فتح بلا قيــادة

 عبد الشافي صيام ( العسقلاني

التاريخ: 2009-08-29


ما كنت بصدد الكتابة عن "فتــــــح" بعد ما تم في مؤتمر "بيت إيل" كما أسميته في مقال سـابق والذي عقد في الرابــع من شهر "أوت" 2009 . بانتظــار بلورة موقف لأبناء الحركة وكوادرها بعد عملية "الاغتصاب التنظيمي" التي قــام بها كل من ســاهم وخطـط ودعــم وتخــاذل و"تبرطل" لعقد مؤتمر لفتح برعاية وحماية إسرائيلية وتشبيح من عناصر "دايتون" ليأتي بهذا "البطن" العجيب بلجنة "كركـــــــزية" على مقاس أوسلو ، ولا عجب .. فكل ما هو خارج القانون والنظام يعتبر "كركزيا" حتى لا تـُفـْهَمَ التسمية خارج سياقها التعريفي .

وكما قلت .. لولا اتصالات العديد من الإخوة الذين طالبوا بموقف وتحرك لمواجهة هذا التيار وما سيجره على الحركة والقضية من مصائب تضاف إلى مصائب "حلزونة أوسلو" لما حاولت كتابة هذا المقال لأنني أدرك أن الكثيرين من الإخوة سيكتبون ويحللون ويكشفون المستور الذي بدأ يكشف عن عورته بنفسه ، ولأن نتائج اللعبة أكبر من اللعبة نفسها ، ولأنني أحد أكثر الملتزمين احتراماً لثقافة شعبنا وموروثنا الشعبي الذي يقول : (ما شافوهم وهما بيسرقوا .. شافوهم وهما بيتقاسموا) .

مقال "الجُمـــيز"

كنت في الحقيقة قد بدأت بكتابة مقال عن "الجُمّـــــيز" عندما اتصل صديق وقال لي : الريحة طلعت .. فلان حردان وفلان زعلان وعلان "قطع الإرسال" وسافر إلى ألمانيا ـ بحجة كاذبة ـ ادعى أنها للعلاج ..‼

قلت لمحدثي .. إذاً .. "العوض على الله" راح "الراتب المسروق" في العـلاج لتغطية تذاكر سفر الناطق الرسمي للمؤتمر ، لأن راتب التقاعد الخاص بي مسروق منذ أكثر من عام دون علمي ودون سبب ودون سند قانوني ، رغم تصريحات جماعة المقاطعة عن النزاهة والنظافة المالية وشهادات حسن السلوك الأمريكية للسيد فياض وكل من هو سائر في الركب الأمريكي . ولعلم كل من له علاقة "بشفط" الراتب نقول لهم بأننـــا سنأخذ حقنـــا حتى من أولاد أولاد أولادهـــــم .

باعوا عرفات ويعقدون مؤتمرا باسمه

في شهر "أوت" 2003 التقى أحد وزراء السلطةً ـ من المقربين من محمود عباس ـ مع سفير "مغاربي" في مطار عمان . وخلال حديث دار بين السفير والوزير ، استفسر السفير بتأثر عن وضع الأخ الشهيد أبو عمـــار وحصاره في المقاطعة وغياب موقف فلسطيني وعربي ضاغط لفك الحصار عن رمز الشعب الفلسطيني وقائده وعنوان نضاله وكفاحه . وقد أبدى السفير في سياق حديثه تعاطفا ظاهرا مع الأخ أبو عمــار بحكم المحبـة والتأييد الصادق لدى أهلنا في المغرب العربي مع فلسـطين ، وهو حال غالبية الشعوب العربية والإسلامية والصديقة .
السفير فوجئ برد الوزير على كلامه ، الذي قال "بوزرنةٍ" عالية لأن معاليه مولود "مويزر" من صغره إذ قال بِغـُنّة : عرفات انتهى .. ولم يعد له دور ، والأمريكان والإسرائيليين لا يريدونه ونحن الفلسطينيين أيضا لا نريــده وعليه أن يترك ويرتاح .

ونقول الآن للسيد الوزير الذي لم يحالفه حظ "الكركزة" رغم توفر المواصفات والملابسات المطلوبة .. فقد كان البوق الأقوى وأحد أركان المطبخ المُطْبقْ على محمود عباس ، وفجأة وبلا مقدمات يجد نفسه خارج اللعبة بطريقة تقل حرارتها عن حرارة البوظة (الآيس كريم)

وأيضاً نقول للسيد الوزير والذي لم يعد وزيراً بلسان صاحبنا الأرمني أرتـين .. أفاريم أليك وزير .. ( يعني عفــارم عليك يا وزير ) .

