيارة هو وفريقه يستخدمون فيها الأبواق طول الطريق فيسطلون الشجر والحجر. بناءً على ذلك كتبت عريضة لأوزعها على سكان الحي من أجل إجبار المتزوجين على عمل سهراتهم في الصالات المخصصة ولكني فوجئت من جميع الكبار الذين عرضت عليهم الموضوع قبل توزيع الورقة بالقول: 'خلي الناس تفرح...ليلة وتعدي'، وبناءً على ذلك وعلى تجربتي السابقة لم أكلف نفسي بتوزيع العريضة للتوقيع.

في نهاية 2008 وبداية 2009 مررنا بتجربة عنيفة جداً وهي الحرب ضد كل المخلوقات في غزة، هذه الحرب التي أسمتها حماس بحرب الفرقان حيث تم التفريق بين الجد والمزح جعلتنا نتعود سماع جميع أنواع الأصوات ونشتَّم جميع أنواع روائح المتفجرات والكيماويات وربما اللحوم المتحللة ولكنها فترة 22 يوماً وانقضت رغم الآثار المدمرة التي تركتها سواء نفسية أو تهديم بيوت وتهجير ناس وتيتيم وتثكيل ومع ذلك فإننا نحاول جاهدين العودة إلى أسلوب حياة قد نصفه بالطبيعي ولكن يبدو هذا مستحيل.

وصلنا الآن إلى رمضان فهذه الليلة جاء ابني وعمره أربع سنوات يصرخ من غرفته إلى غرفة والديه بسبب طبلة المسحراتي الذي جاء بجانب بيتنا الساعة الثانية والنصف صباحاً مع العلم أن الإمساك هو الساعة الرابعة والأربعين دقيقة...يبدو أنه كان يعتقد أننا سنطبخ (خاروف) ولذلك يجب أن نستيقظ بدري ولا يدري أن سحورنا مع تنظيف الأسنان والوضوء لا يزيد عن ربع ساعة. الغريب أنني قبل فترة اعترضت على المسحراتي فقيل لي أنه جزء من التراث والحفاظ عليه واجب لذلك قامت الحكومة بتعيين مسحراتية في كل حارة بأوراق رسمية وكارنيه عليه صورته.

طبعاً نحن في غزة مررنا بتجارب غريبة كلها عنف في عنف ولكن الملفت للانتباه هو أننا تعلمنا بعض المصطلحات الجديدة ومنها كلــــمة 'الكوع' وهي وإن كنت لم أره قط نوع من أنواع المتفجرات الأكثر شدة من القنبلة اليدوية والتي للأسف استخدمها شخص ضد عرس في خانيونس قبل أسابيع فقتل شخص وجرح عشرات.

اليوم ثالث أيام رمضان، حيث انتشرت المفرقعات الصوتية التي يستخدمها الأطفال منذ آخر يوم في شعبان بعلم وأموال أهلهم لإزعاج الجميع بما في ذلك المصلين في المسجد. الغريب أنه يقال أن هذه المفرقعات تدخل من معابرنا مع اليهود وبالتالي فنحن شعب ذكي جداً حيث نحرق أموالنا لأننا لا نعيش على الأموال وإنما على الكوبونات. إن الإزعاج الذي تسببه هذه المفرقعات تجعل أبداننا تقشعر وصغار أطفالنا يبولون على أنفسهم ويتذكرون هجوم اليهود علينا قبل أشهر فأصواتها لا تقل عن أصوات الأكواع، أما الشرطة فهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً لأن هناك شيئاً ما خطأ.

إن انتشار المفرقعات بهذا الشكل الفظ وبدون تقنين وبدون الاهتمام بعوامل السلامة صار له عدة سنوات إذ أصبح جزء من التراث ولكن الخوف هو أن يصبح سنة حميدة بعد فترة وأخشى أن يأتي اليوم الذي نقوم به بسؤال أهل الذكر إن كان يجوز صيامنا بدون مفرقعات، وهل يجب أن تكون المفرقعات صيني أم يجب أن نقاطع الصين بسبب سوء معاملة إخواننا المسلمين الإيغور ونشتري سويسرا لأنها دولة 'محايدة' وهل صيامنا مقبول لو كانت المفرقعات 'مبردة' وصوتها منخفض وهل يجب على المفرقعة الواحدة أن تعمل ثلاثة أصوات تفجيرات أم أكثر أم أقل حتى تكون نوايانا في الصيام صحيحة، وهل يجوز أن تعلم يميننا التي تشتري المفرقعات بما تفعله يسارنا التي ترميها وتفرقعها لتخض الناس وتخيفهم.

في النهاية ابتسم لأنك فقط تعيش بين الطبلة والكوع فالقادم أدهى وأمر.

' كلية العلوم والتكنولوجيا ـ خانيونس ـ فلسطين
 

القدس العربي