وربما يسأل أحد من القراء الكرام ، أو من "شَمَّامي" السلطة ـ الذين يتسولون بين السطور ـ لماذا استعملتَ بعض المترادفات عن الذين لم ينجحوا في الانتخابات في بداية المقال (فلان حردان وفلان زعلان وعلان "قطع الإرسال" وسافر إلى ألمانيا ـ بحجة كاذبة ـ للـــــعلاج ..‼) .

وحتى أخفف عناء البحث على "شمّامي السلطة" قبل عناء القارئ
الكريم نقول مثلا :

ـ في حالة الزعلان :

تُحـَلُّ المشكلة بإعادة تزوير المُزوَّر ، وبقدرة مُـــزوِّرْ يصبحُ الراسبُ ناجحــاً ، ويضافُ "بغمزةِ تزوير" إلى اللجنة الكركزية .

ـ في حالة الحردان :

يُعرضُ عليه منصب في اللجنــة التنفيذيـة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، فيذهب عنه الحـرد ويرتفع الغــم ، ويزول الهــم .

ـ في حالة من أوقف الإرسال :

ـ يعرض عليه مبلغ فيعاود الإرســال وترديد المـــوال .. الرئيس القائد الراشد الوالد الغامد العامد .

ولعل القارئ الكريم يدرك أننا لا نقصد الإساءة لأحد ، فالأشخاص بشكل عام نحترمهم خارج توليفة لعبة الإطار التنظيمي ، لكن من حقنا أن نَحترمَ أنفسنا ونتمسك بكرامتنا ولا نـُحشرَ تحت تعابير تخلوا من أي مضمون حقيقي .. فـتعبير "الوالدية" التي يحاول تعميمها "رشيحة" الألقاب والمناصب والمناقب تسيء لصاحبها قبل أن تسيء لغيره .

فلا يعقل أن يقبل رجالات فلسطين ومثقفوها تبعية "الوالدية" وهم الأرجح في كل شيء . ففي أواخر الثمانينات التقى المرحوم حكمت المصري مع صديق كان يعمل في قطر وهو رجل ثقة وممن التحقوا بفتح قبل السيد محمود عباس ومن الشخصيات الوطنية الفلسطينية المعروفة ، وخلال حديثهما تطرقا لموضوع نزول القيادة الفلسطينية للداخل فقال المرحوم المصري بأننا لا نختلف على زعامة أبو عمار ، أما أن يأتينا آخرون ليتزعموا علينا فنحن أحق وأولى بالزعامة . وبمعنى آخر أنهم لن يقبلوا بزعامة أي شخص آخـر كائنا من كان لأن أهل الأرض أولى بالزعامة .

نورد هذه الحادثة لكثرة ما يتردّد على لسان المنافقين والدجالين وعطشى المذلة والخنوع وماسحي الجوخ من إطلاق مسميات زعيم الشعب الفلسطيني والقائد الوالد لشخص يدرك هو نفسه بأنه ليس زعيم الشعب الفلسطيني ولا هو القائد الوالد لأن هاتان الصفتان تحتاجان إلى رصيد نضالي عالي وتجربة ثورية بإنجازات وطنية ملموسة . ونحن هنا لا نسيء للرجل ولمعرفتنا بقدرات الرجل وإمكاناته .

مؤتمــــر تأكيد أللا شرعية

سمعنا بيانات تأييد وبرقيات تهاني من جهات عدة فلسطينية وغير فلسطينية كلها تبارك بنتائج مؤتمر "بيت إيل" وهي عملية تدخلنا في ذات متاهة العِــــــوران ، لأن من دعا لمؤتمر بيت إيل يعلم بأزمة الشرعية التي تعيشها السلطة ، وكل هذه المؤتمرات والاجتماعات تؤكد دائما أنها هي الدليل البين على أن الشرعية تعيش أزمة اللا شرعية ، وتعتقد أن ما قامت به يشكل الغطاء الساتر . فمواقف التأييد الرسمية تؤكد ما كنا نقوله عن حالة التراجع العربي تجاه القضية الفلسطينية ، وإلقاء الحمل على الفلسطينيين ، فاستمرار حالة الانقسام التي أضرت بالقضية الفلسطينية لا تشير إلى عجز القيادة الفلسطينية في تحمل مسؤولياتها فحسب بل تبين كذلك حالة العجز العربي ، وضعف دور الأنظمة وغياب دورها ، وانكفاء كل نظام للحفاظ على وجوده والتخلي عن الدور القومي والاحتمــاء بالتبعيـات الخارجية .

الكرامة الوطنية وبواريد دايتون

كان أولى بمن يتشدقون بالديمقراطية والثورية أن يخجلوا ويشيحوا عنا بوجوههم لأن أعضاء المؤتمر الحقيقيين هم "شبيحة دايتون" الذين فاق عددهم عدد أعضاء المؤتمر إن جازت تسميتهم بأعضاء مؤتمر ، والذين ربما هم من أدلوا بأغلب الأصوات .

فأين الكرامة الوطنية وأين الشفافية حتى يتشدق بها المتشدقون ، لقد نجح المؤتمر ويرسل أهل النفــاق برقيات المباركة والتأييد ، ونحن نعلم أن هناك أعضاء في المؤتمر منعوا من الذهاب إلى الحمــام قبل اكتمال المسرحية .

طــــاولة الزهـــــور

لا ندري إن تابع القراء جلسة مجلس الوزراء التي أعقبت نتائج المؤتمر ولاحظوا صورة الطاولة التي جلس حولها الوزراء وهي مفروشة بالزهور وباقــات الورد وزجاجات الماء وأباريق حفظ الشاي والقهوة ، هل فكَّـرَ هؤلاء الوزراء كم زهرة في بيوت اللاجئين وكم زجاجة ماء في المخيمات ؟

لماذا لا توضع مجسمات صغيرة للمدن الفلسطينية على طاولة الاجتماعات ؟ حتى نشعر بأن هذا المجلس يفكر في فلسطين . ولقد قلت يوما لسفير صديق أنني أشعر عندما أنظــر إلى صورة رئيسكم على شاشة التلفزيون أنها تبدو لي وكأنني أنظر إلى لص ، فما أشبه الليلة بالبارحة مع فـــارق المكان .

صحيح عقد مؤتمر لكن ليس على قاعدة صحيحة ، وهناك أصوات تزداد يوما بعد يوم لا تعترف بشرعية المؤتمر ولا بما صدر عنه ، وهو ما يجعلنا نقول بأن فتح باقيــة ، وأن شرعية القاعدة الفتحاوية أقــوى من كل الأسماء والألقاب والصفات ، ولن تحظى قيادة لم تولد من رحم فتــح بأي تعاطف عام معها أو بدعم واسع لها .

لذا نقول بأن فتح بـــــلا قيادة ...

ربما يغضب بعض من نحترمهم ، وربما يفهم آخرون كلامنا على أنه خروج عن الالتزام التنظيمي ، وربما يلجأ البعض الآخر لأبعد من ذلك .

ونقول للجميع لا تتحدثوا عن الديمقراطية وتمارسون ضدها .

فبناء الحركة لا يتم بشعارات وإنماء بخطة عمل ضمن برنامج نضالي واضح ، يلتقي حوله كل أبناء فتح ومحكوم بإطار تنظيمي صحيح ، تحميه مؤسسة تستند إلى القانون . وساعتها سيلتف كل أبناء الحركة حول قيادتهم ـ أيا كان أعضاء القيادة ـ بتلك الروح التي كانت تجمعنا والتي أعطت للحركة بعدها الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي .

فعن أي فتح تتحدثون ؟

عن فتح التي تم اختيار أعضاء مؤتمرها على قاعدة .. هذا معنا وهذا ليس معنا ، والذين لا يصل تمثيلهم الحقيقي لأكثر من ( 5 ـ 7 % ) من أبناء فتح ، ورغم هذا الاختيار الانتقائي فلم يغب ضمير فتح بل كان حاضراً ونجح في التعبير عن رفضه لعملية الإقصاء المتعمد من قبل من يفترض أنهم يمثلون أمانة المسئولية .
أشياء قد نفهمها ، لكن هناك أشياء كثيرة لا نفهمها ، وهي ما تمثل ثغرات استفهام كبيرة ، فكيف لا ينجح في انتخابات المركزية الأخ أحمد قريع وهو من كان بيده إدارة التنظيم وبنائه والإشراف عليه ؟ لقد أوردنا هذا التساؤل فقط للدلالة على أن ما تم لم يكن هو ما انتظره أبناء فتح طيلة هذه السنوات .

إن كان "خاطفوا الحركة" يخططون لتحويل حركة فتح ـ الحركة النضالية الثورية ـ التي أوصلتهم لما هم فيه الآن من صولجان ، إن كانوا يرسمون إلى تحويلها إلى حزب سياسي سلمي ، فبإمكانهم الإعلان عن ذلك الحزب وإنشائه بعيدا عن إنهاء الحركة وتدميرها عبر الصراع على المناصب والمكاسب والمتاجرة بدماء الشهداء ، وأن تبقى الحركة الظهير الساند والحامي لهذا الحزب ومرجعية النضال والمقاومة ، ودون المساس بوحدة الصف الفتحاوي ، ويدخلوا بالعطور والبخور وبالسلاسل والدنادش إلى معترك التفاوض والسلام ، فإن حققوا أي مكسب لشعبنا ، فسنكون الجنود الفاعلين في ميدان الخدمة العامة .


عبد الشافي صيام - موريتانيا

E-mail : o100a@hotmail.com
Tel: 00222 6302397